الأزمــة الماليــة العالميــة ومســؤولية المصــارف اللبنانيــة- بشارة مرهج

أطروحتي في هذه الكلمة أن على مصرف لبنان فتح مفاوضات مباشرة مع القطاع المصرفي والطلب اليه التعاون لخفض كلفة الدين العام التي ترهق الموازنة وتعيق النمو وتوسع دائرة البطالة وتسهم في تهجير اللبنانيين.
وأعتقد أن وضع المصارف اللبنانية الآن يسمح لها بالتجاوب مع مطلب مشروع من هذا النوع، بما يعزز الثقة بلبنان ويدعم المالية العامة ويستنهض الاقتصاد الوطني.
قد يستغرب البعض من الطرح في ظل الأزمة المالية الخانقة التي يشهدها العالم، ويعتبره طرحا غير واقعي أو مخالفا لأنظمة السوق، لكني بالمقابل أراه طرحا مشروعا وممكنا وينبغي البحث فيه بجدية ومسؤولية. لعل البحث يفتح بعض الأبواب الموصدة أو بعض العيون المغمضة فنتفادى من مواقع متعددة ما حصل لأولئك الذين أغلقوا عليهم الابواب وأغمضوا أعينهم في وول ستريت فوجدوا أنفسهم وسط كابوس تتعاون كل أمم الأرض لإخراجهم منه.
ومقابل انزلاق بلدان كثيرة في العالم الى وسط الدوامة، ترى معظم الأوساط المصرفية والمالية في بيروت أن لبنان سيكون من بين دول قليلة مرشحة للصمود بوجه العاصفة المالية التي تجتاح العالم، وانه سيتمكن من تفادي ارتدادات هذه الأزمة ونتائجها العنيفة التي تهز النظام المالي العالمي وتفتح الطريق نحو انكماش اقتصادي مرشح بدوره لأن يتحول الى ركود واسع النطاق ما لم يتم تداركه بخطوات إصلاحية شاملة ومنسقة تقوم بها الدول المعنية مباشرة بالأزمة، بالتعاون مع أصدقائها وحلفائها.
وتعزو هذه الأوساط المصرفية والمالية إمكانية نجاة لبنان من هذه العاصفة التي تزحف باتجاه الخليج والدول الآسيوية، بعدما خلّفت أضراراً جسيمة في أميركا وأوروبا الى الأسباب الآتية:
أولا: تأخر لبنان عن الالتحاق بمسيرة العولمة وشبكاتها العنكبوتية الرهيبة نسبة للأوضاع الاستثنائية التي كان يمر بها.
ثانيا: التزام المصارف اللبنانية بتوجيهات وتعميمات مصرف لبنان التي تشدد على الالتزام بمقررات بازل، وضبط التسليفات العقارية، والابتعاد عن المضاربة وتجنب الاستثمار في الصكوك والأسهم والمشتقات المالية الدولية.
ثالثا: توافر السيولة لدى المصارف اللبنانية، ومصرف لبنان، بسبب تدفق تحويلات المغتربين والعاملين اللبنانيين في البلدان العربية والأفريقية، فضلا عن الرعايا العرب، بما يغطي العجز الكبير في الميزان التجاري وينشئ فائضا في ميزان المدفوعات يسهم في حماية الليرة وإيقاف الاقتصاد على قدميه.
هذه الطروحات التي تحفل بها الصحف وأجهزة الإعلام صحيحة أو أقرب ما تكون الى ذلك، خصوصا اذا توافرت شروط المراقبة والمتابعة والمحاسبة التي يعتمدها اليوم مصرف لبنان وهيئة الرقابة على المصارف، تلك الشروط التي لم تكن متوافرة تماما في المرحلة السابقة، حيث برزت عوامل شخصية وسياسية وانتخابية كادت تطغى على سواها من الاعتبارات.
