http://www.kanaanonline.org/articles/01721.pdf

28 / 11 / 2008

* * *

 

تجاوزاً لمتنازعي السلطة.. إلى حلم بوطن وأمة

طبقات بلا ممثلين وممثلين بلا طبقات

من ليس له حلم يمثله اسياده

د. عادل سمارة

 

انتهت فصائل الحركة الوطنية والإسلامية الفلسطينية من حرب العصابات إلى حرب الكلمات والتصريحات. خطب وخطابات وتصريحات تضاد بعضها بعضاً وليس على الأرض إلا الإحتلال! أن ينكر الخطباء ذلك، فتلك مصلحة طبقية وفردية معاً لهم. أما أن ينساق الجمهور لمثل هذا التناسي فتلك حالة من استدخال الهزيمة تعني أن الخطر وصل العظم.  كيف لا وقد فقد الناس القدرة على توليد ممثليهم، طبقات بلا ممثلين، وممثلين بلا طبقات ومنهم ممثلين بلا تنظيم او كوادر او حتى اعضاء. فالمجتمع يتحول إلى انقسامات وتقاسمات فصائلية هتافها زعيق، واحتكاكها اشتباك، وإلى متعبين محايدين، وإلى باحثين عن ارتزاق من اي مصدر.

 

هذا على المستوى السياسي، أما على المستوى المعيشي، الإنتاجي، فلا يكاد يرى المرء أن هناك تشكيلة اجتماعية-اقتصادية، مواقع الانتاج تتبخر، وشره الاستهلاك لا يتوقف توسعه، رغم توسع الاستيطان وقضم الأرض بل بالتوازي (الغريب) معه، والاعتماد على فتات الأجنبي يشكل معظم الميزانية العامة. وفي حين أساس ومصير الصراع على الأرض، فالأرض مهملة، وأصحابها عاطلون عن العمل ويرفضون العمل فيها، بل ويأنفون (رجالا ونساء)، ويتغذون على اقتصاد التساقط من مساعدات المانحين التي هي ريع اقتصادي لتسوية تعترف بأن فلسطين 1948 هي "إسرائيل". وبما هو ريع سياسي وليس ريع الأرض، فلن يتكرر كثيراً لأنه وسيلة الإنتاج هي قرار سياسي يتغير في أقرب وقت مناسب.

 

أما على المستوى الثقافي، فتدخل في السوق فيالق ممن أزالوا الأمية، يرطنون بكلام منمق، متناسل من الكلام ويقيمون أوطاناً في اللغة، وينشغلون في رمزيات فردية شخصانية. وقد يكون سبب هذا الحال، أن هذا المثقف والشاعر والكاتب النثري، أو إن جاز القول، الأديب، كان يستلهم شياطينه من التعلق بحب فلسطين. فماذا بعد أن قتلتها التسوية واصبح الوطن  مجرد اتفاق "أوسلو" والدولة هي "إعلان الاستقلال". هل يستلهم الشعراء "اتفاقات مدريد وأوسلو وطابة وواي ريفر" وهل يأخذون مثالهم من الجنرال جونز ومكاتب ال سي.آي.إيه في رام الله، فأنَّى مشينا نشتم رائحة الخنازير!

 

رحم الله درويشاً الذي فتح لهؤلاء باب الرمزية، فافلتت هذه الفيالق بدرجات الأمية والتعالم لخلق وطن في الشعر، وليس هناك اسهل من الوطن الرمزي، والاستيطان في الثقافة بدل الاقتصاد السياسي كتراب. لقد اسس درويش قاعدتين لإنقاذ المثقف الفلسطيني غير الفلسطيني.

 

الأولى: قاعدة: "من يخرج على الشرعية يخرج على الإنسانية". فاي تفكير بونابرتي في أفضل الأحوال، وفاشي في اسوئه. فهذه الشرعية مخلدة خالدة لا تبادل لسلطة فيها ولا حتى انقلابات حسني الزعيم والشيشكلي وعبد السلام عارف وبومدين والقائمة تطول وتسوء.

 

والثانية: قاعدة الاحتماء الرمزي بالرمزية فهي تعفي من الانتماء وتسمح بالارتزاق.

