عن الكوفية الفلسطينية والموضة الاوروبية - نضال حمد

 

 

حديث خاص لمجلة أصداء الوطن الآن المغربية ...


بداية أخذت الكوفية الفلسطينية تظهر في اوروبا عبر الشباب المتضامن مع قضية الشعب الفلسطيني وجلهم من الجماعات اليسارية التي كانت في سنوات الخمسينيات والستينات من القرن الفائت زارت مخيمات ومعسكرات الفلسطينيين في لبنان وسوريا والأردن وعادت لتدخل الكوفية الفلسطينية الى اوروبا. ثم قامت عارضة أزياء انجليزية اسمها كيت موس بارتدائها أكثر من  مرة مما ساعد في انتشارها أكثر بين الشباب. لكن لا يوجد معلومات توضح سبب قيام العارضة المذكورة بارتداء الكوفية. بعد ذلك انتشرت الكوفية وسط طلاب الجامعات بشكل خاص وأخذت تظهر بقوة في التظاهرات والتجمعات المؤيدة للفلسطينيين أو المعارضة بشكل عام لسياسات الحكومات الأمريكية و الأوروبية والغربية بشكل عام.

 

إذ أصبحت رمزاً لليسار الاوروبي ولكل الحركات اليسارية والاجتماعية المساندة لشعب فلسطين.  وتعتبر سنوات السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم السنوات الذهبية للتضامن مع الشعب الفلسطيني في اوروبا. حيث كان صوت فلسطين مدوياً وأصوات اليسار الاوروبي المتعاطف مع قضيتها أيضاً مدوية في كل اوروبا.

 

في السويد غدت الكوفية موضة خاصة للشباب حتى انهم بحسب بعض العرب المقيمين هناك يسمونها Palestina و هو نفس اسم فلسطين بالسويدية. أما في بولندا فيطلقون عليها اسمarafatka وهو مأخوذ من اسم الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات. وفي ايطاليا رأيت سنة 1983 آلاف الشابات و الشبان الذين كانوا يرتدون الكوفية الفلسطينية. وبالذات في التظاهرات التي انطلقت تأييداً للشعب الفلسطيني. أما في النرويج حيث أسكن وأقيم منذ سنوات صارت الكوفية الفلسطينية مشهداً عادياً وغالبية الذين يرتدونها ليس للموضة فقط بل تضامناً مع الفلسطينيين وقضيتهم. واستحضر الآن واقعة جرت في النرويج مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الثانية

حيث منعت إدارة مدرسة الفنون التي يديرها يهودي طالبة نرويجية من دخول المدرسة لأنها قدمت عملاً فنياً مناهضاً لإرهاب "اسرائيل" ضد الفلسطينيين من خلال تصوير نفسها وهي تجلس وتدير ظهرها للكاميرا، حيث رسمت على ظهرها شعار النازية الصليب المعكوف، وكتبت كلمة "اسرائيل" بشكل فني متقن، فظهرت "اسرائيل" كجزء من الصليب النازي، وكانت الفتاة في الصورة عارية تماماً إلا من الكوفية الفلسطينية التي تدلت على كتفيها، هذه الطالبة قامت بذلك عن قناعة وبخلفية ايديولوجية، احتجاجاً على ما اقترفته "اسرائيل" بحق الفلسطينيين بداية الانتفاضة الثانية.

 

وفي الولايات المتحدة الأامريكية أثار اعلان تجاري بث مؤخراً لشركة تصنع القهوة المثلجة وظهرت فيه الفتاة راشيل راي بالكوفية الفلسطينية ردود افعال يهودية كبيرة مما اجبر الشركة على سحب الاعلان وتقديم التبريرات والاعتذار ليهود أمريكا واسرائيل.

 

يتضح مما يجري أن الكوفية الفلسطينية سلاح إعلاني أممي فعال وقوي، حيث أنه مازال يستطيع إثارة الصهاينة وأعوانهم في الغرب عموماً، لذا يجب التركيز من قبل الفلسطينيين وأعوانهم وأصدقائهم على سياسة هجومية، إيجابية وعملية، ترتكز على تطوير صناعة الكوفية وعملية انتشارها الأيديولوجي، ثم تسويقها بشكل أكبر وبسعر أقل، وبتعريف مختصر ومفيد.  نقول هذا لأن الكوفية الفلسطينية لم تعد فقط رمزاً للتضامن مع فلسطين فهناك الكثير من الذين يرتدونها ولا يعرفون عنها أي شيء. ولا عن كونها رمزاً لنضال الشعب الفلسطيني بدأ استخادمه في مواجهة الاستعمار البريطاني قبل نحو مائة عام من الآن.

