هواء طلق  إنهم لا يحبّون المزاح!

                                  رشاد أبوشاور

أعرف أنه من حّق القرّاء والقارئات أن يبتسموا ..على الأقل يبتسموا، فالضحك،والإغراق في الضحك، والقهقهة، والصهللة، باتت بعيدة المنال.

المسخرة الوحيدة التي تذهل المواطن في بلاد العرب عن نفسه، هي الأحوال العربيّة، ولذا، أطمع في تفّهم القرّاء ذكورا وأناثا، لتحوّلي شخصيّا من كاتب لا تخلو كتاباته من شئ من الفكاهة، أو الظرف، أو خفّة الدم ، إلى العبوس، والجديّة المرهقة، وهو مل يجعلني أضيق ذرعا بنفسي، فأحقد على من سلبوني موهبةً منّ الله علي بها، وطالما اعتززت بها، وجعلتها مشاعا، فهي ليست ملكيّة خّاصةً. مبكّرا تسلّحت بهذه السخريّة ، أو خفّة الدم ، وعملت على تنميتها وتطويرها، وصنتها حتى في أشّد الظروف كربا، وأكثر المعارك ثقلاً ...

مع ذلك ، ورغم جفاف نبع السخريّة، وفداحة الخسارة الشخصيّة، فإنني لا أشعر بالحرج مّما أنا فيه، فما دمت كاتبا عربيّا _ وكعربي فلسطيني فأنا محسوب على البدون _ فالطبيعي أن تعكس تعابير وجهي ما تختزنه نفسي، والوجه مرآة النفس، والنفس بنت أيامها ، وزمنها ، وبيئتها ، وظروفها ...

مرّات تحبك معي نكات، ولكنني أخجل من الانسياق وراء إغواء سردها، والتباسط بها مع القرّاء، ذلك أن حالي سيبدو كمن يرّش سكرا على الموت، وبلاد العرب كلّها موات وموت وتمويت .

حالنا الفلسطيني تبدّل من هول ما يحدث، وهذا الذي يحدث فاقمه المنقسمون، والمنشقون، والمتحاورون الذين لا يصلون في حواراتهم لشيء، فهم طرشان مستطرشون، ولاعبون لاهون...

بعض ( قادة) هذه الأيّام كانوا فكهين، محبين للمرح، والدعابة، بل إنني شخصيا خبرتهم يصهللون وعلى قارعة الطريق أيّام الفاكهاني، قبل أن توزعنا السفن على دول عربيّة شقيقة، وتنثرنا أيدي سبأ.

منذ ( أوسلو) لم ألتق بهؤلاء الذين انهمكوا في مسيرة السلام، وانشغلوا في اللقاءات، والعناقات، والإدلاء بالتصريحات، والذين انقلبت ملامح وجوههم فصارت جديّة إلى حد إثارة الغيظ، لا الضحك...

أبوعلاء قريع :

كان أبوعلاء قريع مزيّحا، يتلذذ بالنكتة، والطرفة، ويعيد تعميمها كخدمة مجّانيّة تخفيفا عن ( المحشورين ) في الفاكهاني، العائشين على أمل يبدو بعيدا كيفما قلّبت الأمر.

يظهر أبوعلاء على الفضائيّات غريبا في بذلات أنيقة تبديه رصينا أكثر من اللازم، وكأنه في دولة بحّق وحقيق،ووزيرا من القطط السمان في دولة عربيّة كبيرة، فهو لم يعد يظهر هاشا باشّا كدأبي به، باستثاء ظهوره في لقاءاته مع ليفني، ولا أدري سرّ غبطته عند الظهور (معها)، بينما يظهر مقطّبا مع أولمرت الذي يبدي عناية أكبر بكثير برئيس السلطة .. أهي الغيرة؟!

الوجه الجوّاني لأبي علاء هو الذي يتجلّى في التحركات والتصريحات، فالرجل يعتبرنا بلهاء، لا نستحّق التمتّع بخفّة دمه التي ما عادت تليق بقائد يلتقي بيرس، ويصافح بوش، وينعم بحضور ليفني، ويتبادل الغمزات مع نتينياهو ..شوف الشطارة السياسيّة!

أبوعلاء يبشّرنا بمتغيرات ( إسرائيليّة) قادمة بعد تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة ليفني، الجميلة الموساديّة ، وريثة الأب المختّص بمطاردة الفلسطينيّن..بّس حلوة، ولو أنها ذئبيّة الملامح ، مترهلة جلد العنق، متوثبة للقتل بطرق جديدة، حيث تتحرّك علنا للإجهاز على الفلسطينيين، مع ابتسامات غامضة للمفاوضين الذين تعجبهم هذه البشاشة، وهذه الرقّة ...

قريع لا يعتذر عمّا فعل هو وزملاؤه، ولا يتراجع ، ولا يصّف على جنب، فهو يعد نفسه بمزيد من المفاوضات..وعلى شو العجلة ؟ ..( الرجل) سيمنح ليفني فرصة، والسلام يستدعي طولة البال...