 

لذا، وجدنا عشرات المثقفين والمتثاقفين يعيشون طفيليات على فائض قيمة يتحصل من وضعهم على كادر دائرة "وزارة" الثقافة والإعلام وبيت الشعر وبيوت لم تروها ولن تروها.[1] فما الذي نتوقعه من كاتب او شاعر، لا يعمل، يأكل من فائض القيمة المتحصل من الشعب أو ريع التسوية ولا يحرك إلا بعض اصابعه ليكتب "يتيمة الدهر" بل مدائح التسوية! لذا، حين رحل محمود درويش انتصب بازار التفجّع وسيبقى ما بقي الحال.

 

لاكتمال المشهد بكل سورياليته خُلقت قاعدتان في خدمته:

 

الأولى: مبنى إعلامي للتشكي والفجيعة يستغل تعاطف العالم مع قضية عادلة دون مواربة، وليخفي انتفاخات القيىء المتراكم في الحركة الوطنية. هذا دون أن يعرف هؤلاء أن دوائر المخابرات التي تصنع الأجهزة الأمنية (التي ضربت الناس "بإخلاص ومتعة" يوم اعترضوا على زيارة بوش لرام الله) تعرف تفاصيل البيت من داخله.

 

والثانية: أحد أحدث أنماط التلاعب والنفاق ما يسمى استطلاعات الرأي التي تتم في الأرض المحتلة (وللإنتباه فمعظمها ممول من الحكومات الغربية وخاصة مكتب الحزب الجمهوري الأميركي- أنجزة من نوع خاص)، لحركة كذا نسبة كذا ولتلك نسبة كذا! أما ما وراء هذا النفاق فهو تأكيد التحولات الخطرة بأن الإشكالية القائمة وربما الوحيدة والدائمة هي الصراع الداخلي ، ليس بين الطبقات، فلا ترقى الحالة إلى هذا،  وإنما بين النخب! ناهيك عن زعيق الفضائيات والزعيق عليها مما حول فلسطين إلى مجرد وطن في الفضاء.

 

على حواف هذه الصورة، ولا اقبح، يبدو أن كل شيىء مستقر ولم يبق إلا تبديل بوش الفلسطيني بأوباما الفلسطيني، هناك بالتبادل وهنا بالقنابل!

 

ولكن، إذا كان تاثير التسوية على فلسطينيي الأرض المحتلة، والشتات بلا شك على هذا النحو، فما الذي قدمناه في هذه الرقصة الناطقة، لا التعبيرية، إلى الوطن العربي؟ قدمنا تهذيب وتطييب صورة الاستعمار وتصويره واحة للديمقراطية! وهو ما نقله عملاء العراق ليصلوا السلطة ويمرروا اتفاقية أمنية ليبقى جيش الاحتلال في العراق! ويبدو أن الصوماليين أدركوا اللعبة فها هم يعجَّلوا بطرد عملاء أميركا من الإثيوبيين قبل أن ينسخوا الديمقراطية الفلسطينية وتترسخ هناك "إمبريالية رثة سوداء" فنادي الإمبريالية الأم والرثة ما زال ابيضاً، "من غير سوء"!

 

استعمار وديمقراطية

 

عندما بدأ الحديث عن انتخابات البلديات في الضفة والقطاع عام 1975، دار جدال في الأراضي المحتلة 1967 حول أخذها أو تركها. كان هناك اجتهادان أحدهما رفض الإنتخابات في ظل الاحتلال، والآخر مع الانتخابات إذا لم تترتب عليها تنازلات سياسية تقارب الإعتراف بالاحتلال.

 

أذكر حينها أنني مررت وصديق قديم، اصبح قطاً سميناً مع التسوية،  قرب  منزل المرحوم كريم خلف رئيس بلدية رام الله حينها، وخطر لنا ان نزوره، على عادة عرب بلا "إتكيت"،  وفعلنا وإذا بتجمع من الحركة الوطنية هناك. فقالوا نحن نناقش الموقف من الانتخابات. قلت لديَّ ورقة في الموضوع، فذهبت إلى منزلي وأحضرتها وناقشنا الموضوع واتفق الحضور على المشاركة. وأعتقد أن الطرف الذي لم يكن هناك هي الجبهة الشعبية.

 

ما علق بذاكرتي منذ يومها أمران:

 

الأول مباشر وصغير: فقد أرسلت الورقة إلى الجبهة الديمقراطية التي كنت اعمل معها، معتقداً أنني أنجزت أمراً هاماً، فإذا الإجابة: "يا رفيق موقفك متقدم، ولكن كان يجب ان ترسل الورقة إلينا ونحن نوزعها ونرسلها لك كي تقدمها باسم التنظيم". جادلت ضد هذه البقرطة، وكان هذا من اسباب مغادرة ذلك الطرف.

