بيرلا عيس: تركت الهندسة وعملت لفلسطين... ومن يعمل لا يحسّ بالاحباط

10/11/2008

بيروت ـ 'القدس العربي' ـ من زهرة مرعي:

أصيل منصور فلسطيني من الأردن أمضى معظم حياته في العراق، وآدم شابيرو مخرج من الولايات المتحدة وهو من مؤسسي حركة التضامن الدولية مع الشعب الفلسطيني، وبيرلا عيسى المهندسة الفلسطينية اللبنانية هم الثلاثي النشط جداً الذي كان سبباً في ولادة سلسلة أفلام اسيرة لاجىءب. تلك الأفلام المشغولة بإحتراف وبإلتزام التي شكلت تاريخاً للشعب الفلسطيني منذ النكبة حتى حرب مخيم نهر البارد. والأهم في إطار أهدافها البحث في إستراتيجية سياسية ونضالية جديدة للشعب الفلسطيني أينما كان.


مع بيرلا عيسى كان هذا الحوار حول ولادة هذه الأفلام والأهداف المرجوة منها.

كيف ولدت فكرة الأفلام الستة تحت عنوان سيرة لاجىء؟


آدم دائم التواجد في لبنان حيث أخبره صحافي بمعاناة الفلسطينيين العراقيين المقيمين على الحدود. قصدنا معاً تلك الحدود لدخول المخيمات المقامة داخل أراضي الأردن، وتلك المقامة في المنطقة الحرام بين سورية والعراق. صورنا وتحدثنا مع الناس . ومن ثم قصدنا المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة. وما لمسناه هو إستسلامهم في مواجهة هذه المعضلة الإنسانية، وإكتفاءهم بتأمين مقومات إستمرار الحياة لهؤلاء اللاجئين. فقد رفضت كافة البلدان الأوروبية وكذلك العربية إستقبالهم. تحركنا لإيجاد حل لهؤلاء طال العديد من المنظمات الإنسانية وكذلك منظمة التحرير الفلسطينية. وما وجدناه هو القول 'معترين هؤلاء المتروكين على الحدود'.


كافة الجهات إكتفت بأن هؤلاء لن يموتوا جوعاً؟


هم يموتون من غير الجوع. طفلة في عمر ثلاث سنوات إحترقت في مخيم الرويشد بعد إندلاع حريق في احد الخيم. وتوفي ولد في عمر الـ13 سنة في مخيم التنف على الحدود العراقية السورية بعد أن دهسته شاحنة كبيرة. فالمخيم ملاصق للنقطة الحدودية حيث تكثر السيارات والشاحنات والأولاد لا يجدون مكاناً للعب سوى تلك الطريق. ومنذ أشهر تكررت الحادثة مع ولد آخر وتوفي. وحارس الحدود العراقي قادر على دخول هذا المخيم ساعة يشاء وقد أُعتقل البعض ومن ثم تم الأفراج عنهم.


فيما كنتم بصدد تصوير الفيلم كنتم أيضاً تبحثون عن حلول؟


هذا صحيح. وقد توجهنا إلى الجالية الفلسطينية الكبيرة نوعاً ما في أمريكا اللاتينية فكان أن وافقت كل من التشيلي والبرازيل على إستيعاب مجموعة من هؤلاء اللاجئين.


هل هو عمل تطوعي أم من ضمن نشاط مؤسسة إنسانية ما؟


هو تطوعي كلياً وبدأ بتمويل فردي وشخصي. ولاحقاً صرنا نتلقى تبرعات من أفراد تضامنوا مع مهماتنا. لم ننشر الكثير مما قمنا به في الإعلام، لأن العالقين على الحدود يخشون على أقاربهم الذين لا يزالون في العراق. فقد حدث وظهر أحد العالقين في قناة إخبارية وكان الإنتقام بقتل الأقارب في العراق. لهذا يحرص هؤلاء اللاجئون على تفادي الإعلام. وفيما كنا نبحث عن حلول لهم كان البعض يعارضنا بالقول بعدم جواز عيش الفلسطيني خارج حدود الوطن العربي، وأن وجودهم في الصحراء يدعم حق العودة والضغط على إسرائيل. كل هذه الأحاديث التي سمعناها خلال إهتمامنا بأزمتهم ولّدت لدينا فكرة الفيلم. وقلنا ليصبح هذا النوع من الحوارات مفتوحاً للجميع وبخاصة اللاجئين الفلسطينيين المنتشرين في الدول العربية والعالم.


التواجد مع هؤلاء اللاجئين طرح عليكم أسئلة؟


صحيح. وهي كيف ندعم حق العودة؟ وهل أن نيل جنسية غير بطاقة اللاجىء للفلسطيني أمر سيئ أم جيد؟ وما هي علاقة اللاجىء مع ممثليه؟ وما هي علاقة الممثل مع هذا المواطن اللاجىء؟ هكذا ولد الفيلم بأجزائه الستة وهدفنا تعميمه على الفلسطينيين في كل أنحاء العالم.


