- بقلم : نضال حمد

 

الخالة أم زياد

 

 

مضت الخالة عطرة زغموت، أم زياد الصفصافية الى حيث سوف يمضي كل انسان على  وجه هذه الأرض...  لكن غياب المرأة الطيبة سوف يترك أثراً لا يمضي هو الآخر إلا حين نمضي الى آخرتنا. علمت برحيلها صبيحة أول أيام عيد الفطر، فغابت البسمة وانزوت في مكان غير مرئي. لأن أم زياد تمضي قبل العيد بأيام قليلة، تاركة للحزن حرية اجتياح منازل العائلة في مخيمي اليرموك وعين الحلوة، وكذلك في مدينة ليليستروم النرويجية بالقرب من العاصمة أوسلو.

 

هناك التقيت بها قبل أكثر من عشرة أعوام حين كانت تقوم بزيارة نجلها البكر زياد. أصرت على ابي مهنا أن يبحث عن " ابنها الآخر" نضال في أوسلو لأنها تريد أن تراه وتبلغه تحيات والدته، رفيقة عمرها وجارتها وصديقتها وبنت بلدتها. هكذا أخذ زياد الذي لم يكن يعرف أنني في أوسلو ولم يلتقي بي قبل ذلك بالبحث عني مستعيناً بأصدقاء مشتركين أوصلوه في النهاية الى مكاني. التقيت بها وكانت الدنيا بيضاء عكس أيامنا السوداء، فالثلوج غطت الأمكنة ونثرت بياضها فوق كل شيء. استقبلتني كمن يستقبل أحد أفراد عائلتها. قبل الرحيل تذكرت زيارتها لي مع أمي بعد اصابتي في حصار بيروت. فقد جاءت من عين الحلوة المحتل الى مستشفى الجامعة الأمريكية في قلب بيروت التي أفاقت للتو من حصار طويل ومذبحة طالت صبرا وشاتيلا. كنت في المستشفى اتعالج من اصابتي في المجزرة.حفظت لها ولغيرها دائماً تلك الالتفاتة الطيبة... وحرصت ساعة الوداع على ان أقول لها : سلمي على الشباب يا خالتي .. وتذكري حتماً سنلتقي عما قريب في مخيمنا..لكن اللقاء لم يتم إلا بعد أكثر من أربع سنوات، وبعد زوال الاحتلال عن مخيمنا. وبعد عدة سنوات التقينا من جديد في منزلنا بمخيمنا. قمت بزيارتها في منزلها المجاور، وتكررت اللقاءات في كل زيارة الى لبنان. وآخر مرة التقيت فيها أم زياد كانت في شهر تموز يوليو من هذا العام. رأيتها متعبة ومنهكة وبدون قواها. فقد غزت الأمراض جسدها بعد وفاة زوجها، رفيق عمرها. طلبت من والدتي أن تتقاسم معها بعض الأدوية التي احضرتها لأمي من الخارج. فقد عانتا من نفس المرض... ضحكت الوالدة وقالت لي : لقد فعلت ذلك يا ولدي..

 

أذكر الخالة عطرة مذ كنت طفلاً صغيراً في مخيمنا عين الحلوة، جنوب لبنان. فهي قريبتنا وجارتنا وابنة بلدتنا في الجليل الفلسطيني المسلوب من قبل عصابات بني صهيون. وهي أيضاً أم رفاق طفولتي في الحارة، هيثم وفواز ، وصديقة والدتي. لذا فأن مكانتها مترسخة بالذاكرة، حيث كنت اراها كل يوم تقريباً، إما في بيتنا أو في بيتها أو في الحارة اثناء اللهو واللعب مع رفاق الصبا والطفولة. وأم زياد محفوظة في مخيلتي وذاكرتي كما هي حارات وأزقة المخيم، ووجوه الأهل. وسوف افتقدها حين أزور الأهل والمخيم، وعندما أمر بالقرب من منزلها القريب من منزل العائلة. فقد اعتدت دائما على رؤيتها والتحدث اليها.

 

أذكر كلمات قالتها لي قبل أكثر من عشرين سنة، حين رأتني أحمل سلاحي وأمضي الى جبهة الحرب. قالت لمن تقاتل ولأجل من يا نضال ؟ ألا تراهم يسلبون الناس لقمة عيشهم ويعيشون في المساكن ويقضون الوقت في السيارات الفارهة؟ لم أهتم كثيراً بما قالته فقد سمعت مثله كثيراً من والدتي أيضاً. ويوم التقينا في المستشفى بكت وقالت لي من جديد : هل اقتنعت الآن يا ولدي؟ ... لم أرد عليها وقلت لها نحن نعمل لأجل فلسطين، لأجل الصفصاف يا خالتي.  وبعد اتفاقيات اوسلو وما آلت اليه الأمور ، وبعدما اصبحت كاتباً وصحافياً تقرأ مقالاتي في الجرائد والمجلات. قالت لي آخر مرة صحيح المثل الذي يقول : من شب على شيء شاب عليه .. فأنت لم تتغير ولن تتبدل.. أحياناً أحسست بأنها تقول الحقيقة وتحلل الأمور أفضل مني ومن كل السياسيين في بلادنا..

 

تمضين يا خالة وحالنا على حاله، لا عودة ولا حريات ولا قوانين تسمح للفلسطيني بالعمل وحرية التنقل والتوريث والتملك.. تمضين ومخيمنا من سيء الى أسوأ .. ففي كل يوم اشكالات واشتباكات واغتيالات وتفجيرات وعصابات تتقاتل وتتعارك، بينما الشعب يدفع الثمن، حصاراً وإذلال وحواجز وتضييق ومهانة... تمضين وحالنا العربي يتجه نحو الحضيض .. والتيه لا ينتهي ، والتشرد مستمر، مقابرنا أصبحت طبقات خارج بلدنا السليب.

 

نودعك ايتها الصفصافية الطيبة ونقول لك ارقدي بسلام وهدوء لأننا لا بد سوف نستعيد البسمة المفقودة، ونعيد الأمل لشعب يحب الحياة. هذا الشعب الذي يتفوق على قيادته في الرؤية والتحليل، وفي الاصرار والصلابة والتمسك بالحقوق. هذا الشعب الذي انجب أمهات مثلك.

 

 

**

الصفصاف ركن جبل الجرمق .. أم الشهداء

28/29-10-1948 -- 28/29-10-2008

أوسلو - الصفصاف : تغطية خاصة لذكرى سقوط بلدة الصفصاف بأيدي الغزاة الصهاينة فجر 29-10-1948 .. ستون عاماً من اللجوء ، ستون سنة من الكفاح لأجل