قريع أحد الذين أصابوا روحي المرحة _ رغم الحزن المقيم_ وخفّة الدم التي طالما اعتنيت بها، واعتبرتها سبيلاً لوجه الله الذي رشّ على نفسي الحزينة منذ الطفولة المبكرّة شويّة خفة الدم هذه ..بعطب يصعب علاجه !

وأنا جاد إذا ما توعدته بمقاضاته أمام محكمة دنيويّة، والمطالبة بإيقاع أشّد عقوبة به جزاءً وفاقا على خسارتي الفادحة ، فإن لم أجد من ينصفني في الحياة الدنيا فإنني أشكوه أما محكمة يوم الدينونة !

يمكن لآخرين مقاضاته بتهمة الضحك ( علينا) وجرجرتنا وراء أوهام أوسلو، ومن جديد جرجرتنا وراء وعود ليفني، واستهبالنا بأنه إن لم تزبط المسيرة الجديدة ..فهناك خيارات!

خيارات ! تاني! ..هل عندكم خيارات يا أباعلاء؟! أنتم سافرتم على طريق أوسلو بتذكرة ون وي تكت !

اخترتم الطريق الذي يأخذ ولا يعيد، وهذا هو خياركم ..أضحكتم علينا الذي يسوى والذي لا يسوى، وأفقدتمونا البسمة وليس الضحكة...

أبوخالد العملة :

عاد أبوخالد العملة بعد غياب واحتجاب، وبإعلان مهيب عن تشكيل فصيل جديد، ديمقراطي، يدعو للوحدة الوطنيّة!

لا، لا تضحكوا، فأنا لا أمزح، وبخّاصة مع ( الجنرال) أبي خالد، الذي كان أحد قادة الانشقاق عن فتح الأم ، وتشكيل ما سمّي ( فتح الانتفاضة) في العام 83...

الوعد آنذاك كان تنظيما يساريّا ثوريا راديكاليّا يقود ( الساحة) الفلسطينيّة على طريق الصواب، وإن بشيء من المدافع والصواريخ التي قتلت عشرات الفدائيين، ولاحقت وطنيين من خارج فتح، ومنهم كاتب هذه السطور الذي تعرّض بيته في مخيّم اليرموك للحصار ، والذي اصدر أيّامها سلسلة بيانات ومناشدات للمثقفين الفلسطينيين ليرفعوا أصواتهم في وجه الانشقاق، كما في وجه سياسة الخراب والانحراف ..وهو ما نفعله هذه الأيّام في وجه منشقّي رام الله وغزّة!

أبوخالد لا يحب المزاح من يومه . من البداية هو جدّي جدا. منذ كان يتلمّظ على القيادة وتوجيه دفّة السفينة كونه ربّانها الموعود والمنتظر ...

أبو خالد بعد الانقلاب، الانشقاق، الانتفاضة ..أطلق لحيته _ أحد الملاعين قال : هذا هو الشيء الوحيد الذي أطلقه في وجه العدّو! _ وصار يعتمر الكوفيّة ..مثل عرفات يعني، والمثل يقول:جمل مطرح جمل برخ ! . وإمعانا في تشليح ( عرفات) لألقابه، فقد أخذ أتباع ( العملة)، ومعجبوه، ومناصروه، يتسابقون على مخاطبته : يا ختيار ..بينما هو يمسّد لحيته البيضاء الطويلة بشيء من الرضى، فهو ختيار و..ماركسي! ( لم أسمع منه شيئا عن ماركسيته بعد انهيار الاتحاد السوفييتي) !

افترس القائد الثوري الذي لا يحّب المزاح من هم حوله، ومن هم في طريقه، فتخلّص من رمز الحركة ( أبوصالح) ، ومن بعده طرد ،وفصل، وابعد ..وقرّب أشخاصا لم يكونوا يوما في فتح من انتهازيي  فصائل اليسار المتساقطين، حتى لا يرفعوا أعينهم في وجهه ، فهم غرباء ..وليحمدو الله على نعمة أبي خالد التي يشملهم بها !

لا تضحكوا، فالتنظيم العملاوي الجديد يدعو للوحدة الوطنيّة ..ولكن على أسس ..الله على الأسس!..كلهم مع الأسس، ومع ذلك فالبنيان الفلسطيني متداعي الجدران، وأساساته ينخرها الماء، و..تحتاج إلى إعادة حفر وتأسيس جديّة بالإسمنت والحديد،ورفع العضاضات، وبناء الجسور في العمق، وربط الجدران بجسور قويّة راسخة تشّد جدران البناء، وتمكن من البناء عليها ...

أبوخالد يعلن أن تنظيمه ديمقراطي! ..وأنا أشهد أن الرجل ديمراطي مع من لا يخالفونه!..وأنا حفاظا على عدم الوّد بيننا أعلن أنني لن أنضم لتنظيمه، وأوّد منه أن يبرهن على تحمّل ( مداعباتي)، ويعطيني الأمان، فأنا لا أحتمل مداعباته الديمقراطيّة!

وماذا أيضا ؟!

هناك من لايحتملون الدعابة والمزاج والضحك لأنها سلوكيّات علمانيين فاسقين، قلوبهم خالية ..لا هدنة معهم!

* القدس العربي، الأربعاء 12 تشرين ثاني2008