وما هي عناوين الأفلام الستة التي تتضمنها سيرة لاجىء؟


هي: ايوميات النكبةب وهو يركز على نكبة 1948. االنكبات اليوميةب التي تعرض لها الفلسطيني حتى الآن. اوطن بلا هويةب بما يعنيه ذلك من أوراق ثبوتية يمتلكها الفلسطيني من الدول المضيفة والتمييز الذي تعرض ويتعرض له، كما التمييز القانوني القائم ضد الفلسطيني في لبنان، أو السياسي كما في الأردن، كذلك التمييز الإجتماعي القائم في الضفة الغربية حيث الفرق قائم بين مواطن ولاجىء. هذه الأفلام الثلاثة تحكي حياة الفلسطيني من سنة 1948 حتى 2008. والأبطال في هذه الأفلام هم أصحاب الحالة أنفسهم.


وما هو التحول الذي طرأ على الأفلام الثلاثة الأخرى؟


مع هذه الأفلام دخلنا في مرحلة النقاش وإعطاء الرأي فكان فيلم اهوية بلا وطن'، وفيلم احكي العودةب والأخير والسادسبعودة الحكيب بما يعنيه من تمثيل سياسي للفلسطينيين. الأفلام الثلاثة الأولى تشكل تمهيداً لكيفية عيش الفلسطينيين في مختلف أرجاء العالم، والأفلام الثلاثة الأخيرة دخلت في صلب الموضوعات. والإنسان الفلسطيني أينما كان هو المتلقي المقصود من هذه الأفلام الستة.


لماذا الفلسطيني فقط. هل تعتقدون أنه نسي قضيته؟


ليس هدفنا شرح وتفسير القضية رغم مرور ذلك في الأفلام. فقط الفيلم الأول يحكي عن نكبة الـ 1948. الهدف هو تعرف الفلسطيني إلى الفلسطيني الآخر أينما كان، ومن ثم التحاور إستراتيجياً بما هو العمل من الآن وصاعداً. ما نقصده ليس أن نكون كفلسطينيين ناشطين بشكل أكبر. الموضوع الذي نطرحه هو كيفية العمل. ما نلمسه هو أن كل فلسطيني مهتم بقضيته، حتى ذلك المواطن الذي لا يشاهد فيلماً، او ذلك اللاجىء الذي لا يشارك في مسيرة داخل المخيم. بشكل عام ليس من فلسطيني نسي وطنه، المشكلة ما هو العمل؟


ما لمسته في فيلم االنكبات اليوميةب إدانة لمن يمثلون الشعب الفلسطيني؟


صحيح. والمطلوب حركة وعمل من الفلسطيني نفسه.


في جانب ما للأفلام الستة دور توثيقي وبخاصة للأجيال الجديدة البعيدة في المهاجر عن فلسطين؟


لا شك بأن سلسلة الأفلام ستلعب دوراً توثيقياً. فقد أجرينا 300 مقابلة، بعضها وصل زمنها إلى ثلاث ساعات يمكن سماعها لحظة بلحظة لقيمتها العالية، لكن تم إختصارها إلى أقل من خمس دقائق. نحن بصدد البحث بمصير هذه المقابلات الـ 300 وربما نسلمها لمركز الدراسات الفلسطينية أو نخصص لها موقعاً على الشبكة العنكبوتية. لذلك نقول من المؤكد أن الأفلام الستة ستلعب دوراً توثيقياً ودوراً توضيحياً لبعض المراحل من حياة الفلسطيني بالنسبة لمن يجهلها. إنما يبقى الهدف الأساسي أن نتحدث عن ذاتنا كفلسطينيين، وأن نرى بوضوح كيف تعامل معنا الأخرون على مدى الـ 60 سنة الماضية، والأهم كيف نتابع الطريق.


هل وصلت سلسلة الأفلام الستة إلى إجابة عن كيفية متابعة الطريق؟


الأفلام لا تقدم إجابات. شكلت بالنسبة لنا أداة. لا خطة موضوعة حتى الآن إنما برأينا أن الخطوة الأولى نحو تلك الخطة أن يصبح الحوار دائماً بين الفلسطينيين أينما كانوا في أراضي 1948 والضفة وغزة، وأن واجب النضال لا يقع على هؤلاء وحدهم. لكل فلسطيني دوره في إلقاء نظرة نقدية على المسار السياسي السابق والمستمر حتى الآن للبحث بالمستقبل.


هل من بحث في بث السلسلة تلفزيونياً؟


نبحث في الأمر مع قناة االجزيرة'، وأي شركة تلفزيون تبحث عن الحصرية، وإن لم يتحقق لنا ذلك سنبحث عن قناة أخرى. والبث التلفزيوني يوصل هذه الأفلام إلى أكبر نسبة من الشعب الفلسطيني والشعوب العربية وغيرها بهدف إثارة النقاش الإستراتيجي حول المستقبل. والمطلوب دعاية كبيرة قبل البث.


