تعطلت اللغات فابتدأت لغة الأحذية - عبد الرحمن مجيد الربيعي

23/12/2008


يبدو أن السر وراء كل هذه الحفاوة الشعبية والاعلامية بما فعله الصحافي الشجاع منتظر الزيدي يتمثل في هذا الكم من الاشمئزاز الذي يكنه الشعب العربي تجاه هذا الرئيس الأمريكي بوش الابن دون غيره من رؤساء أمريكا الذين لم تبق أيديهم نظيفة من دماء الشعوب، لنتذكر ريغان وقصفه لطرابلس واستهداف رئيس عربي بهذا القصف، وهذا مثال عدا ما جيّشه بوش الأب من بلدان متعددة لضرب العراق عام 1991.


ولكن كل هذا ليس مستغرباً على بلد تشكّل من مهاجرين قضوا على الملايين من سكان البلد الأصليين ليقيموا امبراطوريتهم، فغريزة القتل تتوارثها الأجيال.


وقد عبّر الأخ محمد الشيخلي أحد نشطاء حقوق الانسان العراقيين المقيمين في بريطانيا خير تعبير تعليقاً على مشهد قذف الزيدي لبوش بحذاءين غاضبين بأن فعلته تعبير عن الاحتقار الكامن في قلوب العراقيين والعرب عامة تجاه ما فعله هذا الرئيس العدواني بالعراق.


وعندما نراجع ثقافتنا الشعبية نجد ان الحذاء بتسمياته المختلفة طبقاً لأنواعه قد ورد في عدد من الأمثال. 


كان العراقيون في سنوات حكم نوري السعيد يهجونه ورئاسته المتجددة لوزراء العراق الملكي بأهزوجة شعبية تقول: (نوري السعيد القندرة صالح جبر قيطانه).. وصالح جبر وزير مزمن ورئيس وزراء كذلك. والقندرة هي الحذاء والقيطان هو رباط الحذاء.


وعندما يحتقر شخص يقول عنه المثل: (هذا مثل العقرب دواه النعال) حيث كان الفلاحون يقتلون العقارب بالنعال فهو دواؤها. يومها لم يكن النعال مصنوعاً من البلاستيك الخفيف بل من الجلد ويصنع محلياً بحيث تزن كل فردة منه ما يقارب الكيلوغراماً. ولذا فإن ضربة واحدة منه تقضي على العقرب.


وفي الشتائم المتداولة في لحظات الغضب يقول المتوعد: (نعال ابن نعال) أو (قندرة ابن القندرة). وهذه أبشع شتيمة يتبعها وعيد: (أقطّع النعال أو القندرة على رأسه ورأس اللي خلفوه).


وكان منتظر الزيدي مدججاً ومعبأ بكل هذه الثقافة الشعبية، وحيث كانت القباقيب الخشبية ومفردها قبقاب وسيلة للشجار بين النساء في المحلات الشعبية أو وسيلة المرأة لضرب زوجها أو بالعكس وما يعقب هذا من سيلان دم غزير.


وقد ذكر ان أحد الخلفاء لقي حتفه تحت قصف مركز بقباقيب جواريه .

كان منتظر الزيدي يعرف أنه برمية حذاء في وجه قاتل شعبه ومدمر وطنه سيكون لها مفعول يؤجج كل الضغينة المكبوتة، وتخلّد في سجل الغرائب والعجائب حيث لم يصل احتقار رجل سياسي من قبل الآخرين حدّ ضربه بالحذاء. وفي بلد ظن المحتل انه قد طوّعه وجعله ملك يمينه ما دام محكوماً من قبل مجموعة عملاء جمعهم من هنا وهناك وسلّمهم قيادة البلد، حتى إن كان ذلك صورياً فالخيوط كلها بيد السفارة الأمريكية ببغداد. فإذا بالأحداث تأخذ مجرى آخر.


كان مشهداً مثيراً للضحك إلى أبعد حد وقد تفننت بعض الفضائيات بتسريع الصورة ليظهر بوش وهو يميل رأسه باتجاه المالكي الذي كان قد تحوّل إلى حامي هدف الأحذية التي قد تنطلق من آخرين ليتحول المشهد كله الى كوميديا هائلة. وحاول بوش ان يخفف مما وقع له معتبراً هذا تعبيرا ديمقراطياً.. هكذا.. فلماذا اذن ضرب منتظر الزيدي كل ذلك الضرب المبرح وأمام الكاميرات، وسمعنا أنينه تحت ضربات مرافقي المالكي المسعورين في دفاعهم عن سيدهم وولي أمرهم بوش؟!


كان حذاء الزيدي الشرارة لكل هذه الحفاوة العالية التي انطلقت ساخرة من بوش شامتة به.


وقد شاهدنا هوغو شافيز يقهقه منشرحاً وهو يرى عدوه معاقباً شعبياً بشكل لم يتوقعه احد حيث وعده عملاؤه الذين زينوا له احتلال العراق من الجلبي الى الحكيم الى بقية الاتباع ووعدوه بالزهور يرميها العراقيون على موكبه ودبابات جيشه فاذا به يرمى بالأحذية. فأية مفارقة سوداء وضع نفسه ووضع بلده فيها؟


لقد قال بعد عودته لأمريكا (ان الرشق بالحذاء أغرب ما واجهه في ولايته).


لقد احتفى العالم كله بفعلة الزيدي ولم يشذّ عن هذا الا الزعيمان الكرديان واتباعهما ولذا ظهر وكيل وزارة الثقافة الكردي فوزي الاتروشي وصرّح بأن ما فعله منتظر (أحرجنا). و (نا) هذه تعني من؟ انها لا تعني تسعين بالمائة من العراقيين المحتفين بالتأكيد بل تعني نفراً ضالاً من الذين باعوا ماء وجوههم للمحتل طمعاً في اقليم يشكل نواة دولة وهو عشم ابليس بالجنة كما يقول المثل فحتى اشراف الأكراد يرفضون هذا الوهم.


ان حملة التضامن الشعبي عربياً وعالمياً مع منتظر لا بدّ وان تثمر ويطلق سراحه، لا بد من هذا وقد رأينا صوراً متلفزة لتظاهرة امريكية امام البيت الابيض وهي توجه قذائف أحذيتها الى دمية تمثل بوش هذا عدا التظاهرات الممتدة من باكستان الى فلسطين الى مصر الى الاردن الى سورية وبلدان أخرى.


لم نكن نتمنى رؤية مشهد كهذا بالمرة، فأمريكا بما لديها من قوة وصناعة وعلم قادرة على ان تجعل العالم اكثر عدلاً وأكثر أمناً، ولعل الرئيس المنتخب اوباما سيسترجع كل ما قام به سابقه الذي جعل امريكا مكروهة وان تملقها البعض مرغماً، فيعيد لامريكا هيبتها ومكانتها القيادية.


لقد عطّل بوش كل اللغات فتكلم حذاء عربي عراقي اسمه منتظر الزيدي، بوركت يده اذ انه اكتشف بتلك الرمية سلاح عار شامل.

 

كاتب عراقي - تونس