هل تستعيد حركة فتح عافيتها ودورها؟ - نضال حمد*

 

08-11-2008

 

 بعد أن دخلت معظم قيادات حركة فتح ومنظمة التحرير الفلسطينية الى اراضي الحكم الذاتي المحدود أو أراضي السلطة الفلسطينية ، في الضفة الغربية وقطاع غزة المحتلين. برز دور مؤسسات السلطة الجديدة على حساب الدور التاريخي والوطني الحقيقي للحركة وللمنظمة. فتم تشييد مؤسسات وأجهزة السلطة التي كان ومازال جلها من فتح و بعض مشتقات الفصائل الفلسطينية. وذلك على حساب مؤسسات وأطر الحركة والمنظمة. غيب دور كافة مؤسسات واتحادات ولجان المنظمة وحتى أن دور اللجنة المركزية لفتح تعطل نتيجة الخلافات التي نشبت بين اعضاءها على أثر معرفتهم بما جرى وتم التوصل اليه في مفاوضات أوسلو السرية.ثم بعد توقيع الاتفاقية أخذت مؤسسات السلطة الجديدة مكان مؤسسات واتحادات المنظمة وأجهزة فتح. ظهرت أدوار اساسية هامة لجماعات وشخصيات وأفراد غالبيتها العظمى تسلقت على شواهد قبور الشهداء وتضحياتهم لتصل الى مراكز الفعل والقرار. ثم لتقامر ولتغامر بالقضيةالوطنية دون رقيب ومحاسب. لا شك أن النصيب الأكبر من تضحيات الفترة التي سبقت "سلام أوسلو " كان لشهداء وجرحى وأسرى ومناضلي حركة فتح كبرى فصائل العمل الوطني الفلسطيني ، وكذلك لبقيةالفصائل الوطنية الفلسطينية الأخرى ، التي ساهمت في مسيرة النضال الوطني الفلسطيني منذ بداياته في الخمسينات من القرن الفائت ، وشاركت في الائتلاف الجبهوي الوطني العريض الذي ضمها في إطار منظمة التحرير الفلسطينية.

 

 الشهداء مضوا الى حيث لا عودة ليتركوا خلفهم الذكريات والملصقات والسيرة النضالية. حتى أن مرتبات بعضهم تسرق ولا تسلم لذويهم. وتهان عائلاتهم بطرق سيئة وقذرة. يخجل المرء من كون الذين يسيئون من الفلسطينيين. أما الأسرى فمنهم من تحرر وخرج من المعتقلات والسجون ليلتحق بالسلطة واجهزتها ، كما كان حال جهاز الأمن الوقائي في الضفة والقطاع ، حيث تكون بغالبيته من الأسرى المحررين. لكنه فشل فشلاً ذريعاً في الاختبارات الحقيقية وتحول الى عاهة وعائق في المسيرة الوطنية. والى جهاز لقمع الآخرين من فتح وغير فتح. وتشهد على كلامنا هذا مسيرته منذ بدايات تأسيسه وحتى اندحاره وهزيمته على ايدي قوات حماس التي استباحت كافة مؤسسات السلطة واجهزتها في قطاع غزة صيف 2006 . من الأسرى أيضاً مئات مازالوا رهن الاعتقال والأحكام الطويلة الأمد. هؤلاء تم نسيانهم تماماً عند توقيع اتفاقية اوسلو وما تلاها من مشتقات. وهم اليوم  أحد أهم عناوين النضال الجماهيري الفلسطيني المستمر والمتواصل. و لن يستطيع أي كان تجاوز قضيتهم لأنها أصبحت هامة مثل القدس وحق العودة. والجرحى ليسوا أحسن حالاً من الأسرى إذ تم ويتم اهمالهم، كما تسرق مخصصاتهم الشحيحة من قبل أشخاص موجودين في مؤسسة الأسرى والشهداء والجرحى التابعة للمنظمة. أما المناضلين الذين رفضوا أن يكونوا جزءاً من عملية التخريب والترهيب والهدم المتواصلة. هؤلاء همشوا وعزلوا ومنهم من هاجر واختار اللجوء في اوروبا والأمريكيتين واستراليا على عيشة الذل والهوان.

