بالوقائع الصرفة- "أحداث عكا" في سياقها الأوسع - انطون شلحت

 

 

 

لا معنى للحديث عن "الأحداث"، التي شهدتها مدينة عكا، بدءًا من "يوم الغفران" الأخير في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2008، ولا تزال تتفاعل إلى الآن، من دون إدراجها في سياقها الأوسع، وهو سياق العلاقة بين المواطنين الفلسطينيين في الداخل وبين دولة إسرائيل والأكثرية اليهودية فيها، وأساسًا في ظل غياب أي أفق لمصالحة حقيقية مع الشعب العربي الفلسطيني، وفي ظل انعدام أي تحرّك حكومي جادّ لإحقاق المساواة، المستحقة من حق المواطنة فحسب، وتحت وطأة استمرار سياسة التمييز القومي وتصعيد الممارسات العنصرية.

 

 

-1 لعله لم يكن من قبيل المصادفة أن هذه "الأحداث" وقعت إثر قيام الفلسطينيين في إسرائيل، في مطلع شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2008، بإحياء الذكرى السنوية الثامنة لهبة أكتوبر في سنة 2000، عندما اندلعت بالتزامن مع "انتفاضة القدس والأقصى" الفلسطينية مظاهرات احتجاجية من قبل المواطنين العرب أغرقتها قوات الشرطة الإسرائيلية بالدم، ما أسفر عن مقتل 13 مواطنا عربيا وعن إصابة عشرات آخرين برصاص الشرطة.

كذلك مرت في هذه المناسبة خمس سنوات على صدور تقرير لجنة التحقيق الرسمية التي تم تشكيلها عقب هبة أكتوبر تلك- لجنة أور- عقب ضغوط مارسها المجتمع العربي في إسرائيل على رئيس الحكومة الإسرائيلية في حينه، إيهود باراك. وعلى الرغم من الانتقادات الشديدة التي وجهتها لجنة أور إلى جهاز الشرطة الإسرائيلية، وتوكيدها أنّ أفراده يحملون أفكارا عنصرية عن العرب إلى درجة التعامل معهم باعتبارهم أعداء لا مواطنين، إلا أن ممارسات الشرطة لم تتغير بتاتًا، ولم تجد من يكبحها حتى لدى المؤسسة القانونية الإسرائيلية.

 

من نافل القول إن ذلك قد ثبت، بالدليل الملموس، حتى قبل أن تقع "أحداث عكا"، وذلك من خلال الاعتداء البوليسي على "مسيرة العودة السنوية" لإحياء ذكرى النكبة وللمطالبة بالاعتراف بحقّ النازحين في العودة إلى بيوتهم، والتي جرت في 8 أيار/ مايو 2008، على أراضي القرية المُهجّرة صفورية، في اليوم ذاته الذي احتفلت إسرائيل فيه بـ "يوم استقلالها"، وفقًا لتصريح أصدرته الشرطة [بعد انتهاء المسيرة، وبينما كان المشتركون فيها متوجهين إلى سياراتهم، اندلعت مشادة كلامية بينهم وبين ناشطين من اليمين الإسرائيلي أتاحت الشرطة لهم إمكان التظاهر على الشارع الرئيسي، قريبًا جدًا من منطقة انفضاض المسيرة. ولم يبادر أفراد الشرطة، الذين تواجدوا في المكان، إلى القيام بأيّ فعل لمنع الاستفزازات من طرف ناشطي اليمين، ولكن، في مقابل هذا، لجأوا إلى ممارسة العنف الشديد تجاه المشتركين في المسيرة.]

قبل هذا وفي نهاية تشرين الأول/ أكتوبر 2007 شهدت قرية البقيعة العربية الفلسطينية، الواقعة في شمال البلاد، مواجهات بين سكان القرية والشرطة الإسرائيلية. وجاءت هذه الأحداث على خلفية قيام شباب عرب دروز من القرية بتخريب قن للدجاج يملكه مواطن يهودي، من سكان البلدة اليهودية المجاورة "بكيعين هحدشاه" (البقيعة الجديدة)، المقامة على أراضي القرية، وكان هذا المواطن اليهودي قد نصب هوائية خليوية داخل القن (تتسبب، وفقًا لاعتقاد سكان القرية، بأضرار صحية للمواطنين وبارتفاع نسبة الأمراض الخبيثة).