 

والثاني كبير وغير مباشر: فبينما اعتقدت ان الأطراف التي مع الانتخابات محفوزة بتفكير مرن ولكن في نفس الوقت متماسك. لكن ما اتضح كان العكس، ففي مسيرة الاتصالات التي فتح لها الخط المرحوم إدوارد سعيد مع الإمبريالية الأميركية "يا خسارة"، وهو الخط الذي تواصل واتسع ليصل إلى أوسلو والاعتراف بالكيان الصهيوني وإعلان الاستقلال، وهو أطول إعلان في التاريخ حيث لم يكن إعلان عن إستقلال، ولا أخاله سيكون. وتدحرجت كرة التسوية لتصل إلى إجراء الانتخابات الأولى والثانية وكأن الاحتلال هو الذي تحت احتلالنا.

 

أما وقد اصبح إجراء هكذا انتخابات أمراً عادياً، نكون نحن الفلسطينيون قد أرسينا سابقة خطيرة في الوطن العربي تعتبر الاحتلال وضعاً عادياً، وهو ما احتذاه النظام العراقي الحالي ليمارس "ديمقراطية" تحت احتلال ولا أبشع. وبهذا تكون الحالة الفلسطينية قد ارست نموذجاً لا تاريخياً في العلاقة مع الاستعمار الاستيطاني. أما ونحن نُعايش الاحتلال ونخلده وحتى الاستيطاني منه، فلا مكان لنظريات "ما بعد الاستعمار".

 

القرار المستقل: قُطرية ناقصة

 

يزخر الخطاب السياسي الفلسطيني بتمجيد ما يسمى "القرار الوطني المستقل"، وهو شعار بدأ قبل أوسلو واستمر حتى اللحظة. وهو امر لا يحتاج لكثير تدقيق حتى نتبين أنه قرار يرمي إلى تحويل القضية الفلسطينية من حالة كفاحية ضد استعمار استيطاني، تحتاج العمق العربي بمختلف إمكاناته وتنتمي إليه، إلى حالة "دولة" قُطرية تقف نداً لمختلف القطريات العربية الأخرى. أي تحويل الحالة الفلسطينية من حالة حراك شعبي مقاوم، إلى نسخة عن الواقع العربي الذي يستثني المواطن من مختلف الحقوق باستثناء دخول المعتقلات. فالوطن الحقيقي في الوطن العربي هو المعتقل. (السجن هو المكان الطبيعي لشاب حر في أمة مستعبدة- جواهر لال نهرو).

 

ولكن، إذا كان الاحتلال ما زال قائماً، ومن ينكر ذلك؟ وإذا كانت شوارع رام الله الرئيسية تغلق في الاسبوع عدة مرات لتمرير سيد أميركي آت وآخر منصرف، ناهيك عن وزراء من بريطانيا وفرنسا وحتى بُغاة (الإمبريالية) من طراز هولندا والدنمارك، فضد من صدر القرار المستقل؟ اليس ضد العرب!

 

إذن، كان لا بد من خلق "وطن مُتخيَّل" كي يحصل صراع "حقيقي" على السلطة بين فصائل محلية من جهة، ولكي تُرفع فزاعة أطماع هذه القطرية العربية أو تلك لتبرير وتمرير التهاوي المتواصل للوضع في الأرض المحتلة. وهذا يحتاج إلى الوقود المالي، فلا باس أن يغرف الغرب من فوائض الصناديق السيادية العربية لديه ليمول الأرض المحتلة ودولتها. من هنا طلبت سلطة الحكم الذاتي 5.2 بليون دولار في العام الماضي، فأعطاها هرون رشيد العولمة 7.4 بليون دولار. وإلى الاقتصاديين الذين يخشون أن تقود الأزمة المالية إلى تبخر المساعدات، اود الطمأنة بأن هذا منوط باستكمال التسوية.

 

حقبة المبايعة

 

بايع، قبل ايام، المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية[2] رئيس سلطة الحكم الذاتي، كرئيس لدولة فلسطين؟ وهي خطوة استباقية قُصد بها التجديد قبل موعد انتهاء ولايته. وأعلن رئيس هذه السلطة بدوره أنه إذا لم ينجح الحوار الفلسطيني فإنه سيدعو لانتخابات لرئيس السلطة ولمجلس الحكم الذاتي.

