فروتسلاف .. آه ما أجملك !

 

بقلم : نضال حمد*

 

 

في الاسبوع الأخير من الشهر الفائت تشرين الأول - أكتوبر  سافرت الى جمهورية بولندا للقاء بعض الأصدقاء ومن ثم المشاركة في المؤتمر التأسيسي للجالية الفلسطينية هناك. تعمدت قطع تذكرة سفر بخطين مختلفين ، الأول يقودني من أوسلو الى فروتسلاف والثاني يعيدني من كراكوف الى اوسلو.

 

هناك مثل شعبي بولندي يقول :

 

"من لم يذهب إلى بيفنيتسا شفيدنيسكا، لم يذهب إلى فروتسلاف"

 

 فروتسلاف واحدة من أجمل المدن البولندية و تعتبر من المدن الكبيرة والمميزة في الجمهورية الاشتراكية السابقة. مدينة سياحية ، طلابية ، تجارية و تاريخية. أطلقوا عليها " زهرة أوروبا المقدسة، والجوهرة الجملية في وسط المدن". تقع في وسط البلاد السيليزية المنخفضة وتعتبر عاصمة اقليم " شلونسك السفلى" أي " دولني شلونسك". يدخل فيها نهر الأودرا ويتفرع من خلالها ليشكل مجموعة من الجزر. في حين أن المدنية مرتبطة بأكثر من مئة جسر. ويلحظ الزائر  خلال تجواله في المدينة كثرة جسورها. يقال أنه مر على فروتسلاف مستعمرون كثر ، من الألمان والروس والنمساويين والمجريين والتشيك والسلوفاك ، كما وصلها أيضاً بعض المستعمرين الايطاليين الروثيريين وكذلك كان فيها بعض اليهود. ولا ندري إن كان وصلها رحالة عرب أم لا.

 

ميدان السوق هو قلب فروتسلاف إحدى أجمل وأكبر الساحات المدنية في بولندا. تعتبر منذ قرون عدة بيتاً للبنوك الكبيرة ، والمتاجر الأنيقة، والمطاعم المشهورة. يذهب الناس الى فروتسلاف ليس فقط للعمل ، بل للتفسح والتنزه تحت شمسها الذهبية. فيها عمارات الأباطرة والملوك، الكاتدرائيات والكنائس الضخمة ، المطاعم والمقاهي والأماكن الترفيهية والسياحية الجميلة. الحدائق والمنتزهات. أما البنايات في ميدان السوق ، والمشيدة بطرق معمارية فنية من حجر القوط  الكريم أصبحت زينة السوق و المكان المفضل للتبضع وكذلك للسياحة والسهر والسمر. ويوجد في فروتسلاف مطاعم ومحلات عربية قليلة. كما يوجد فيها حمام عربي للاستحمام والاستجمام. يبدو أن عليه اقبال من النساء البولنديات بالذات.  

 

في المدينة أيضاً ميدان الملح " بلاتس سولني" وميدان السوق الجديدة " نوفي تارغ". ويعود هذا السوق الى مئات السنين التي خلت، ومازال يعمل حتى يومنا هذا. حيث يمكن هناك شراء المأكولات والمواد التموينية واللحوم ..الخ . وفي المدينة كذلك " بلاتس (ميدان) غرونفالدسكي" حيث يقع في المنطقة التي فيها كلية الهندسة واقسام من فروع الجامعة ومساكن الطلبة بالقرب من ضفاف نهر الأودرا ، والطرق المؤدية عبر النهر الى ميدان الجامعة وسط المدينة. هذا وتمتلئ فروتسلاف بالأماكن الساحرة. ويحتوي مسلخ القرون الوسطى على تماثيل للحيوانات التي ذبحت فيه وذلك للذكرى. وجدير بالذكر أن فروتسلاف مدينة الشباب والطلبة. حيث فيها عشرات آلاف الطلاب الجامعيين.