على أن ذلك كله لا يعكس تماما حقائق الأمور في لبنان، ولا ينفي كل المخاطر التي يجب أن تبقى ماثلة حتى لا نفاجأ بتداعيات، لم تكن بالحسبان، يهتز تحت وطأتها الاقتصاد اللبناني المصاب بلوثة الدين العام الذي يتزايد يوماً بعد يوم، والمرشح لأن يزداد خلال السنة المالية القادمة حوالى ٤ مليارات دولار حسب أرقام مشروع الموازنة المقدم من حكومة الرئيس السنيورة.
وهذا بدوره يدفعنا الى ضرورة التنبه من الموجة التفاؤلية التي انتشرت في قطاعات متعددة، وكأن الأمور على خير ما يرام، وان لا مخاطر على اقتصاد لبنان، فيما تقضي المصلحة الحذر من الإغراق في النظرة التفاؤلية السطحية واتخاذ كل التدابير والإجراءات التي تساعد على تجاوز الأزمة ومعالجة الاختلالات التي يعاني منها الاقتصاد اللبناني.
وفي هذا المجال لا يجوز لنا أن نتجاهل قضايا مهمة على رأسها ثلاث:
١ـ اذا كان الاقتصاد اللبناني مرشحا بثقة لتجاوز المخاطر المباشرة التي تطرحها الأزمة المالية العالمية، فلا يجوز تجاهل النتائج غير المباشرة والارتدادات المستقبلية لهذه العاصفة العاتية، خصوصا بالنسبة لمداخيل اللبنانيين في الخارج، وبالتالي تحويلاتهم الى لبنان، فضلا عن التأثيرات المترتبة على دخول الاقتصادات العربية الداعمة للبنان في فترة ضيق نتيجة الخسائر الهائلة التي تكبدتها في أسواق الأسهم والعقارات، ونتيجة الضغوطات الكبيرة التي تتلقاها تلك الاقتصادات لتأمين تبرعات واكتتابات ضخمة لمساعدة اقتصادات أوروبا وأميركا على الصمود بوجه الإعصار (راجع زيارة رئيس الوزراء البريطاني الى دول الخليج والسعودية). وهذا كله من شأنه التأثير سلبا على مشاريع قائمة ومستقبلية في بلدان عربية وأفريقية تستوعب أعدادا كبيرة من اللبنانيين. الى ذلك، لا يجوز التغاضي عن إمكانية إقدام بعض الدول الأجنبية المساندة للبنان من خلال باريسIII على تقليص دعمها تحت وطأة الأزمة الضارية التي تعيشها.
٢ـ ان قدرتنا على تجاوز ارتدادات الأزمة الحالية يجب ألا تنسينا واقعنا الحقيقي الذي ينوء تحت وطأة دين ثقيل، تراكم وتفاقم عبر سني الحرب وبعدها، لأسباب متعددة، منها الأزمة المصرفية الصامتة التي عاشها لبنان في التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، والتي تم استيعابها بكلفة كبيرة تحملها المواطن اللبناني نفسه دون معرفته، ودون معرفة الأكثرية الساحقة من المسؤولين اللبنانيين أنفسهم الذين كانوا وما زالوا غارقين في مستنقعات الصراعات السياسية، متجاهلين ما يجري في جبهة الاقتصاد. ولقد تمت عملية الاستيعاب آنذاك عن طريق قانون دمج المصارف الذي أتاح لمصرف لبنان أن ينجز ٢٣ عملية دمج مصرفية وإنقاذ عدد من المصارف المعروفة، وذلك بكلفة تجاوزت ١٢٠٠ مليون دولار، تحملتها الخزينة، المرهقة أساسا، وذهب قسم لا يستهان به من هذه المبالغ الطائلة الى جيوب بعض المدراء وأصحاب المصارف الذين تسببوا بالأزمة عندما انساقوا وراء نزواتهم وجشعهم فخرجوا عن أصول العمل المصرفي واستهتروا بقانون النقد والتسليف واستخدموا ودائع المواطنين للمضاربة وشراء القصور واليخوت والسيارات الفارهة.
وإذا كان تدخل البنك المركزي آنذاك قد أدى الى استيعاب الأزمة، إلا انه أدى في الوقت نفسه الى خسائر غير مبررة والى إفلات مصرفيين مرموقين من المسؤولية المالية والجزائية المترتبة على تصرفاتهم الرعناء، كما أدى الى زيادة الدين العام بمبلغ كبير إذا احتسبنا الأصول مع الفوائد المتراكمة عبر السنين.