 

وقد يبدو للبعض أن هذه خطوة استباقية ماهرة لقطع الطريق على ما قد تقوم به حماس، وهو إعلان لاشرعية رئيس السلطة بعد التاسع من كانون الثاني. فكلا الطرفين الفلسطينيين يشكل "حركة مقاومة ضد الآخر" ويتربص به الدوائر!

 

وهي خطوة ماهرة لو كان هناك وطن، ودولة واقتصاد وأي مقوم من مقومات الصراع على السلطة. وعليه، فهذه الخطوة تصعيدية لن تنتهي إلا إلى توسيع الشقة الخلافية، وذهاب الضفة في طريق وغزة في طريق أخرى.

 

لقد بايعت فصائل منظمة التحرير رئيس السلطة باسمها،وهذا موقف "شرعي" تماماً، طالما هي في مكان يُعطى فيه للاحتلال شرعية فتُجرى الانتخابات تحت الاحتلال ويتم الاقتتال على المكاسب المحدودة المتولدة عن ذلك.

 

والسؤال هو: هل يمثل المجلس المركزي الحالة الفلسطينية في المناطق المحتلة؟ كان هذا المجلس يمثل فصائل المنظمة حينما كانت المنظمة موجودة، وحينما كانت خارج الأرض المحتلة وحينما كانت مسلحة. فهل ما زال الحال على ما كان عليه؟

 

ومن باب آخر، من الذي بوسعه الزعم أن هناك مؤسسة فلسطينية تمثل كافة الفلسطينيين في مجال محدد؟ فسلطة الحكم الذاتي ومجلس الحكم الذاتي  حتى حينما كانت فتح وحماس على وئام، لم تكن لتمثل غير فلسطينيي الضفة والقطاع باستثناء من يرفضون "الديمقراطية تحت الاحتلال ومنه" حتى لو كانوا بقبضة يد، بل هم 24 بالمئة لم يشاركوا في الانتخابات. وللعلم، ليس بين هؤلاء اي تنظيم سوى الجهاد الإسلامي. اي أن فصائل المنظمة جميعاً شاركت في الانتخابات والفصائل من غير المنظمة سواء حماس او منظمات الأنجزة.

 

هذا ناهيك عن أن المبايعة ليست من الديمقراطية في شيء. وأعتقد أن كثيرين من كوادر هذه التنظيمات لا توافق على مبدأ المبايعة، لأنها لا تعتقد أن خطوة كهذه سوف تصب في صالح التقارب بين المتنافسين.

 

تشكل المبايعة نموذجا فلسطينياً في قراءة "ديمقراطية " صامويل هنتنجتون التي تقول، أن الديمقراطية لا تنفع ولا تتجلَّس في بلدان المحيط، ولذا، فالأفضل ان يتم استقطاب قادة مواقع ومؤسسات وأخذ موافقتهم وانتهى الأمر.

 

القوى الوسطية

 

يدور الصراع بين فتح وحماس، ولا يبدو أن فرصة المصالحة متوفرة، بمعزل عن أقوال هنا وهناك بأن ذلك ناجم عن تاثير إقليمي او دولي. لا شك أن هناك تاثيرات وتجاذبات، ولكن هناك القابلية المحلية التي تستدعي ذلك. هذا مع وجوب التمييز بين تاثير عربي وتاثير إمبريالي، وحتى بين تأثير إسلامي وآخر غربي.  ويبقى الفيصل هو في الانخراط في التسوية، والابتعاد عنها. هذا مع الأخذ بالاعتبار أن المشاركة في الانتخابات قد أدخلت معظم القوى الفلسطينية في مطهر التسوية، وإن بدرجات.

 

لكن ما زاد الشقة تباعداً هو تخندق فصائل منظمة التحرير لصالح السلطة الفلسطينية، مع أنه كان بوسع جزء منها على الأقل اتخاذ موقف خارج الإصطفافين، ليكون مركز استقطاب ثالث من جهة ومشروع مصالحة من جهة ثانية. كان بوسع بعض هذه الفصائل أن تباعد ما بينها وبين الفريقين المتنافسين. أما عدم حصول ذلك، فعاد بالضرر على هذه الفصائل أكثر من غيرها، وأدى إلى انعدام تحولها أو تحول اي منها إلى قطب ثالث حقيقي.