 

في فروتسلاف عدة أنصبة تذكارية و تماثيل للأقزام منها واحد على شارع شفيدنيسكا بالقرب من نفق المشاة ، ترمز الأنصبة لحركة النضال الشبابية، والتي هي عبارة عن حركة مشهورة في الثمانينينات للاحتجاج ضد الحكم العرفي. كان بعض المحاضرين في الجامعات البولندية ينتمون لهذه المجموعة. في نفس المكان يوجد نصب ضخم لأعظم ملوك بولندا " كاجمييج فييلكي" ، يصور الملك شاهراً سيفه وهو على فرسه.. و امامه تمثال لساعة تاريخية وآخر لأحد الأقزام . فيما خلفه زورق صغير يرسو بسكون في مياه نهر الأودرا.

 

لمن يودون زيارة فروتسلاف نقول عليهم ركوب ترام "البابا ياجا" من ميدان "تياترالني" ثم الجلوس في مقهى على متن قارب يلف المدينة التي تظهر وكأنها مجموعة جزر فوق مياه الأودرا. كما من المحبب زيارة "بلاتس كاتدرالني" ومشاهدة المصطبة على برج كنيسة اليزابث. كما ننصحهم بأخذ نزهة مساءية على ضفاف النهر وعبر شوارع المدينة المضاءة بمصابيح الغاز الضبابية. بوالذات من بلاتس كاتيدرالني ، مروراً بمنطقة " مانهاتان" و حتى حديقة حيوان المدينة.

 

 بني ميدان السوق على الطرق الفرعية لأهم طرق المواصلات الممتدة من الجمهورية من الجنوب إلى الشمال، ومن أوروبا الغربية،إلى الشرق، كما بنيت ثروة المقيمين في فروتسلاف على التجارة الدولية، وغدت المدينة ثرية من  خلال الضرائب الجارية في صناديقها.

 

كان تعداد سكانها في القرن الرابع عشر حوالي 20000 . وأعتبرت فروتسلاف إحدى أكبر المدن الأوروبية في ذلك الوقت. وفي عام 1387 أصبحت عضواً في اتحاد شمال المانيا، منظمة المدن البلطيقية ، التي شملت ايضاً السويد والبلدات البولندية.

 

في المدنية أيضاً معرض بانورما حيث لوحة ضحمة لأحد الرسامين البولنديين، رسمها على جدار دائري، صور فيها معركة القائد البولندي تايديوش كوشوتشكي من أجل تحرير بولندا من الاحتلال.وتعتبر تحفة فنية رائعة.

 

في فروتسلاف كذلك حديقة حيوان كبيرة وجميلة تقع بالقرب من مباني كلية الهندسة وغير بعيدة عن ضفة نهر الأودرا. . كما فيها كلية لتدريس السينما والمسرح والفنون الجملية. وتعتبر نقطة وصل بين وارسو وكراكوف وبراغ وبراتيسلافا و برلين. هذا وكانت الفيضانات قبل عدة سنوات هددت فروتسلاف بالغرق. حيث فاضت مياه نهر الأودرا وكادت تغرق وسط المدينة وعدة مناطق هامة منها.

 

وصلت الى فرتسلاف مساءاً وكان الطقس ماطراً وبارداً، حتى أنني عندما نظرت من النافذة اثناء هبوط الطائرة على مدرج المطار لم استطع رؤية اي شيء ، فقط الضباب هو الذي لف الأرض والسماء. توجهت فوراً الى الفندق الذي أقمت فيه ليلة يتيمة. في فروتسلاف وضواحيها يوجد عدد من الفلسطينيين المقيمين وعددا آخر من الطلبة الذين يدرسون في كلياتها وجامعاتها. ولي اصدقاء مازالوا يقيمون ويعملون في المدينة وضواحيها. التقيت بالصديقين فايز وسفيان ، وهما من بعض الطلبة الفلسطينيين الذين تزوجوا وظلوا هناك. ففايز أصبح جدأً وله أحفاد يلاعبهم كل صباح ويحدثهم عن تلال الربيع والروابين وموسم قطف الزيتون، والأعراس الشعبية ، وبيادر القمح، في قريته " تل" قرب نابلس. أما سفيان فلست أدري إن كان صار جداً أم لا. وقد جمعتني معه سنوات عمل نقابي طويلة ، كان فيها خير الصديق والرفيق.