وكردّ على ذلك، دخلت الشرطة، في ساعات الليل المتأخرة، إلى القرية معززة بقوات كبيرة من حرس الحدود والوحدات الخاصة، قدر عددها بمئتي شرطي. وفور دخولها إلى القرية جرت صدامات بين السكان وأفراد الشرطة، لجأت الشرطة خلالها إلى إطلاق الرصاص الحي، فأصيب أربعون شخصًا بجراح متفاوتة كانت واحدة منها إصابة خطرة. وقامت الشرطة باعتقال العديد من سكان القرية. كما أسفرت الصدامات أيضًا عن إلحاق أضرار في الممتلكات. وادعت الشرطة أن إطلاق النار جاء نتيجة لشعور رجالها بالخطر وأنه جاء في سياق الدفاع عن النفس. وتمسكت وحدة التحقيق مع أفراد الشرطة التابعة لوزارة العدل الإسرائيلية (ماحش) بهذه الرواية وأعلنت، في نيسان/ أبريل 2008، عن إغلاق ملفات التحقيق مع أفراد الشرطة الذين أطلقوا النار في إبان أحداث البقيعة.

لقد أثارت هذه التطورات من جديد تساؤلات بشأن تعامل الشرطة مع المواطنين العرب في إسرائيل. ورأى الكثير من القيادات العربية أن أحداث البقيعة تثبت أن المؤسسة الإسرائيلية لم تستبطن بعد لا نتائج مواجهات أكتوبر 2000 ولا توصيات لجنة أور في هذا الخصوص، والتي انتقدت تصرفات الشرطة بشدة، خاصة فيما يتعلق باستعمال الرصاص الحي في تفريق احتجاجات مدنية. كما أن ادعاءات الشرطة في أحداث البقيعة لا تختلف كثيرا عن ادعاءاتها في سنة 2000، فهي تتهم المتظاهرين باستعمال العنف تجاه رجالها، ما اضطرهم لاستعمال وسائل للدفاع عن النفس. ومن تجارب سابقة يبدو أن ادعاء الشرطة يلقى الدعم الرسمي حين تصل الأمور حتى إلى المؤسسة القانونية الإسرائيلية. ففي كانون الثاني/ يناير 2008 قرر المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية، ميني مزوز، إغلاق جميع ملفات الاتهام التي قدمت ضد رجال شرطة من الذين اتهموا بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين العرب في مظاهرات أكتوبر 2000 وتبرئة جميع المتهمين. وبإعلان مزوز هذا أغلقت رسميًا الملفات ضد أفراد الشرطة الضالعين في قتل مواطنين عرب تظاهروا في ذلك الوقت، حين استخدمت الشرطة عيارات نارية حية من أجل تفريق المتظاهرين.

 

إن تزامن هذين التطورين الأخيرين أكد أن استمرار معاملة الشرطة الإسرائيلية للمواطنين العرب كأعداء لن يلقى الردع المطلوب من السلطات الإسرائيلية، وخاصة من المؤسسة القانونية، المفروض أن تكون بمثابة "الملاذ الأخير". وثمة شكّ كبير فيما إذا كانت هذه السلطات تتبنى مقاربة مغايرة لتلك المعششة في جهاز الشرطة. من هنا جاء قرار لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب في إسرائيل ولجنة ذوي شهداء هبة أكتوبر القاضي بتدويل قضية مقتل المتظاهرين العرب في سنة 2000 والتوجه إلى الرأي العام العالميّ وإلى منصات عدلية دولية [بدأت حملة التدويل تحت شعار "المرافعة الدولية" بقيام وفد، ضمّ ثمانية من ذوي الشهداء وخمسة من مركز عدالة القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل، بزيارة إلى جنوب أفريقيا في الفترة ما بين 19 و25 نيسان/ أبريل 2008، معلنًا أنه يفتتح بذلك سلسلة من مبادرات المرافعة الدوليّة الرامية إلى تطبيق قرار لجنة المتابعة العليا ردًّا على القرار الذي أصدره مزوز وقضى بإغلاق ملفات أكتوبر 2000، من دون توجيه اتهامات جنائية لأيٍ من قادة أو ضباط الشرطة الضالعين في الجرائم التي راح ضحيتها ثلاثة عشر مواطنًا عربيًا فلسطينيًا، علاوة على إصابة العشرات بجراح].