 

دولة بلا وبدون وطن

 

يتضح يوماً بعد يوم أن مشروع الحكم الذاتي كان مشروعاً استعمارياً (كولونيالياً) قُصد به تقديم منافع للنخب السياسية والاقتصادية والثقافية بجوهرها الكمبرادوري، كي تقتتل على السلطة، وهو أمر يترتب عليه صراع داخلي يذهب بالنضال الوطني إلى التصارع الداخلي.

 

لعل القراءة الاستعمارية للواقع قد استعملت المنهج المادي في التحليل، ولكن لأهداف غير أهداف هذا المنهج. وهذا ما حصل!.

 

وكما اشرنا أعلاه، إذا وضعنا هذه المسألة إلى جانب القرار المستقل، نجد التقاطع ما بين مشروع الدولة، بلا دولة، والقرار المستقل بمعنى جلب نسخة سلطوية عربية، تقف على قدم المساواة مع القطريات العربية، وليس على قدم المساواة مع الاحتلال.

 

وهذا أعطى للعلاقة مع العرب معنى آخر، هو المعنى الرسمي الذي يسمح لكل دولة عربية ان تعامل سلطة الحكم الذاتي كما لو كانت دولة، ولكن دولة جوار وليست دولة لها معها رابطاً قومياً، أو اي التزام من اي نوع.

 

طبعة مشوهة حتى للقطرية!

 

إن القطرية في مصلحة النخب[3] الحاكمة في جزئيات الوطن العربي. وهي بالطبع ضد الطبقات الشعبية العربية ذات المصلحة في الوحدة والتنمية والأمن الغذائي والكرامة[4] وهذه المصلحة بتفرعاتها وتنوعها تناقض مصالح الكمبرادور المتحكم . لكن حتى هذه القطريات، هي على أرضها، بمعنى ان ما ينقص هذه القطريات العربية هو حق المواطنة وليس وجود الوطن.

 

أما الحالة الفلسطينية في الأرض المحتلة فمختلفة تماماً، فقد أُعلن الاستقلال، وأُقيمت بنى سياسية دولانية دون قيام دولة، بمعنى وجود وطن قيد السيادة.

 

وبقدر ما ان الديمقراطية تحت الاحتلال بلا معنى، فإن إقامة هياكل دولانية بدون وطن، هي في الحقيقة خلق حالة متخيلة لدولة مما يسمح بممارسات الدولة كواجبات وغيابها كحقوق. لذلك، هناك في الأرض المحتلة شرطة ومخابرات ومؤسسات جباية ضريبية ومؤسسات تطبيع وسجون، ولكن لا توجد حقوق مواطنة للمواطن، على الأقل لأن الاحتلال هو الذي يحكم حقاً. ومن ينكر ذلك فليتجرأ على دخول الحاجز للصلاة في الأقصى بدون تصريح صهيوني، بل هو لا يستطيع دخول نابلس. كم "وزيرٍ" اوقف على الحاجز بأمر من جندي صهيوني أبله!

 

ولعل أكثر ما يُلام على عدم تبيان هذه الحقيقة، بل إخفائها بقصد ومقابل ارتزاق وتكسب،  وجود وتناسل منظمات ما يسمى المجتمع المدني في الأرض المحتلة. وهذه حالة من التراكب المشوه بلا حدود.

 

فالمجتمع المدني هو حالة مشروطة بوجود مجتمع سياسي، بل إن المجتمع المدني هو لغرضين، بل مدرستين:

 

جر المجتمع السياسي لتبديل السيطرة والقمع بالهيمنة،ويبقى هذا ضمن اغتصاب برجوازي للمفهوم الغرامشي للمجتمع المدني.

 

أما بمفهوم غرامشي، فهوتمهيد مواقع وصولاً لاسترداد الطبقات الشعبية لقلعة الدولة لتعمَّم هي همينتها.