 

سرنا قليلاً في ميدان المدينة ثم توجهنا الى مكان ما لنحتسي القهوة أو اي شيء آخر. قصدنا مقهى الاندكس الذي اعتدنا الجلوس فيه ايام كانت الأحوال تختلف عنها هذه الأيام. وجدناه مقفلاً حتى اشعار آخر. تابعنا سيرنا باتجاه مقهى " كولامبور " الذي يذكرنا بأيام زمان وبسنوات مضت كأنها كانت يوم أمس. في مقهى " كولامبور " حيث كنا نرتديه في سنوات العنفوان والانتماء لحجر رسم الطريق الى فلسطين. كنا نعيش ساعاتنا الجامعية مع ألاصدقاء بدر و محمد " موخا" و كميل وكامل و جمال وزياد وحسني وجهاد وعزت ومحمد " فيسوكي" وعامر وسمير وعدنان وحسن، وآخرين لا يمكنني كتابة اسماءهم كلهم الآن. أذكر كيف قصصت هناك على مسامع غزالة محلية حكاية القائد الأممي المناضل أرنستو تشي جيفارا ، ثم تركت خاتمة حياته لأكملها في سكني الجامعي...

 

لفت انتباه فايز وجود عصير الصفصاف على لائحة الشراب في المقهى المذكور ، ولما ابدى استغرابه من ذلك ووافقناه الرأي ، قرر أن يجربه. سألناه عن طعمه قال مثل طعم الصفصاف. ولكي اكون صادقاً معكم، أنا من بلدة الصفصاف ، واسم موقعي أو جريدتي الالكترونية أيضاً الصفصاف ، و أعرف شجر الصفصاف ، وهو غير مثمر ، وغير صالح للأكل أو الشراب.  لذا لا أعرف من أين اخترع لنا  الطاقم الجديد في المقهى هذا الشراب الصفصافي.

 

اعدت مع رفيقاي استحضار رفاقنا الذين غابوا أو عادوا الى البلاد بعدما انهوا دراستهم. ثم انتقلنا بالحديث عن ضرورة نجاح مؤتمر تأسيس الجالية في بولندا. ابدى الرفيقان حرصاً كبيراً على نجاح هذا اللقاء في كراكوف. خاصة أن التجارب السابقة لم تنجح في تأسيس جالية فلسطينية هناك. سعدت بما سمعته منهما وازداد تفاؤلي بنجاح مهمتي في بولندا حيث انني جئتهم ممثلاً لاتحاد الجاليات والفعاليات الفلسطينية في اوروبا، والذي يريد للجالية الفلسطينية في بولندا أن تكون جزءاً منه. غادرا المقهى بعدما توادعنا وتواعدنا على اللقاء في كراكوف بعد ثلاثة ايام.

 

بقيت بعض الوقت في المقهى ثم غادرته نحو مطعم يقدم الشاورما ، تناولت عشاءي وعدت الى الفندق. صباح اليوم التالي قمت بجولة في ميدان المدينة، التقطت الكثير من الصور ، ثم قصدت محطة القطارات " دفوجيتس غووفني" حيث سافرت من هناك الى كراكوف ، مدينة الملوك العريقة ، واحدى أجمل مدن اوروبا على الاطلاق. والتي سأتحدث عنها في الحلقة القادمة.

 

 

يتبع

 

* مدير موقع الصفصاف

 

 

وسط المدينة في السوق المركزي

*

وسط المدينة السوق المركزي

**

تمثال الساعة ، تمثال القزم وتمثال الملك كاجمييج فييلكي

زورق في الأودرا

ليلاً

نهاراً

**

محطة القطارات "فروتسلاف غووفني"

جميع الصور أعلاه التقطت بكاميرا موقع الصفصاف  مساء 22  وصباح 23-10-2008

****

جميع الصور أدناه التقطت بكاميرا موقع الصفصاف  سنة 2002

صورة سنة 2002

*

2002

*

حديقة الحيوان في مدينة فروتسلاف

الصورتان أدناه بكاميرا الصفصاف سنة 2005

 

السوق المركزي سنة 2005

من ضفاف نهر الأودرا وفي الصورة يظهر ميدان الكاتدرائية