وإذا كان للأزمة آنــذاك جوانــب مظــلمة ثقيــلة الوطأة ماديا وأخلاقيا، فقـد ألزمت بالمقابل مصرف لبنان تعديل توجهاته وســياساته فأصبح أكثر تشددا في إجراءاته التي ظهرت تأثيراتها الايجــابية اليــوم، كما جعلت المصارف أكثر تنبهاً لمخاطر الانفــلات والمقــامرة بمال المودعين وأكثر التزاما بالأصــول والقــوانين في مجال التسليف وإعداد الموازنات والكـشف عن الأربـاح والخسائر.
إننا نستعيد تلك الأحداث والتطورات التي شهدناها بالأمس، والتي ندفع ثمنها غاليا اليوم، لأنه من الأهمية بمكان اعتماد النظرة الواقعية وأخذ الحيطة بالنسبة الى القنبلة الموقوتة المتمثلة بالدين العام التي يمكن أن تنفجر بوجه الاقتصاد اللبناني في مقبل الأيام، ما لم تقم السلطات المسؤولة في القطاعين العام والخاص بمراجعة ما جرى والاعتبار منه واتخاذ كل ما من شأنه إنقاذ لبنان من شر الانهيار وذل السؤال.
إن المصارف اليوم تنعم بوضع جيد يعود الى أمرين:
أولا: التزام عدد كبير من المصارف بالأصول القانونية والمهنية واهتمامها العملي بتطوير أوضاعها وزيادة ترسملها وتطوير مواردها البشرية. وهذا الالتزام أصبح موضع اعتزاز اللبنانيين وملهماً لهم للإيداع في هذه المصارف.
ثانيا: دور البنك المركزي في الاحتضان العملي للمصارف المتعثرة وتوجهه الملموس لتنظيم القطاع وإخضاعه المصارف للقوانين اللبنانية ذات الصلة والمعايير الدولية المعتمدة.
وهذا الوضع الجيد الذي تعيشه المصارف اليوم يؤهلها لتطبيق مبدأ الشراكة والمساهمة في معالجة أوضاع الاقتصاد اللبناني بشكل مباشر وفعال، لا سيما أن مبدأ الشراكة الذي يدعو له أركان القطاع الخاص لا يجوز تطبيقه إلا على خطين متوازيين.
إن الدولة رغم كل المصالحات (وهي مطلوبة في كل حين)، ورغم كل التحويلات والمساعدات، ليست قادرة وحدها على القيام بالمهمات الحيوية المطلوبة في هذه المرحلة لحماية الاقتصاد ومقاومة الركود ومحاربة البطالة وتأمين الخدمات الصحية والاجتماعية. إنها بحاجة حقيقية الى مساعدة القطاع الخاص ماديا وتقنيا. ولا يكفي أن يرهن القطاع الخاص استعداده للقيام بالتزامات الشراكة بإنجاز الدولة الإصلاحات الموعودة في مجال الادارة والمناقصات والصيانة ومكافحة الهدر والسرقة والخمول. إن ضغط القطاع الخاص صحيح ومطلوب ومرغوب في هذا المجال، لكنه لا يجوز أن يكون سببا للامتناع عن مبادرات، الحاجة اليها ماسة لحماية القطاع العام كما سائر القطاعات. إن المشكلة الكبرى التي تعاني منها المالية العامة والقطاع الخاص وسائر المواطنين لا تكمن فقط في حجم الدين العام، بل ايضا بالكلفة السنوية لخدمة هذا الدين التي تناهز ٤ مليارات دولار هذه السنة. هذه الكلفة تجعل الموازنة عاجزة عن تشغيل الاقتصاد فضلا عن تطويره. ومن هنا ضرورة التركيز على هذا الموضوع قبل التفكير بالاستدانة وإصدار سندات خزينة بفوائد لا تطاق. فإذا استمر الوضع على ما هو عليه فإن الجميع سيدفعون الثمن، بمن فيهم القطاع المصرفي، خلا بعض المنتفعين الانتهازيين الذين يستفيدون من مآسي اللبنانيين ويعرفون كيف يكنسون آخر قرش من آخر لبناني يعيش في جرود اليمونة والعاقورة أو في أقاصــي الشــمال والجنوب والبقاع، ناهيك عن أبناء الطبقــات الوســطى في العــاصمة والمدن وهم يزدادون فقـرا، وفقراء المدن وهم يزدادون بؤسا.
