هل حقاً انتصرت القدس لأهلها في الانتخابات البلدية الأخيرة؟!..

راسم عبيدات*
 

13-11-2008

... واضح جداً من نتائج الانتخابات البلدية لمدينة القدس، والتي جرت يوم 11//11/2008، أن نسبة مشاركة المقدسيين العرب في تلك الانتخابات لم تتجاوز 2% رغم الدعاية والحملة الإعلامية الواسعتين التي مارسها المرشحون الإسرائيليون في القدس العربية، بهدف دفع سكان القدس العرب للمشاركة في هذه الانتخابات، تحت يافطة وذرائع تحسين شروط وظروف حياتهم والحد من الإجراءات القمعية والاذلالية الإسرائيلية بحقهم، وتحديداً ما يتعلق بهدم المنازل، وتحسين مستويات التعليم والخدمات الصحية لهم.

وهناك من نظّر وطبل لبعض المرشحين الإسرائيليين على اعتبار أن برنامجهم يتضمن اعترافاً بأن الشطر الشرقي من المدينة هو جزء محتل، وأن برنامجه يتضمن ضرورة رفع الإجحاف والظلم عن العرب المقدسيين. وهؤلاء المطبلون والمزمرون والذين يتسترون خلف جماعة من المثقفين والمفكرين الفلسطينيين، وزعوا بياناً بهذا الخصوص، أرادوا من خلاله إحداث حالة من الإرباك والانقسام في الساحة الفلسطينية تجاه مسألة المشاركة في الانتخابات، وبما يشجع على المشاركة في هذه الانتخابات عند المترددين، متسلحين بموقف هؤلاء وانه لا إجماع في الساحتين المقدسية والفلسطينية على عدم المشاركة.

هذه المواقف وميوعتها وخطورتها، وعدم جدية ووضوح مواقف البعض في الساحة الفلسطينية منها، هي التي تسهم في تعزيز حالة فقدان الثقة والإحباط واليأس بين العرب المقدسيين. وهذا الموقف ينسحب على الموقف من ما يسمى بلجان التطوير المرتبطة ببلدية القدس، والتي شجعها عدم تحديد موقف صارم منها وتغاضي البعض عن نشاطها، على أن تطفو على السطح، وأن تسرح وتمرح وتجاهر بأنشطتها دون حسيب أو رقيب، بل وصل بها الأمر حد أن ترشح نفسها في الانتخابات المؤسساتية، وكأن الحال وصل بنا إلى ما حذر منه الشهيد صلاح خلف، بأن الخيانة قد تصبح وجهة نظر.

وبالعودة إلى انتخابات بلدية القدس، وتدني نسبة مشاركة المقدسيين فيها، فهذا مرده بالأساس إلى كون سكان المدينة يشعرون بفداحة الظلم والإجحاف اللاحق بهم من ممارسات وإجراءات الاحتلال. فعدا عن حالة الإهمال والتي تطال مختلف مناحي حياتهم من صحة وتعليم وبنى تحتية وخدمات أخرى، ناهيك عما يمارس بحقهم من سياسة تطهير عرقي، حيث القيود والتعقيدات والشروط الاذلالية على منح تراخيص البناء، والهدم المستمر والمتواصل للمنازل بحجة البناء غير المرخص، والاستيلاء على المنازل وتشريد سكانها كما جرى مع عائلة الكرد مؤخراً، وفرض الضرائب بأشكالها وتسمياتها المختلفة وغيرها من إجراءات وممارسات يطول شرحها والكتابة عنها.

هذا كله إذا ما ربطناه بالجانب السياسي والمستهدف العرب في وجودهم وعروبتهم، يجعل من المشاركة في مثل هذه الانتخابات نوعا من العبث والرياضة الذهنية والفذلكات الكلامية، وتشريعاً للاحتلال ووجوده والتغني والتباهي بديمقراطيته. فالداعون للمشاركة في هذه الانتخابات على قاعدة إننا ملزمون بدفع الكثير من الضرائب قسراً، يدركون جيداً أن القوانين الدولية تلزم الاحتلال بتقديم الخدمات للسكان المحتلين، والحريص على هذا الجانب عليه أن يخوض نقاشاً وصراعاً قانونياً مع الاحتلال ومن خلال المؤسسات والمحاكم الدولية، أو خوض كل أشكال النضال الجماهيري المشروعة التي تلزمه بتلبية هذه الاحتياجات والخدمات.

