الأسباب الحقيقية لتعثر الحوار الفلسطيني..

 د.عبد الرحيم كتانة

11-11-2008
 

بداية، لا بد من التأكيد أن الأسباب التي تساق من قبل كافة الفصائل لتعثر الحوار، هي أسباب غير حقيقية، فالكل يسرد حكايته التي تضع اللوم على الآخر وتبرئ صاحبها، ولا بد من التأكيد، أيضا، أن هكذا مقال سيضع كاتبه في دائرة الاستهداف والنقد من قبل كل القوى، لأن الحقيقة دائما مرة وقاسية.

ليست هذه المرة الأولى التي تتنادى فيها الفصائل للحوار، وقطعا لن تكون الأخيرة، لأن هناك رؤى متناقضة بين القوى الفلسطينية تصل، أحيانا، إلى حد التناحر والاقتتال (كما حصل منذ اندلاع الثورة المعاصرة )، ويستطيع كل متابع للشأن الفلسطيني أن يرى ذلك ويؤكده، ولا ينكره سوى متغطرس أو منافق أو حالم.

ولسنا في هذه العجالة، بصدد فتح صفحات التاريخ الفلسطيني الحديث، ولا نشر الغسيل، ولكننا بصدد الأزمة الحالية، لذا سنحاول، قدر الإمكان، الإحاطة بأسبابها وسبل علاجها:

1- بادئ ذي بدء، يجب التأكيد على أن الإسرائيلي ليس في وارد فتح أو حماس ولا شعبية ولا ديمقراطية، بل ينظر إلى الكل الفلسطيني على أنه عدو لن يعطيه شيئا إلا إذا اجبر على ذلك. فمئات الجولات التفاوضية لم تسفر عن إزالة حاجز حواره أو بيت ايبا التي تخنق مدينة نابلس، أو حاجز قلنديا الذي يغلق القدس ويفصلها عن باقي الضفة، ولذلك على الفلسطينيين أن يدركوا أنهم يختلفون على عروس ( سلطة ) لا يريد والدها أن يزوجها لأي منهم.

2- نحن في مرحلة تحرر وطني وليس في مرحلة بناء دولة ومؤسساتها، فنحن لا نملك سيادة على سنتمتر مربع واحد من أرضنا، فعلام الاقتتال؟

3- لقد كانت أوسلو وبالا على الشعب الفلسطيني وقضيته كما وعد بلفور، وأقمنا سلطة شكلت غطاء لمزيد من المصادرة والاستيطان وأصبحت سلطة أجهزة أمنية ومخصصات، حتى أصبحت تسمى سلطة حتى آخر الشهر.

4- إن الخلاف في جوهره سياسي بامتياز رغم ما يطفو على السطح من خلافات فنية وإدارية، وأصبح الفلسطينيون، شاءوا أم أبوا، ينتمون ( أو متحالفين ) إلى محورين إقليميين ودوليين المحور الأمريكي الإسرائيلي والمحور الإيراني السوري الممانع للمحور الأول، ولذلك ليس مهما أن تعقد طاولة الحوار أم لا، بل المهم ما هي أجندة كل طرف؟ وهل هي أجندة فلسطينية بحتة؟

5 :على هذه الأرضية استدرجت حماس إلى انتخابات تشريعية تحت سقف أوسلو، واستدرجنا جميعا، رغبة في تغيير نهج الفساد والتفريط، وشهد العالم انتخابات حرة ونزيهة، شعارها التغيير والإصلاح وبقي الفساد على حاله. وبدل أن يسجل هذا العرس (الديمقراطي) في صالحنا أصبح وبالا علينا.

6- تنكر العالم، بمعظمه، لنتائج الانتخابات، وبدلا من أن تتجه حركة حماس إلى حضن الجماهير والقوى التي ساندتها وكانت شريكا لها في نصرها لتقوية موقفها، رأيناها تشكل حكومة لوحدها، وكانت هذه خطوة غبية ما بعدها غباء، فتحت نيران الكل عليها، وأصبحت السلطة عبئا عليها بدل أن تكون عونا لها.

