متى تعودين؟ نص لنضال حمد ..

--------------------------------------------------------------------------------

لم ينم منذ ليلة الأمس ، ترك رفاقه في أسرتهم . خرج من السكن .. مصراً على متابعة صراعه الفاشل مع زجاجة نبيذ معتق... و دون أن يدري وجد نفسه في الحديقة العمومية بالقرب من محطة القطارات المركزية. هناك التقى بمن تقطعت بهم السبل ، وبالذين تأخروا ففاتتهم قطاراتهم ...


من خلف اكوام اللحم الآدمي المتكومة على مقاعد الحديقة ظهرت شمس الصباح ببهجتها واشعتها الذهبية. نظر نحو السماء نظرة انسان غارق بالأفكار .. تذكر ليلة الأمس وفتاة رشيقة ، رقيقة، انفتح لها قلبه. لكنه لم يكن يعرف كيف يبدأ الحديث معها. و لم تساعده كؤوس النبيذ على فك عقدة لسانه. غادرت السهرة دون أن يحدثها... لكنها الآن على بعد امتار منه ... لمحها وهي تقترب من كشك السجائر عند محطة القطارات وسط العاصمة. خالها أطول من قصر المؤتمرات الواقف منذ القدم على بعد أمتار من مترو الأنفاق... كان على قناعة بأن صوتهاأجمل من صوت مغنيته المفضلة... تابعت سيرها نحو الكشك .. فتقدم نحوها يجر أثقال ماضيه وارهاق ليلة الأمس. التقيا امام الكشك .. عاجلته بالقاء تحية الصباح .. فرد عليها بمثلها. ابتاعا قليلاً من الحلوى وبضع زجاجات صغيرة من عصير البرتقال. جلسا على مقعد منزوي ، تحدثا طويلا ، أفرغا ما لديهما من حكايات وقصص وهموم. كأنهما يعرفان بعضهما منذ سنوات.

عند العاشرة صباحاً جاء موعد قطارها ..
قالت له :
لن أودعك ..
لماذا لا تودعينني؟
لأنني سأعود اليك ..
متى تعودين؟
بعد أيام ..
صعدت الى المقطورة الأخيرة بعد أن طبعت على خذه قبلة دافئة .. لازال يذكرها ..
عاد الى السكن فلم يجد رفاقه ، تمدد على سريره فأخذه النوم ..
عند المساء عاد الرفاق ومعهم جريدة المساء .. نهض من سريره ، غسل وجهه على عجل ، اشعل سيجارة ثم تناول الجريدة فهاله الخبر أكثر من الصور .. قطار العاشرة الذي يعمل على خط السكك المؤدي الى الضاحيةالجنوبية للعاصمة يصطدم بقطار آخر نتيجة اهمال ادارة السكك وتلكؤها في اصلاح عطل فني بسيط .. وفاة راكبة وحيدة كانت تجلس في المقطورة الأخيرة.

نضال حمد

1987

فروتسلاف - بولندا