والمقدسيون رغم أنهم في هذه الانتخابات انتصروا لفلسطينيتهم وعبروا عن رفضهم للاحتلال ووجوده، فهذا لا يعني بالمطلق أن الحركة الوطنية والإسلامية، هي من لعبت هذا الدور البارز والفاعل في هذا الرفض، فالحركة الوطنية وكل التشكيلات المنتخبة والمعينة، تعيش حالة من الانفصام بينها وبين الجماهير، وعملها لا يخرج عن الإطار الشعاري والشكلاني والإعلامي، فحتى موقفها الداعي للمقدسيين بعدم المشاركة في الانتخابات البلدية ومقاطعتها، لم يجر تعميمه وشرحه للجماهير عبر بيان أو منشور، بل عبر عنه من خلال مؤتمر صحفي، وأغلب المقدسيين يشعرون بحالة واسعة من الإحباط واليأس وفقدان الثقة، من السلطة الفلسطينية، لكثرة قصوراتها تجاه المقدسين سواء في الهموم المباشرة الاقتصادية والاجتماعية، أو الهم الوطني السياسي العام. وهم يشعرون أنهم تركوا وحيدين لمواجهة قدرهم ومصيرهم في الصمود والتصدي للهجمة الإسرائيلية الشاملة عليهم في كل جوانب ومناحي حياتهم، ورفضهم المشاركة في الانتخابات البلدية، نابع بالأساس من عمق انتمائهم واعتزازهم بهويتهم وقوميتهم، وهو لا يعني بأي حال من الأحوال أن هناك حالة من الرضا عند المقدسين عن السلطة الفلسطينية.

إن مقاطعة المقدسيين للمشاركة في انتخابات بلدية القدس، والتي أول ما تعنيه المشاركة فيها شرعنة واعترافاً بإجراءات وممارسات الاحتلال بأيد فلسطينية، يتطلب من كل فصائل العمل الوطني الفلسطيني، والتي هي بمثابة الذراع والأداة لمنظمة التحرير الفلسطينية في القدس، وكذلك باقي ألوان الطيف السياسي الأخرى من قوى إسلامية فاعلة كحماس والجهاد، أن توحد موقفها وجهودها وطاقاتها في هذا الجانب، وتخرس وتلجم كل الأصوات التي تحاول تجميل صورة الاحتلال أو شرعنة ممارسته وإجراءاته.

وهذه المسألة لا تحتمل الاجتهاد أو حق الجميع في التعبير عن رأيه ووجهة نظره. تماماً كما هو الحال في مسألة حق العودة، حيث أنه تحت ذريعة ويافطة الحلول الخلاقة والمبدعة، قدم البعض تنازلات تمس جوهر حق العودة طواعية وبشكل مجاني. هذه مسائل تشكل جوهر البرنامج الوطني، ولا مجال للاجتهاد فيها أو للعصف الفكري والذهني كائنا من يكن صاحب الاجتهاد أو الفكرة.

وهنا أذكر أنه عندما حاول البعض أن يؤسس لجنة تطوير مرتبطة بالبلدية في جبل المكبر، فقد أفشلها الموقف الحازم من القائمين عليها وفضح مقاصدها ومراميها. لذلك فإن التراخي في التعامل وطنياً مع مثل هذه الأجسام والتشكيلات هو الذي يسمح لها أن تغير جلدها ولونها وتستغل أي ضعف أو عدم وضوح في الموقف الوطني لكي تعاود نشاطها من جديد.

إن محاولة تهميش دور المرجعيات الوطنية والأجسام المنتخبة شعبياً كمرجعية وعنوان لأهل القدس، لصالح تشكيلات دينية ومؤسساتية، هو خطوة في الاتجاه الخاطئ تحول قضية القدس من قضية وطنية وقومية وقضية احتلال إلى قضية صراع ديني على هذا المكان أو ذاك، وبالتالي من الضروري أن تتنبه القوى الوطنية والإسلامية إلى ذلك، وأن لا تخلي دورها ومكانتها لصالح أجسام وتشكيلات أخرى وبصرف النظر عن القائمين عليها.
 

* كاتب مقدسي