 

إن ما يتصدر ما تسمى منظمات مجتمع مدني في الأرض المحتلة هي الإرساليات الأجنبية، الإمبريالية الغربية تحديداً، إرساليات ثقافية في ثوب الأنجزة. وهذه تجهد نفسها كي تُدخل في روع الفلسطيني أن له دولة ومجتمع سياسي ومجتمع مدني، ولذلك تقيم المنتديات الشبابية والنسائية والشيوخية، في حالة من الفقص تحت الجلد بحيث تقتُل ولا تُرى! وبأن الكيان الصهيوني هو دولة جوار مثل الأردن ولبنان ومصر. وهذا يتقاطع مع التسوية بالطبع، وهنا تبرز الهوة بين فلسطينيي التسوية وفلسطينيي الممانعة.

 

موقف الكمبرادور العربي

 

ليست هذه التسمية مثابة إيديولوجيا أو "تشنيع" سياسي. وليس المقصود بها دفع الحديث باتجاه اقتصادي وتنموي، بقدر ما أن المقصود هو قراءة الموقف الرسمي العربي على ضوء المشروع السياسي الإمبريالي الأميركي في الوطن العربي. فالأنظمة العربية لا تملك من أمرها إلا ما يقترب أو حتى يتطابق مع الموقف الأميركي. وعليه، فهي تنفذ الحصار على غزة من هذا المدخل بالذات، بغض النظر عن التغليفات ومحاولات الإلتفاف المكشوفة.

 

وهذا أمر يطرح تساؤلاً مشروعاً: إذا كانت الأنظمة العربية أعجز، حتى لو رغبت، من تقديم أي دعم ولو إنساني للفلسطينيين في قطاع غزة، فلماذا تزعم هذه الدول الوساطة، أو تعقد المؤتمرات وتناقش الأمر كما لو كانت قوة فعل مستقلة؟ هذا إضافة إلى أن القُطرية قد أعفت هذه الأنظمة من اي واجب تجاه فلسطين، ولا سيما تشكيل القطرية الفلسطينية المتصالحة مع الاحتلال!. بهذا المعنى، فإن الأنظمة العربية لا يمكن أن تلعب دوراً تقريبياً لا من حيث الرغبة ولا من حيث السماح الأميركي.

 

لكن هذا يفتح على أمر آخر، وهو مأزق حصار هذه الأنظمة شعبياً. فهي وإن كانت منسجمة مع نفسها فيما يخص الطلاق القُطري، إلا أنها مأزومة مع الشعب العربي الذي لا يرى القضية بعيون الأنظمة، بل بالمشترك القومي. وهذا يضع الأنظمة في مأزق الفرار برغباتها وارتباطاتها، والبقاء بالضغط غير المباشر على هامش قناعات الأمة. هذه القناعات التي رغم كل الضخ القطري لأكثر من نصف قرن، ورغم وجود شرطي وجندي وعنصر مخابرات في كل منزل، لم تتمكن هذه الأنظمة ومثقفيها العضويين من اقتلاعها كمشترك عربي.

 

هذا رغم التفكك الفلسطيني.

 

نعم، فقد نجحت التسوية في شق الشارع الفلسطيني بما يحول دون الوحدة الوطنية. وبغض النظر عن درجة الصدق، هناك رطانة هائلة عن هذه الوحدة، ولا يوجد اي فلسطيني يعلن صراحة أنه ضد الوحدة الوطنية، ولكن المواقف على الأرض تؤكد أن هذه الوحدة ليست على الطريق.

 

والخطير في الأمر أن مسألة الوحدة الوطنية انتقلت من الوحدة على أرضية الكفاح إلى الاقتتال على طريق السلطة.

 

فما مخاطر هذا؟ إنها مخاطر التخريب المعنوي والقيمي للمواطن الفلسطيني. فحين يكون الصراع على السلطة، وحين يكون جسم المجتمع مخترقا بآلاف منظمات الأنجزة، وحين تكون زيارات المسؤولين والمانحين الغربيين وخاصة الأميركيين للبلد كما لو كانت مقاطعة أميركية، حين يحصل هذا كله، يتفشى التساقط إلى المواطن، الذي يتحول إلى باحث عن "ريع" يتكسب به كي لا يعمل (كما أشرنا أعلاه باقتصاب) ،ولا نقول يناضل.

 

إن الخطورة القائمة اليوم على الشعب العربي كامنة في تفكيك وتخريب فلسطينيي الأرض المحتلة كمحاولة لتكفير المواطن العربي بالقضية لا سيما وأن محاولات حصرها في الفلسطينيين لا تتوقف ابداً. فقد نقل خطاب الكمبرادور والتسوية حتى اسم الصراع من عربي صهيوني، إلى عربي إسرائيلي إلى فلسطيني إسرائيلي، وقد ينتقل إلى ضفاوي أو غزاوي-إسرائيلي وينتهي إلى صراع بين "مثلاً: عائلة الحسيني وإسرائيل" كما كتبت في كنعان منذ عقد ونصف مستذكراً المرحوم فيصل الحسيني.