وهل من عروض ستتم في المخيمات والمراكز الثقافية؟


هذا هو الهدف الأهم، كما نبحث عن النقاش في نهاية كل عرض. في المستقبل سنبحث عن عروض من ضمن مجموعات صغيرة لنستخلص العبرة من النقاش. ولهذا نفكر بتوزيعه مجاناً على اللاجئين أينما كانوا ليصبح آداة تعبوية تثير نقاشاً وتساهم في الإستراتجية المستقبلية.


وهل من سعي لترجمة الأفلام؟


نعم. وقد تمت ترجمتها إلى الإنكليزية. وحالياً نترجمها إلى الفرنسية، والفيلم الأول تمت ترجمته إلى الإسبانية والألمانية، وقد عُرض في إسبانيا. ونبحث في ترجمة كامل الأفلام أيضاً إلى الإيطالية والسويدية والبرتغالية

.
السؤال عن التمويل مشروع خاصة بعد مشاهدة الجهد المبذول في هذه الأفلام؟


عندما توجهنا للبحث في شؤون فلسطينيي العراق على الحدود إكتسبنا مصداقية كبرى من الناس. وكما تبرعوا لنا لمساعدة فلسطينيي العراق تبرعوا كذلك لإنجاز سلسلة الأفلام الستة. المتبرعون أفراد متعددون، ولم نتلق أي تبرع على الإطلاق من أية جهة سياسية. كما نظمنا حملة تبرعات تحت شعار 60 دولاراً لـ 60 سنة، وهذا أمن لنا دخلاً لا بأس به. وكان التمويل الذي تلقيناه بحدود ما نطلبه لإنجاز مهمتنا. لكننا حالياً لسنا بصدد نشر الرقم المالي الذي حصلنا عليه كتبرعات. والذي ساعدنا في تقليص نفقات عملنا أننا نحن الثلاثة نتمتع بقدرة على تنفيذ فيلم من الناحية التقنية. كما أن آدم وأصيل لديهما خبرة في المونتاج، شخصياً كنت لأول مرة مخرجة. أما الموسيقى فكانت من فريق رام الله Underground ومن طارق غزالي وهو فلسطيني يسكن في الولايات المتحدة رافقنا على مدى شهر ونصف خلال تصوير الأفلام.


وكم إستغرق تصوير هذه الأفلام؟


سنة وشهر.


كشابة تعملين في السينما هل ستبقى القضية همك الأوحد؟


أسمح لنفسي بالقول أني درست هندسة الميكانيك وعملت في مهنتي لسنوات، وتركتها حين وجدت أن الإنسان يعيش لمرة واحدة. وعندما وجدت أن قراري بترك الهندسة سينعكس عليّ وحدي فضلت القيام بما يفرحني ويفيدني في الحياة، بدل البحث في كيفية زيادة أرباح واحد من المصارف في الولايات المتحدة حيث كنت أعمل. أربع سنوات من العمل في الـ'سوفت ووير' كانت كافية. وها أنا أتابع حياتي مع الناس حيث أحب. من المؤكد أن القضية الفلسطينية سوف تبقى جاذبي الأكبر كفلسطينية. أنا كذلك لبنانية وأحمل جنسية هذا البلد. أفتخر بهذا الواقع حيث للفلسطيني أن يكون لبنانياً وأمريكياً وسويدياً وغيره. لكن دائماً الفلسطيني معرض لسؤال لماذا الإزدواجية في الهوية. وكأن هذه الهوية ستنسيه قضيته؟


ماذا قدمت لك أول تجربة إحترافية في السينما؟


بصراحة جنيت الكثير من الفائدة. لم أعمل يوماً في حياتي بهذه الكثافة من الوقت والتي كانت تلغي النوم نهائياً. لم أجد بعد الوقت الكافي للإسترخاء والتفكير الهادىء بتجربتي هذه. بشكل عام إستفدت كثيراً على الصعيد التقني. لكن السؤال الذي يوجه لي دائماً عن شعور الإحباط الذي يولده العمل على القضية الفلسطينية. والواقع أن ما يراه الآخرون إحباطاً هو بنظري مصدر قوة ذاتية. الأحباط يتولد عندي في حال إهمالي لقضيتي وقضية شعبي. والأمر الأكثر إيجابية في تجربتي هو في لقاءاتي مع الناس. مثلاً أم جمال وشقيقتها أم فاخر اللتان بقيتا على قيد الحياة في مخيم تل الزعتر حكاياتهما أكبر وأشد تأثيراً مما شاهدناه في الفيلم. تزداد قوتي من خلال أمثال أم جمال وأم فاخر.


وهل ستدخل هذه السلسلة السينمائية إلى المهرجانات؟


أكيد. وقد عرضت بعض الأفلام في مهرجان السينما الفلسطينية في بوسطن في الولايات المتحدة، وفي مهرجان فلسطيني في تورونتو.
 

 

القدس العربي 10-11-2008