7- شعرت حركة فتح أن بساط السلطة وامتيازاتها ستسحب من تحت أرجلها، " فجن جنونها "و"قامت قيامتها" وشاركت مع القوى المعادية في وضع العراقيل أمام حكومة حماس حتى أجبرتها على تقاسم السلطة معها اتفاق مكة. ولم يقف الرئيس موقفا (كان ) منتظرا منه ليقول" هذه حكومتي، فمن يحاصرها كأنه يحاصرني".

8- ويتبجح البعض، مدعيا أن تداولا سلسا للسلطة قد تم، إلا أن هذا المنطق كان مجافيا للحقيقة، فقد سلمت المكاتب ولم تسلم الصلاحيات. وإلا ما معنى أن يتسلم وزير داخلية من حماس (سعيد صيام) هذا المنصب ولديه 80 ألف موظف في وزارته كلهم من فتح، والتعليمات تصلهم من فتح بعدم التعاون مع وزير الداخلية؟ فيلجأ سعيد صيام إلى تشكيل قوة تنفيذية من حماس فتقوم الدنيا ولم تقعد لتطالبه بحلها. وما معنى الضجة التي حصلت عندما عينت حماس بضعة مدراء عامين في إحدى الوزارات التي تغص بأكثر من سبعين مديرا عاما من فتح وبضعة من الفصائل المتحالفة معها؟

9- ويستمر الحصار حتى بعد اتفاق مكة وتقاسم السلطة، لأن المطلوب، على ما يبدو، ليس تقاسما، بل إعادة سيطرة على مؤسسات السلطة. وتقوم الحكومة الإسرائيلية باعتقال معظم نواب حماس فتصبح أقلية في المجلس التشريعي وتعلن فتح أنها لن تستغل هذه الأكثرية وعند الضيق يتنصل "الصديق "من غريمه ويصبح أمين عام المجلس التشريعي الفتحاوي هو وحده "المالك الشرعي" للمجلس التشريعي، وإذا اجتمعت غزة فهي مغتصبة للمجلس. ثم ما معنى أن يرضى بعض الوزراء غير الحمساويين على أنفسهم أن تفتح لهم كل العواصم والمطارات وتغلق في وجه زملائهم الحمساويين؟

10- وتتسارع الأحداث ويصل التناقض إلى مرحلة الصدام وتخطئ حماس في كثير من الممارسات من قتل واعتقالات تبث على الهواء مباشرة، وتكاد تخسر جماهيرها لولا أن أعادتها لها فتح بعد أن بالغت في موجة الانتقام من مؤيدي حماس في الضفة الغربية.. كان يمكن لأي منهما لو تحلى بالحكمة والمسؤولية وغض على جراحه أن يفوت الفرصة ويحاصر "غريمه "بجريرة أعماله.

11- وينقسم الوطن المقسم أصلا ويشدد الحصار على غزة ويصبح همنا الأساسي إطعام أهلنا في غزة، و"يتمترس" كل في موقعه- فتح وتوابعها المسماة فصائل م.ت.ف تصر على تراجع حماس عن " انقلابها" و من جهة أخرى حماس، وحلفاؤها التي تصارع الحصار وتستجدي طعاما ودواء" لجماهيرها" في غزة.

12- ويزداد الشرخ السياسي على مستوى الخريطة السياسية الفلسطينية برمتها، وتصبح فصائل م.ت.ف كلها فتح وفصائل المعارضة كلها حماس، ولا تكاد تميز بين أمين عام فدا أو عضو مكتب سياسي في الجبهة الديمقراطية أو الشعبية أو التحرير وبين عزام الأحمد أو نبيل عمرو أو ياسر عبد ربه، ويصبح اليسار واليمين في سلة واحدة والقومي والإسلامي في سلة أخرى، ولا يجمعهم سوى "انقيادهم" لدعوة المخابرات المصرية" ليصلح" بينهم ولم يتبق إلا المناسف، وكأن الخلاف على بقرة أو حادث سير أدى إلى مقتل رجل مسن.