 

تجاوز مأزق غرامشي

 

هناك حالة انسداد فلسطيني، ولا شك أنه عربي كذلك. والانسداد كما وصفه غرامشي هو حالة معلقة بين احتضار القديم وتعسُّر ولادة الجديد. فلا القديم قادر على البقاء ولا الجديد قادر على إزاحته بعد.

 

وقد يكون الحلم أحد مقومات دفع الجديد إلى الأمام. فما هو الحلم المطلوب للحالة الفلسطينية؟ بل ما هو الحلم نفسه؟ فليس الحلم  شيئاً سوى قرار الناس تخطي حالة القطيع وصياغة واقع جديد لهم. ليس الحلم وحياً، وليس خيالاً، بل هو خلق مشروع.

 

الخيال المهزوم لا يخلق مشروعاً، والانتماء المثلوم، الانتماء الموسمي، أو التشاغل في العمل الوطني والطبقي في أوقات الفراغ فقط ليس انتماءً، بل هو تطريب برجوازي صغير يستذكر واجبه فيقوم بشطف نفسه بين الحين والآخر لإسقاط أحد الحدثين! هؤلاء لا يُثمروا والاستثمار فيهم بعثرة. ومن ليس له همَّاً عامَّاً لا يمكن أن يكون له مشروعاً، بل هو ضمن مشروع الآخر، اي هو ضمن الحالة القطيعية التي يصوغها التيار المهيمن، والثورة المضادة لتعليب الناس وتفريغهم من شحنة النقد والاعتراض ونقد السلاح.

 

ما هو المشروع المطلوب؟

 

ما يحدد هذا هي المهام الوطنية والقومية والطبقية المطروحة بل الضاغطة. فالواقع الفلسطيني يدفع باتجاه مشروع واحد هو التحرير والعودة. وهو مشروع لا يستوجب التواءات وتلونات الثقافويين الذين يزعمون ان المطلوب للقضية "تفكير جديد أطروحة إدوارد سعيد وتمفصلاته اللبرالية"، أو تلاعبات الثقافويين في الجامعات بتحصيل وطن باللغة ولها، فالتطابق، وهو جوهرانياً تبعية، مع المركزانية الأوروبية والإمبريالية ممكن في اللغة ومستحيل في الواقع والاقتصاد السياسي، لذا، فاللغة والثقافة ملجأ هؤلاء. فالقضية الوطنية هي اغتصاب وطن وتصفية وجود شعب،  تصفية متواصلة للقرن الثاني، فاي تفكير جديد هو المطلوب؟

 

والواقع العربي الشعبي يعتبر القضية الفلسطينية قضيته بمعزل عن ما تحاوله أنظمة الكمبرادور.

 

وواقع الهيمنة الإمبريالية يؤكد أن مشروع العدو الراسمالي الغربي هو احتجاز تطور الوطن العربي، بل وعرقنته كاملاً (تحويل كامل الوطن إلى حالة العراق) اي تدمير البلد، واقتتال أهلها، وسيطرة العدو على الثروة.

 

وهذا يعني أن تركيب مشروع الحلم هو النضال الوطني والتماسك القومي والتشارك الأممي بالنضال الطبقي.

 

ولكن، ما هي أدوات هذا المشروع؟

 

ليست هناك من قوة محلية بعد يمكن اعتمادها منفردة لهذا المشروع، هناك أجزاء من قوى تمكنت من الحفاظ على روح النقد والخروج والتمرد. لكن كثيراً من هؤلاء أُفقدوا ذات يوم روح المبادرة، وجرأة التخطي، وليس المطلوب سوى استعادتها بعد أن سُحبت منهم ذات يوم داخل هذا الإطار أو ذاك.

 

وهناك مثقفون/ات، افراد او جُمَيْعات، في هذا المجال او ذاك. لكن هؤلاء يفتقرون إلى الحلم الجريىء، حلم أن يبادروا لتكوين شيىء جماعي، بدل أن يكون كل شخص شيئاً خاصاً في ذاته.

