غزة العزة تناديكم

 سوسن البرغوتي

لا شك في أن الحديث عن سفينة الأمل التي أبحرت إلى شاطئ غزة، والمحاولة الثانية لكسر الحصار الظالم عن غزّة هاشم، حديث ذو شجون.

لكنني ترددت قبل أن أكتب، ولم يكن سببه تجاهلاً أو لا مبالاة، وليس لأننا كجزء من الشعب الفلسطيني فرضت علينا ظروف الاحتلال أن نقيم في الشتات، وليس لأننا في منظومة دول عربية وبموقع المتفرجين العاجزين عن بيان الفعل حيال تقديم النصرة لصمود مليون ونصف من الشعب الفلسطيني المقيد بحركته، والملاحق بقوت يومه، والمعاقب في بلده، ولم يكن التردد رفضًا لأي محاولة مهما كانت، تعمل وتسعى لفك القيد، إنما بسبب وجود "إسرائيليين" على متن القارب، وهذا بحد ذاته صفعة للشعوب العربية والإسلامية على حد سواء، ووصمها بالخزي والعار، وأن من يعلن تضامنه مع شعب عربي مسلم مظلوم، هو في المنظور الاستراتيجي عدو، وفي المقابل لم يتحرك الشارع العربي خلال عامين من الحصار، وفي أحسن الأحوال، اكتفينا جميعًا بإطلاق الشعارات والرفض والشجب، وغزة تستنجد بأهلها، ولا حياء لمن تنادي.

في لحظات وداع المتضامنين، أشار الرجل الوقور إسماعيل هنية، إلى أن: (من يصل إلى غزة اليوم يأتي من البلدان البعيدة بسبب غلق الحدود العربية مع القطاع، لكننا نأمل أن يصل هؤلاء إلى القطاع من داخل الإطار العربي). أمنيات يعقدها الشعب الفلسطيني على العرب لنصرتهم والوقوف إلى جانبهم، وأن يخرجوا لاستقبال أخوتهم العرب القادمين على سفن عربية، من وإلى أرض عربية.
قبرص ليست أرضًا عربية، وهناك امتداد عربي على أرض تتصل بغزّة، وبينهما حدود وبوابات مشتركة، يمّن حكامها بين فترة وفترة بفتح المعبر لأيام أو ساعات، ثم يحرصون على إعادة إغلاقه. الأرض والشعب لا يعرفان معنى الجحود ونكران التواصل مع الأهل، لكن تلك الاتفاقيات أو الإملاءات التي قيّدت حركة السياسيين، ويلتزم بها سادات مصر "المعتدلون" كبّلت الشعبين، وشلت حركة الشعوب العربية..
فهل من سبيل لكسر الحصار عربيًا، وعن طريق الجوّ هذه المرّة، ومن دولة عربية لا ترتبط بعلاقات تطبيعية علنية؟، ما دامت تلك العلاقات تمثّل في عرف السياسيين المانع والحاجز الحقيقي الذي يحجب القطاع عن الحياة.

إن قطر الصغيرة بمساحتها، والتي لا تبتعد كثيرًا عن مسيرة الاعتدال، تبدو بشكل ما أكثر مساهمة في مساعيها لحل الأزمات ولو مؤقتًا، ولنتذكر أن أول طائرة هبطت على أرض لبنان بعد الاعتداء "الإسرائيلي" عام 2006 كانت من الدوحة، فلماذا لا تتكرر التجربة لكسر الحصار عربيًا؟، وهي بذلك تعلن الرفض العربي لأوامر اعتقال أهل القطاع والحكم عليهم جماعيًا بالموت.
بالطبع لا يعني أن المحاولات ستتصدى للاستراتيجية "الإسرائيلية"، وسيُرفع الحصار نهائيًا، لكن آن للشعوب العربية كي تخرج من حلقة الصمت المشبوه، ونشعر ولو ببعض كرامة، وأن هناك من ملّ عصا التهديد والوعيد.

الساسة الأمريكيون منشغلون في ترتيب بيتهم الداخلي والتخطيط حاليًا ولاحقًا لمزيد من الحروب والتدمير ونهب المال والنفط العربي، لتحقيق مصالحهم الخاصة. وفي "إسرائيل" تصدعت جدران كاديما، بين متشددين معارضين لإبداء الليونة السياسية مع العرب، وآخرون ينشدون استلام زمام السلطة. حبذا لو نفكّر أن هذا الوقت بالذات يشكل فرصة ذهبية، قد لا تتكرر لمد يد العون لأخوتنا وإنقاذهم من حصار خانق..

ينزل سقف المطالب يومًا بعد يوم، فلم يعد الكثيرون يطالبون الدول المعتدلة الوقوف مع المقاومة ولا إلى جانبها، فهذه أصبحت بالعرف الجديد، وصمة "إرهاب"، ورجال المقاومة الشرفاء الأقدر على الصمود والبقاء حراساً للقيم والثوابت الوطنية، وهم الدروع الذين يتحمّلون يوميًا دفع ضريبة الدم.. وما عدنا نطالب الأنظمة العربية بأكملها، ليدعموا النضال لتحرير كل فلسطين الأرض المقدسة، فللقبلة الأولى رب يحميها، ومرابطون لا زالوا يؤمنون بعدالة وقدسية قضيتهم، ولكن ماذا عن المحاصرين المظلومين من مدنيين وأطفال ونساء وشيوخ ومرضى، ماذا عن الحياة واحترامها كقيمة وحق شرعي لكل البشر، وما ذنب شعب أراد الحياة على أرضه بكرامة وعزة؟..

إذا كانت الحرية في هذا الزمن سجينة في أعماقنا، فلنطلق لها العنان، ولو لمرة نكسر القيود بأيدينا، ونكون سفراء الرحمة والكرامة.. فللتاريخ بوابات، وللمواقف أيضا سجلات، تُسجل وتبقى في ذاكرة الشعوب، ولتكن المحاولة على قدر أهل العزائم..

إن الشعب العربي في كل مكان بريء من تهمة التجاهل والتهاون بقضيته المركزية، إلا أن السؤال موجهاً إلى شعب الخليج العربي، فهل ننتظر هبّة انتصار لكسر الحصار عن غزّة هاشم؟.




6/11/2008


http://www.arabiancreativity.com/sb199.htm