هذه بعض الحقائق لمن يريد أن يعترف بوجودها والقائمة تطول كثيرا، فالخلاف ليس على تمديد أو عدم تمديد للرئيس أو اعتقالات في الضفة أو غزة، فالرئيس عاجلا أم آجلا سيرحل، والمعتقلون عاجلا أم آجلا سيطلق سراحهم، وهذا وذاك تعبير عن مأزق وخلاف سياسي بين نهجن ورؤيتين مختلفتين- نهج يقوم على التفاوض و"الحياة مفاوضات" ونهج يرى أن المقاومة وحدها وبكل أشكالها هي الكفيلة بإعادة الحقوق. ولذلك يجب أن يبدأ الحوار من هنا:

1- ما هي الأرضية السياسية التي سنتفق عليها ؟وبدون دخول في التفاصيل فإن وثيقة الوفاق الوطني هي الوثيقة الوحيدة التي يجمع عليها كل الأطراف الفلسطينية بدون زيادة أو حذف، حتى، حرف واحد منها.

2- يجب أن تنزل الفصائل عن قمة الشجرة، ففلسطين ليست طابو لفتح أو حماس (وان كانا الفصيلين الأكبرين )، فهما ليس قدر الشعب الفلسطيني، ويجب على القوى الأخرى وخصوصا ما يسمى، زورا وبهتانا، بالقوى الديمقراطية واليسارية أن يبحثوا عن طريق آخر غير التلطي في ظلال فتح وتشكيل إطار يجمعهم، علهم يشكلون قطبا ثالثا مميزا (فبرامجهم وسلوكهم السياسي لا يختلف بحرف واحد بعضهم عن بعض).

3- منظمة التحرير ليست لجنة تنفيذية ومكاتب وسيارات وميزانيات ومرافقين وليست ميراثا أو ملكا لهذا وذاك، بل هي إطار وبرنامج سياسي ونضالي، اكتسبت شرعيتها من نضالات وتضحيات شعبنا لتحقيق أهدافه في التحرر من الاحتلال، ويجب أن تضم كل القوى والشرائح المؤمنة بهذه الأهداف، ولا يجوز أن تبقى معلقة بين من يعترف بشرعيتها ومن لا يعترف. ولذلك يجب إعادة بنائها بحيث تعود ممثلة للجميع وتعيد القضية إلى سكتها الصحيحة، والحاصل أن تنظيما لم يحصل على عضو واحد في انتخابات المجلس التشريعي يتمثل بعضو لجنة تنفيذية إلى جانب الأمين العام وبضعة أعضاء مجلس مركزي وعشرات أعضاء مجلس وطني الذي يفوق عدد أعضائه مجلس النواب الهندي أو الأمريكي أو حتى الصيني، بينما لا يتمثل تنظيم (مثل حماس ) الذي حصل على الأغلبية من أصوات الناخبين بعضو لجنة تنفيذية واحد، ثم يقال له "تعال واحضر اجتماعات اللجنة التنفيذية، فنحن مستعدون لإعطائك مكانا في اللجنة!!! آنت الذي تقاطعنا ولسنا نحن من يقاطعك، ومقعدك إلى جانب جبهة النضال أو التحرير أو العربية أو فدا ( مع الاحترام )وبالتساوي!!! "هل يعقل هذا الكلام يا سادة يا كرام؟؟

4- يجب الاتفاق والاقتناع أن المحافظ أو السفير أو مسؤول أي جهاز أمني تحدده الكفاءات وليس الانتماء لهذا الفصيل أو ذاك، ويجب أن تقتنع فتح، تحديدا، أن الآخرين شركاء في هذا الوطن (كما قال مروان البرغوثي) وليسوا أجراء أو تابعين لها..

إن الحوار المنشود في القاهرة لن ينجح إذا لم يأخذ هذه الملاحظات البديهية بعين الاعتبار، وإلا سيتم استنساخ اتفاق مكة جديد وسنعود للاقتتال من جديد في وقت يتم فيه قضم القدس والأرض والشجر والبشر والحجر قطعة قطعة، كما يقسم القرد الجبنة، وسنجد أنفسنا نختلف ونتقاتل على الهواء.
اللهم قد بلغت اللهم فاشهد..