كيف شوهوا الحلم الفلسطيني؟

 

 نضال حمد*

 

مرت يوم الحادي عشر من هذا الشهر الذكرى الرابعة لاغتيال الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات دون أن تكشف السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح الاسباب الحقيقية لوفاته. إذ أكتفوا بالتصريح الذي ادلى به ناصر القدوة ابن شقيقة عرفات ، وقال فيه أن عرفات سمم. إذا كان كلامه صحيحاً لماذا لم يقل من الذي سمم عرفات ومن ساهم في اغتياله؟. فهذا أفضل من الحديث عن مآثر الرئيس الراحل واثارة الجمهور الفلسطيني (الفتحاوي ) ضد حماس لأنها طالبت بتأجيل جولة الحوار الفلسطيني وقدمت اسبابها لذلك. ولو افترضنا أن حماس فعلت ذلك لأجل أجندة خارجية والمقصود بالخارجية ( ايران و سوريا ). لماذا لا يتم التعامل مع الأمر بهدوء ؟ على الصعيد الآخر لماذا مثلاً تقبل حماس بشروط الرباعية ومبادرة اللجنة التنفيذية التي هي نفس شروط الرباعية. تلك الشروط التي تطالبها بالتخلي عن المقاومة ونبذها وبالاعتراف بكل ما تم التوقيع عليه بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي. الصحيح أن مثل هذا الأمر في البلدان الديمقراطية وفلسطين ليست كذلك لأنها بحاجة لسنين اضافية حتى تصبح كذلك، بسبب وقوعها تحت الاحتلال والحصار ولاسباب أخرى عديدة. مثل هذا الأمر الخطير والمصيري يجب أن يخضع للاستفتاء الشعبي العام في الداخل والخارج. و عندما يتم ذلك و يقول الشعب كلمته بشكل مستقل وحر وبلا ارهاب وارغام، يصبح الأمر شرعياً .

 

يلاحظ أن هناك حملة منظمة على حماس بعد امتناعها عن حضور جلسة الحوار الأخيرة وطلب تأحيلها فلم يبقى أحد من أركان السلطة الفلسطينية إلا وشارك في الهجوم اللاذع عليها. ففي كلمة رئيس السلطة محمود عباس بمهرجان تأبين الرئيس عرفات ذهب الرجل بعيداً في الهجوم واختتم كلمته بالقول أنه لا يريد أن يكملها لكي لا يشتمهم ، أي يشتم (حماس). وسبق انهاء الكلمة شنه هجوما على الحركة وقلب لبعض الحقائق مثل تحميله حماس مسؤولية فشل اتفاق صنعاء. مع ان الذي افشله هو نفسه حيث اوعز لنمر حماد مسشاره الخاص بالتصريح ضد الاتفاق ومهاجمة عزام الأحمد الذي وقعه مع موسى ابو مرزوق برعاية الرئيس اليمني علي عبدالله صالح. و على اثر ذلك وقعت مشاذات حامية الوطيس بين عزام الأحمد ونمر حماد عبر فضائية الجزيرة، بالرغم من انهما يمثلان طرفا واحداً هو السلطة وفتح.

 

 ابو مازن قال أيضاً في كلمته أن الذين يدخلون منظمة التحرير لا يشرفونها بل يتشرفون بدخولها. وهنا من حق اي فلسطيني أن يسأل : هل مازالت المنظمة تحمل شرف الأمانة التي أسست عليها حتى يتشرف الآخرون بدخولها؟ وهل مازالت المنظمة بشكلها الحالي تمثل الحلم الفلسطيني الواقعي والحقيقي؟ لا نعتقد ذلك لأنها حُرفت عن مسارها وغيرت وبدلت اسسها وبرنامجها الوطني الجامع. إذ لم يعد لها ميثاق قومي، ولا وطني، فقد ألغاه مجلس غزة الوطني لأجل خاطر كلنتون ونتنياهو الذي أخذ اتفاق الخليل، هذا الذي بدوره جعل المدينة كلها رهينة بايدي المستوطنين والجنود الصهاينة. منظمة التحرير الفلسطينية بشكلها الحالي اصبحت عبارة عن تجمع للذين لا عمل لهم وللذين طوتهم المرحلة. هؤلاء يرون فيها فرصتهم الوحيدة لإظهار أنفسهم بعدما تقلصت ادوارهم شعبياً وسياسياً. ومنهم من يكتفي بالميزانية المقدمة له على أساس انه فصيل من فصائلها. ماذا يعني ان تكون هناك لجنة تنفيذية ومجلس وطني لا شغل لهما سوى انتظار المرتبات آخر الشهر ، وتقديم الخدمات للقيادة التي تمارس التنسيق الأمني مع الاحتلال. وماذا يجني شعب فلسطين منهم سوى تمرير اتفاقيات تزيده بؤساً وحصارا و تبعية للاحتلال.. لم يكن اصحاب الحلم الفلسطيني في يوم من الأيام وفي أسوأ حالاتهم يعتقدون أن الأمور ستصل الى الحد الذي يخرج فيه ضابط فلسطيني على الهواء مباشرة وعبر قناة تلفزيون اسرائيلية ليقول أن الاسرائيليين ليسوا الأعداء بل بعض الفلسطينين هم الأعداء. ولم يكن الحلم الفلسطيني أن نرى في تسجيل مرئي قائد أمني كبير يقول لدفعة من أفراد الأمن الفلسطيني المتخرجين حديثاً ، اسرائيل ليست عدوكم، عدوكم حماس، وسلاحكم هذا ضد حماس. ولم يكن الحلم الفلسطيني في يوم من الأيام مختصراً بأجهزة أمنية لا تستطيع حماية شعبها وتنسق عملها مع الاحتلال. ولا بقيادة سياسية فاسدة وبائسة ومفسدة ومسيئة.. كما لم يكن الحلم الفلسطيني يريد انشاء امارة دينية مسلحة يقول بعض قادتها ان حربهم تلك هي بداية الحرب على العلمانيين والزنادقة.. مع أن شعب فلسطين فيه كل الديانات وفيه كذلك اليساريين و العلمانيين. ولا أن يصبح الفلسطيني تحت رحمة عناصر مسلحة لا ترى سوى نفسها ولا تؤمن سوى بما برمجت عليه. ولم يكن الحلم الفلسطيني في أحلك مراحله يسمح بقتل الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا .. ولا بالزج بالآخرين في السجون والغياهب والمعتقلات لمجرد مخالفتهم سياسياً للحكم القائم سواء في رام الله أو غزة. كما لم يكن الحلم الفلسطيني ليقدر على سماع قول رئيس السلطة أنه لا معتقلين لديه من حماس في الضفة. ولا على سماع السياسيين من الطرفين المتنازعين وهم يردحون على الفضائيات وفي المنتديات ومواقع الانترنت. لكن الحلم الفلسطيني بالرغم من كل محاولات تشويهه مازال يميز بين الذين يتعاملون وينسقون مع الاحتلال ويعترفون به وبين الذين مازالوا يرفضون ذلك ويتمسكون بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني. وأولها بحقي العودة والمقاومة.

 

بفضل تضحيات آلاف الشهداء والجرحى والأسرى والمناضلين الصابرين ،الصامدين استمرت ديمومة الثورة والمقاومة والمنظمة. و بفضلهم مازالت قضية فلسطين حية ومستمرة. وبهؤلاء ستستمر وتنتصر وتصنع الأمل من الألم. لا بالذين يلهثون خلف مصالحهم الضيقة.

 

 * مدير موقع الصفصاف