 

بكلمة محددة، من لا يفرز ممثله، سيمثله خصمه أو عدوه أوسيده.  ومن لا يخلق حلمه لا يخلق ممثله ولا مشروعه. والمشروع العربي ليس أمراً من رموز السماوات، بل إن تعقيده في وضوحه. لا بد من قوة أخرى، تقف على حلم العودة والوحدة والاشراكية في الجزء والكل من الوطن العربي، لتواجه متغيرات حقبة العولمة ولا أخطر!

 

على ضوء أزمة المركز المالية وتابعه المحيط، سيكون الوطن العربي مسرح الزلازل أكثر من اي وقت مضى، فإما حلم عربي بوطن كالأمم الأخرى على الأقل، وإما تمفصلات فاشية سياسياً وعسكريا هنا وهناك، قطريات فاشية، بغض النظر إن كانت فاشية البرجوازية الصغيرة المعلمنة أو الأصولية، لا فرق، تحركها الإمبريالية والصهيونية حتى وهي جريحة بالأزمة المالية الحالية، بل ربما لأنها جريحة بهذه الأزمة.


 

[1]  زارني قبل عام صحافي ياباني، وحين جلسنا سألني عن مقال كتبته في كنعان الورقية ذكرت فيه دور اليابان في تمويل مشاريع  تحت مظلة الاحتلال وبقراره وعن مجلس الأعمال الإسرائيلي-الفلسطيني وهو مجلس للتطبيع الاقتصادي. قلت له كي أحادثك بصراحة، هل تقرأ العربية قال لا. قلت يعني لديكم عميل مثقف فلسطيني؟ قال لا. قلت لا داع للنقاش إذن. استتدرك وقال ليس بالضبط، إنما. فقلت تعال نتحدث.

 

[2]  شكراً لحزب العمل الوطني الديمقراطي في تونس الذي كتبت نشرته الإلكترونية: فلسطين، مقاومة اشهارية: قامت منظمة التحرير الفلسطينية بنشر اعلان في جرائد الكيان الصهيوني الاربع الكبرى، على كامل الصفحة وبالعبرية، جاء في نصّه "57 دولة عربية واسلامية ستربط علاقات عادية مع اسرائيل مقابل سلام دائم ونهاية الاحتلال" في اشارة إلى مبادرة السلام العربية المقترحة سنة 2002. حسب نشرة حزب العمل الوطني الديمقراطي التونسي نشرة الكترونيّة عدد 79 27 نوفمبر 2008

 

[3]  قد يجادل البعض ضد استخدام مفردة النخب بدل الطبقات. وقد يبدو هذا الاستخدام (نيو-ماركسية). ولكن الأمر ليس قياساً على مسطرة ماركس أو غيره. إنما الأمر يعود إلى مفهوم الطبقة. تعني طبقة برجوازية، وجود شرائح ذات قاعدة اجتماعية، طبعا ليست باتساع الطبقة العاملة، ولكن لها قاعدة معنية بمواقع الانتاج  ولها علاقة بها، بل علاقة قوية، وإن كان موقعها ودورها هو الاستغلال، طبعاً إلى جانب الاستحداث enterpreneurship . ولها ارتباط قومي لأن لها مصلحة في الحفاظ على السوق القومي ، سوقاً لإنتاجها هذا إذا اتفقنا ان الدور في الإنتاج والعلاقة بموقع الإنتاج لهما الدور الحاسم في تحديد الطبقة.

          كل هذه لا تتوفر في النخب الحاكمة في الوطن العربي. وعليه، كلما ضاقت قاعدة الحكم، كلما تقاطعت مواصفاته ودوره مع تعريف النخبة أكثر من تعريف الطبقة. وهذا ينطبق بالطبع على الزمر العسكرية الفاشية مدنيا وعسكرياً، والتي قد تعود مع آثار الأزمة المالية العالمية إلى الوطن العربي وكثير من بلدان المحيط.

[4]  وبعد سنة، وعلى أمل تحول الأزمة المالية إلى كساد اقتصادي عظيم، سوف أتجرّأ وأقول الاشتراكية، حتى لو أغاظ هذا مرتدي الماركسية من فلسطينيين ويهود وقفوا عند نقود لقمان وأهل الكهف، اي "الدولة الديمقراطية العلمانية" او وقفوا عند ما يسمح به اليسار الصهيوني ذو الجذور التروتسكاوية في فلسطين المحتلة.