ان المصارف معنية بالموضوع، لا بل هي معنية أكثر من غيرها، كونها تمسك بنبض الاقتصاد اللبناني وتعلم أكثر من غيرها، في القطاع الخاص كما العام، بدواخل الاقتصاد اللبناني وحقائقه وأسراره.
هذه المصارف استطاعت أن تسجل أرباحا ملموسة هذه السنة كما في السنين الماضية رغم كل التطورات. هنيئا لها هذه الأرباح التي تعلن عنها على صفحات الصحف متنافسة في ما بينها. وهذه الارباح يجب ان يكون لها دور ايجابي في معالجة الاختلالات وتسليح الاقتصاد اللبناني بوسائل الحماية والنهوض، وتمكينه من خفض خدمة الدين تدريجيا ومنح المجتمع فرصة التنفس مرة أخرى متحررا من كابوس يتعاظم يوما بعد يوم.
فحوى الرسالة أن على الدولة التجرؤ على الهدر وأصحابه والعمل على خفض الإنفاق وفتح باب المفاوضات مع كل المعنيين بالدين العام وخدمته، وخاصة المصارف اللبنانية، لإعادة جدولة هذا الدين وتخفيف أعبائه، وعلى المصارف أن تتجاوب مع مطالب الدولة.
هذه المصارف، ومعها حملة سندات الخزينة، حققوا أرباحا غير مسبوقة من الاكتتاب في سندات عالية المردود، ومن مصلحتهم الآن الحفاظ على سلامة المالية العامة في لبنان التي يتحركون في كنفها.
هذه المصارف، وحملة السندات الباهظة الكلفة، من مصلحتهم اليوم التجاوب مع مطالب الدولة بإعادة جدولة الدين على أساس تمديد الآجال وخفض سعر الفائدة. وحتى تؤتي هذه المبادرة أكلها فعلى جمعية أصحاب المصارف التفكير جديا بالامتناع لمدة معينة عن استيفاء الفوائد المترتبة للمصارف عن محفظة السندات التي بحوزتها. كما عليها أن تفكر جديا بإجراء اكتتابات جديدة بأسعار فائدة تراعي قدرة الدولة على الدفع وقدرة الاقتصاد الوطني على التحمل.
بالطبع دعوتنا ستلاقي معارضة من أوساط مصرفية نافذة تقول بأن على الدولة أن تقلع شوكها بيدها، وأنها غير مستعدة لدعم الدولة من أموال المودعين. على هذا الطرح نرد سلفاً انه يجب فتح هذا الموضوع وبحثه في العلن لا تحت الطاولة، مستذكرين أمرين: الاول التفاهم الذي جرى بين الرئيس الشهيد رفيق الحريري وجمعية أصحاب المصارف عام ٢٠٠٢ والذي بموجبه امتنعت المصارف المعنية عن استيفاء فائدة السندات لمدة سنتين، والثاني جلسة جرت في أواخر آذار عام ٢٠٠٧ بين حاكم البنك المركزي وجمعية أصحاب المصارف في لبنان. عرض فيها الحاكم على المصارف القيام بمبادرتين لتخفيف العبء على المالية العامة، وكل أصحاب المصارف يعرفون مضمون تينك المبادرتين.
واليوم بعد ما جرى في بورصات العالم ومصارفه من نيويورك الى طوكيو مرورا بلندن وبرلين، مطلوب من المصارف في بيروت جميعا، أن تتحرك بتعقل ومسؤولية وضمن المهلة المحدودة التي ما زالت تلوح في الأفق القريب.


([)
وزير ونائب سابق

 


 

- جريدة السفير اللبنانية 10-11-2008