العرب وتصدير القمع عالمياً 

عبد الباري عطوان




ان تمارس الحكومات العربية القمع ضد مواطنيها فهذا شيء عادي ومعروف ولا يتضمن أي جديد، ولكن ان تصدّره إلى العالم الخارجي والمنظمات الدولية، فهذا أمر يفوق كل التصورات، ويتطلب وقفة من جمعيات حقوق الانسان في العالم بأسره، لوضع حد لهذه الظاهرة المخجلة والمهينة التي باتت تشكل وصمة عار عربية بامتياز.

 
التقرير الصادر عن مركز القاهرة لحقوق الانسان يوم الجمعة، تضمن حقائق مؤلمة عن تدهور أوضاع حقوق الانسان في جميع الدول العربية، وتعرض المطالبين بالاصلاح لشتى أنواع التعذيب والاضطهاد، وتشويه السمعة، لكن أخطر ما تضمنه، هو ما سمّاه بتصدير الانتهاكات إلى المنظمات الدولية كالأمم المتحدة والشراكة الأورومتوسطية، وذلك بممارسة الضغوط عليها للجم اصوات المنظمات الأهلية غير الحكومية، بهدف اقصائها كلياً عن المنابر الدولية. أي أننا كعرب أصبحنا 'خبراء' في هذا الشأن، نصدّر القمع جنباً إلى جنب مع البترول.


أما الامر الجديد الآخر الذي تطرق إليه التقرير، وتجنبت ذكره معظم منظمات حقوق الانسان العربية الأخرى، فهو انتقاد جامعة الدول العربية دون مواربة، والقول صراحة بأنها أصبحت أكثر تعبيراً عن توجهات النظم الاستبدادية العربية من أي وقت مضى. وضرب مثلاً بتأييدها للانقلاب العسكري في موريتانيا، وانتهاكات حقوق الانسان في دارفور.


الأنظمة العربية تغوّلت في ممارساتها القمعية، وانتهاك حقوق الانسان، وأكثر من أي وقت مضى، بفضل الطفرة المالية الهائلة التي هبطت على معظمها من جراء ارتفاع عوائد النفط، وتضخم أرصدة الصناديق السيادية، والاحتياطات والفوائض المالية، بتريليونات الدولارات. فعندما تراجعت هذه العوائد، وتضخمت العجوزات في الميزانيات السنوية، بدأت هذه الأنظمة تقبل مكرهة ببعض العرائض المقدمة من قبل المطالبين بالاصلاح، وتسمح مكرهة بتوسيع هامش الحريات، وفتح الباب أمام الانتخابات البلدية أو حتى التشريعية، أما الآن فالصورة تغيرت، ووتيرة القمع تزايدت، وبات مكان الاصلاحيين الزنازين الانفرادية.


فرحة الأنظمة القمعية العربية لم تدم طويلاً، فالصناديق السيادية خسرت معظم أرصدتها، والاستثمارات المالية الضخمة في الأسواق المالية الغربية 'الآمنة' تبخرت بفعل الأزمة الاقتصادية التي هزت العالم الغربي بأسره، بحيث لم تستفد منها لا الأجيال الحالية، ولا الأجيال القادمة بطبيعة الحال.


'''


اربعمئة مليار دولار هي حجم خسائر الصناديق السيادية (المملوكة للأسر الحاكمة) حسب تقديرات صحيفة 'الفايننشال تايمز' البريطانية، وربما تكون أكبر من ذلك، بكثير لأن كيفية ايداع هذه الأموال واستثمارها في البورصات والعقارات الأجنبية تعتبر من الأسرار الحربية العليا.


المعادلة بسيطة، فطالما أن حقوق الانسان العربي منتهكة، والاصلاحات السياسية معدومة، فإن الأموال ستتبخر، لأن الاصلاحات تعني الشفافية والمكاشفة، والانظمة الدستورية، والقضاء العادل المستقل، والفصل بين السلطات، والحريات الاعلامية.