 

إذا كان الشرفاء في عزلة ولا مكان لهم في الحركة والمنظمة وفي موقع القرار كيف ستعيد فتح بناء نفسها؟

 وكيف سيعاد بناء مؤسسات المنظمة وعلى اية أسس؟

هل مجرد القول بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد يعطي الفتحاوي أو الفلسطيني شرعية نضالية ووطنية؟

إن الحقيقة الواضحة وضوح الشمس تفيدنا بأن المنظمة غيبت وتم شطب مؤسساتها من قبل قادتها بعد أن ولجوا بوابة أوسلو. فلم يتبق للمجلس الوطني ولا للمجلس المركزي واللجنة التنفيذية أي دور سوى تقديم شهادات الزور. واعتماد الاتفاقيات والموافقة عليها باسم شعب لم ينتخب اي عضو منهم. الديمقراطية تقتضي أن يعرض أي اتفاق مصيري على الشعب للادلاء برأيه. اتفاقيات أوسلو وما تبعها من اتفاقيات لم تعرض على الشعب الفلسطيني ولم يؤحذ رأيه بها و كأنه غير موجود، وكأن الاتفاقيات لا تعنيه.

 

عندما كان يخرج قائد من فتح أو أي فصيل آخر أو من المنظمة ليقف ويقول كلمة حق بأوسلو و ما جاء به الى فلسطين، كان يحارب ويعزل وتوقف ميزانيته ويجوع هو ومن معه من المناضلين. هذا الكلام حصل قبل ولاية ابو مازن وبعدها. كما أنه حدث مع قيادات تاريخية من الصفين الأول والثاني في حركة فتح بالذات. مما عطل عمل مؤسسات الحركة وقسمها الى جماعات وتيارات ومعارضة وموالاة تتخبط في المواقف ولا تدري كيف تخرج من أزمتها. إن الخلل القائم في قيادة فتح انعكس على كادرها وقواعدها وساحاتها واقاليمها. وصارت فتح مع الأسف فتحات هنا وهناك. تشهد تخبطاً وصراعات داخلها ليس فقط بين القدومي و عباس. و بين الضفة والقطاع بل أيضاً في ساحة لبنان حيث أصبحت كل منطقة تدين بالولاء لمن يدفع مستحقاتها المالية. وقد كتب مؤخراً السيد محمد سرور ويبدو أنه من كوادر فتح هناك مقالة بعنوان " إلا رفعت شناعة" ، والمقصود الحاج رفعت شناعة أحد قادة فتح في شمال لبنان. هاجم سرور في مقالته مفوض حركة فتح في لبنان.  يبدو أن المفوض المذكور  ليس إلا عباس زكي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، الذي يخوض بدوره صراع نفوذ مع سلطان أبو العينين المفوض السابق للحركة. كما هاجم سرور في مقالته العميد منير المقدح أحد أقوى قادة فتح في لبنان ومقره مخيم عين الحلوة.اتهم سرور في مقالته مفوض الحركة في لبنان باعتماد سياسة كم الأفواه و شراء ولاء منير المقدح بمبلغ 350 الف دولار مقابل تجويع ابناء الحركة الآخرين. الغريب أن مثل هذا الكلام يصدر الآن وكأنه شيء طارئ وجديد على فتح وبالذات في اقليم لبنان. ألم تكن تلك السياسة هي المتبعة في فتح لبنان طيلة السنوات التي أعقبت خروج المنظمة   سنة 1982؟.. ألم تساهم تلك السياسة الخرقاء في هدم فتح والمنظمة؟؟..

 

في نظرة على أقاليم فتح في الدول الأوروبية بالذات نجد أن غالبيتها أقاليم اسمية ووهمية لا وجود فيها للكادر الفتحاوي الحقيقي الذي ينتشر في كل أوروبا وبأعداد كبيرة ونوعيات منها الممتاز والجيد. ونجد أيضاً أنه لا دور حقيقي للفتحاويين الذين يغارون فعلاً على تاريخ وسمعة ودور حركة فتح في قيادة النضال الوطني الفلسطيني. ويريدون وحدة الحركة واستعادة دورها وعافيتها. هل سياسة تعيين أي كان في موقع مسؤول الاقليم او الساحة ستعيد بناء تنظيم فتح؟ لا نعتقد ذلك. فالعملية الصحيحة لبناء اوضاع فتح يجب ان تبدأ عبر الاتصال اولاً بشرفاء هذه الحركة المعتكفين والمنزويين. عندما تستعيد فتح هؤلاء ويعودوا الى صفوفها ستشهد الحركة بالتأكيد تحولات طيبة وجدية ومثمرة.

 

في الختام لا يمكن أن يكتمل النضال الوطني الفلسطيني ويتعافى من أمراضه بدون استرداد عافية فتح واستعادتها لمكانها الطبيعي كحركة وطنية فلسطينية تناضل لأجل تحرير فلسطين وعودة الشعب الفلسطيني واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على كامل تراب فلسطين كما ارادها شهداء فتح وشهداء فلسطين الذين قدموا أعز ما يملكون لأجل تحقيق هذا البرنامج الوطني الثوري السليم.

 

* مدير موقع الصفصاف   www.safsaf.org