 

اذ تعود قصة ارتداء الفلسطينيين للكوفية المرقطة إلى سنوات الثلاثينيات من القرن الماضي ، حيث أمرت قيادة الثورة في فلسطين أثناء الإضراب الشهير والطويل، الذي استمر لعدة شهور جميع أبناء فلسطين، وبالذات في القرى الفلسطينية، القيام بارتداء الكوفية بغية تضليل القوات الانتدابية البريطانية في فلسطين المحتلة التي كانت تقوم بملاحقة الثوار، وبنفس الوقت لمنعها من تحديد هوية المجاهدين والمقاتلين، الذي كانوا يهاجمون قوات الاستعمار البريطاني وهم يرتدون الكوفيات المرقطة،. فبقيت الكوفية الفلسطينية رمزاً للممانعة في فلسطين وتعززت رمزيتها مع انطلاقة العمل الفدائي الفلسطيني قبل وبعد نكسة حزيران (يونيو) سنة 1967، كما أخذت الكوفية بعداً دولياً مع انتشار صورة المناضلة ليلى خالد وهي ترتديها وتحمل بندقيتها، وذلك بعد اختطافها طائرة "العال الاسرائيلية" والتحليق فوق حيفا ويافا وبحر فلسطين، ثم أصبحت رمزاً لفلسطين وثورتها مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، الذي دخل الأمم المتحدة في سنة 1974 على رأسه الكوفية المرقطة السوداء والبيضاء، التي لم تفارقه حتى اغتياله في مقره برام الله. كما أصبحت الكوفية من ذلك الحين رمزاً متجدداً للنضال الفلسطيني وللفدائيين الفلسطينيين وأنصارهم وأصدقائهم أينما كانوا.

 

هناك هذه الأيام أنواع عدة من الكوفيات ولم يعد اللون مقتصراً على الأسود والأبيض والأحمر والأبيض بل تعداه لتدخله الألوان الأخرى التي قامت بإضافتها على التصنيع مصانع التجارة العالمية بغية جني الأرباح بعيداً عن فلسطين وثورتها ورمزية كوفيتها.

 

تعتبر الصين أكبر مصنع للكوفية الفلسطينية وهناك رؤوس اموال فلسطينية وعربية ساهمت في تصنيع الكوفية والشال الفلسطينيين في الصين. منها التجاري ومنها الوطني التجاري. وقد سببت هذه المنافسة ضرراً كبيراً لمصنعي الكوفية الفلسطينية في فلسطين المحتلة. لأن المنافسة صعبة والامكانيات محدودة لدى الفلسطينيين في الضفة الغربية بالذات.

 

في السنة الفائتة 2007 قامت مصانع صهيونية في فلسطين المحتلة بتصنيع كوفيات باللونين الأزرق والأبيض مع نجمة دواود وذلك في دلالة واضحة على العلم الصهيوني وشعار الاحتلال في فلسطين. كأنهم يريدون أن يقولوا للفلسطينيين بعدما سلبناكم أرضكم ووطنكم وحاولنا سلبكم أطعمتكم مثل الحمص والفلافل، وازيائكم الشعبية، ها نحن نجرب الآن سلبكم كوفيتكم، لكن الواقع يقول عكس ذلك فالكوفية أصبحت رمزاً فلسطينيا تصعب سرقته وهذا ماأكدته الضجة المفتعلة التي قام بها المحافظون المتصهينون في الولايات المتحدة الأمريكية ضد سلسلة وجبات الإفطار السريعة الأمريكية "داكن دونوتس" التي نشرت إعلاناً متلفزاً يصور الفتاة راشيل راي وهي ترتدي الكوفية وتحمل فنجاناً من القهوة المثلجة، مما اعتبروه هم وأبواقهم الإعلامية والسياسية ترويجاً من قبل الشركة المذكورة " للإرهاب الفلسطيني" ودعاية لما أطلقوا عليه مصطلح "الجهاد الأنيق"، وقد علقت إحدى المعلقات المعروفات وهي ميشال مالكين "آمل أن تكون اختارت تسريحة الكراهية هذه عن جهل وليس عن موقف أيديولوجي"، بعد هذه التصريحات قامت الشركة بسحب إعلانها فوراً وأشارت إلى "أن الكوفية ليست فلسطينية بل كشميرية".

 

 

كذلك فأن الكوفية الفلسطينية التي كانت تباع في فلسطين المحتلة بمبلغ خمسةى دولارت (4،3 يورو) كانت شركة اربان اوتفيترز الأمريكية تبيعها بأربعة أضعاف هذا المبلغ حتى عام ،2007 وسوقت تلك الشركة الكوفيات على أنها شالات لمناهضة الحرب حتى أجبرت على سحب منتجها وإصدار اعتذار عام بعد شكاوى من الموالين ل إسرائيل.

 

 

الكوفية الفلسطينية في هذه الأيام لم يعد لباسها مختصراً على اليساريين وطلبة الجامعات لأن هناك الناشئة والأطفال والشباب من الجنسين يرتدونها بكثافة في اوروبا. وليس صعباً أن تسير في اي شارع أو ميدان أو ساحة في اي مدينة اوروبية لتشاهد عشرات من هؤلاء الذين يرتدون الكوفية الفلسطينية. وقد تطورت الصناعات المنبثقة عن الوان الشال الفلسطيني لنجد أن هناك الملابس والحقائب والألعاب التي تضم الوان الكوفية الفلسطينية المرقطة. وصارت الكوفية ومشتقاتها تدخل في عروض الموضة الاوروبية. فهناك انواع شعبية باسعار زهيدة وهناك انواع راقية باسعار مرتفعة جداً.

 

يكفي أن نورد هنا ما جاء على لسان أحد القادة اليهود الصهاينة في المانيا والذي عبر عن استيائه من انتشار الشال الفلسطيني وقال عبر المنتدى الشبابي الاسرائيلي الالماني في هامبورغ " الشال رمز استفزازي يعبر مرتدوه عن تضامنهم مع القوى الارهابية المنفذة لهجمات ضد اسرائيل. وقال ايضاً : " من يتوقف عن ارتداء الشال الفلسطيني سيمنح مكافأة عبارة عن شال أمريكي لكل شاب ألماني.


 

* اكتوبر 2008