ولعل الجامعة العربية هي خيبة الأمل الكبرى، فقد استبشرنا خيراً عندما تولى امانتها العامة السيد عمرو موسى وزير الخارجية المصري الاسبق، فالرجل تمتع بسمعة طيبة، وشخصية قوية، ولكن ما حدث هو العكس تماماً، وشاهدنا الرجل يتمسك بمنصبه اكثر من الحكام العرب، ويقدم على كل ما يساعد على بقائه فيه لأطول فترة ممكنة. فلم ينطق بكلمة واحدة استنكاراً لميثاق الشرف الاعلامي الذي تبناه وزراء الداخلية، ومن ثم وزراء الاعلام العرب، وما تضمنه من قيود مجحفة لتكميم افواه الصحافيين ومصادرة حق التعبير، وتهديد وسائل الاعلام العربية، والفضائية منها على وجه الخصوص، بسحب تراخيصها، واغلاق مكاتبها، وتقديم العاملين فيها الى المحاكمة اذا ما تعرضوا للحكام بأي نقد.


حتى المؤسسات التي انبثقت عن الجامعة، وجاءت من بنات افكار السيد موسى، مثل البرلمان العربي، فقد جاءت صورة لبرلمانات الانظمة العربية المزيفة، ولم نسمع مطلقاً انها اتخذت موقفاً مشرفاً تجاه الانتهاكات الصارخة لحقوق الانسان، وتغييب للاصلاحات السياسية، بل ما هو اكثر من ذلك ان البرلمان العربي، تبنى قراراً بجعل عضوية اعضائه دائمة، اي ان عضو البرلمان العربي يستمر في موقعه حتى لو فصل او انتهت عضويته في برلمان بلاده.


ربما نفهم صمت الجامعة العربية على انتهاكات حقوق الانسان، باعتبارها جامعة للأنظمة وليست جامعة للشعوب، ولكن ما لا نفهمه هو صمتها المخجل على ما تتعرض له الشعوب العربية من مجازر وانتهاكات تحت الاحتلالات الاجنبية في فلسطين والعراق خاصة. فمجلس الجامعة الذي انعقد قبل اسبوع على مستوى وزراء الخارجية في القاهرة، لم يركز على الحصار الظالم الذي يتعرض له مليون ونصف مليون فلسطيني في قطاع غزة، بل نصّب نفسه حكماً في نزاع داخلي فلسطيني، وايّد طرفاً مقاوماً في مواجهة طرف آخر مفاوض في عملية سياسية تفاوضية عبثية.


'''
ومن المؤلم ان الغرب الذي يتباهى بقيمه الديمقراطية، واحترام حقوق الانسان، هو الاكثر تأييدا للديكتاتوريات القمعية وانتهاكات حقوق الانسان في الوطن العربي، لأنه يفضل التعامل مع انظمة قمعية على التعامل مع انظمة ديمقراطية منتخبة، لأنه يأمر الانظمة الاولى فتطيعه دون نقاش، وتلبي طلباته فورا دون تردد. فالديمقراطية التي يفضلها الغرب هي تلك التي تنتج مستبدين لا برلمانات تناقش وتحاسب وتراقب.


عزاؤنا الوحيد ان اسعار النفط بدأت تتهاوى، ونزلت بالامس الى ما دون الاربعين دولارا للبرميل، الامر الذي سيضع حدا لاستكبار الانظمة في مواجهة شعوبها، وحالة الغرور التي انتابتها طوال العامين الماضيين، عندما وصلت اسعار النفط الى مئة وخمسين دولارا للبرميل. فزمن رشوة بعض القوى والقبائل والشخصيات، وشراء ذمم بعض اجهزة الاعلام، او اصدار العشرات منها، والفضائية على وجه الخصوص، بدأ يتراجع ان لم يكن يتلاشى.


كنا نتمنى ان تواصل اسعار النفط في الارتفاع لو ان العوائد هذه تعود الى ابناء الأمة، وتحسّن مستواهم المعيشي، وتخلق لهم الوظائف، وتغني ابناءنا عن ركوب البحر، والمخاطرة بأرواحهم، بحثا عن لقمة عيش مُرّة في الغرب الاوروبي، ولكن الطفرة المالية العائدة من ارتفاع الاسعار ذهبت الى الغرب ايضا، وتبخرت في اكبر عملية خداع شهدها التاريخ الحديث.


الرئيس الامريكي المنتخب باراك اوباما وعد شعبه الامريكي بالتغيير، بالانحياز الى فقرائه، ووضع حد لتغوّل حيتان البورصات والاسواق المالية، والمأمول ان يصل فيروس التغيير هذا الى منطقتنا العربية، ليس على يد اوباما، وانما على يد المتغيرات الحتمية الزاحفة اليها، وابرزها انخفاض اسعار النفط، فلعل الشعوب العربية تتحرك وتطالب بالحد الادنى من حقوقها الاساسية في العدالة والمساواة والعيش الكريم.


06-12-2008