 

يجدر هنا أن نذكر أن توصيات لجنة أور لم تقتصر على تلك الجزئية المتعلقة بأداء الشرطة فقط. وسبق لمركز عدالة أن أشار، بحقّ، إلى أنّ تقرير لجنة التحقيق يُعتبر بمنزلة "الوثيقة الرسمية القانونية الأولى منذ سنة 1948 التي تتطرق إلى التمييز التاريخي اللاحق بالعرب في إسرائيل". وفي السياق المذكور ورد في التقرير: لقد تم إهمال التمييز والغبن اللاحقيْن بالعرب خلال سنوات طويلة، ويجب العمل على دفع المساواة، على المستوى الفوري، وعلى المدى البعيد. كذلك، يجب العمل على جسر الهوّات والمبادرة لتطوير خطط، خاصة في مجالات التربية والإسكان والميزانيات، بالإضافة إلى إيلاء ضائقة العرب البدو وظروف معيشتهم في النقب، الاهتمام اللازم. كذلك ذكرت اللجنة، في موضوع الأراضي والتخطيط، أنه يجب دفع مبدأ التقسيم العادل في محاصصة الأراضي، والمبادرة إلى وضع خطط لإيجاد حلول ملائمة لمسألة البناء "غير المرخص". ومع أن لجنة التحقيق رفضت التطرق إلى عُمق مسألة الحقوق الجمعيّة للعرب، إلا أنها ذكرت في التقرير: "نذكّر أن وظيفة الدولة في هذا الموضوع لا تنحصر في الشؤون المادية فقط. على سلطات الحكم إيجاد طرق تمكّن المواطنين العرب من التعبير عن ثقافتهم وهويتهم في الحياة الجماهيرية، بشكل ملائم ومحترم". غير أن عدم حدوث أي تحرّك في موضوع الشرطة، والذي يُفترض أن يكون الأكثر بساطة، يحيل إلى انعدام النيات بإحداث تغيير في سائر الموضوعات الأشدّ تعقيدًا، كما يحيل إلى واقع أن النية متجهة إلى إعادة إنتاج الأسباب التي أدّت إلى اندلاع هبّة أكتوبر، لا إلى معالجتها بصورة جذرية.

 

2-  من غير المبالغة القول إن الفلسطينيين في إسرائيل، مجتمعًا ونخبًا وقوى سياسية، يجدون أنفسهم في "عين العاصفة" منذ تلك الهبّة. وقد تفاقم ذلك، خلال الأعوام القليلة الفائتة، على خلفية بضعة مستجدات، لعل أبرزها ما عُرف باسم مبادرات الرؤى المستقبلية والتي صدرت خلال سنتي 2006 و2007 [وهي على التوالي "التصوّر المستقبلي"، الصادر بمبادرة من رئيس اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية ومجموعة من الأكاديميين والمثقفين والناشطين في المؤسسات الأهلية، و"الدستور الديمقراطي"، الصادر عن مركز عدالة، و"وثيقة حيفا"، الصادرة بمبادرة مدى الكرمل- مركز الدراسات الاجتماعية التطبيقية في حيفا].

إن أهمية هذا المبادرات تكمن في أنها تضع لأول مرّة رؤى وتصورات لأسس العلاقة بين الدولة وبين المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، وفي أنها كانت إيذانًا ببداية مرحلة مبادرات ذاتية فكرية جوهرها تحوّل الفلسطينيين إلى ناحية النظر إلى أنفسهم، والمشاركة الفكرية الفاعلة في تقرير مصيرهم ومستقبلهم. كما أنّ هذه المبادرات انطوت، في الوقت نفسه، على محاولة دفع المشكلات القومية والمدنية للفلسطينيين في الداخل إلى صدارة جدول الأعمال الإسرائيلي، سواء في قراءة الفلسطينيين أنفسهم، أو في قراءة المؤسسة الإسرائيلية السياسية والأمنية والأكاديمية.

 

غير أنّ هذه المبادرات تزامنت مع مستجدات أخرى لا تقل أهمية وخطورة، تعتبر بدورها خلفيات أساسية لاستمرار بقاء الفلسطينيين في إسرائيل في "عين العاصفة".

 

إن أبرز المستجدات، في الآونة الأخيرة، هي ما يلي:

- تصعيد حملة الملاحقة السياسية، بذرائع أمنية، ضد القيادات العربية غير التقليدية. وقد بلغت هذه الحملة ذروتها ضد رئيس حزب التجمع الوطني الديمقراطي، د. عزمي بشارة، الذي تحمله إسرائيل المسؤولية الكاملة عما يسمى بـ "ردكلة مواقف الفلسطينيين في الداخل"، والتي انتهت بنفيه من الوطن. كما أن هذه الحملة تطول رئيس الحركة الإسلامية- الجناح الشمالي، الشيخ رائد صلاح. وقد ارتبطت، ضمن أمور أخرى، بنتائج الحرب الإسرائيلية على لبنان في صيف 2006، وبانخراط الفلسطينيين في الداخل في المبادرات المتعلقة بتقرير مصيرهم ومستقبلهم. وتستهدف، في العمق، نزع الشرعية السياسية عن هذه القيادات.

- ازدياد الدعوات إلى الترانسفير، تحت غطاء مسميات سابقة لا تؤذي الأذن، من قبيل "تبادل الأراضي" أو "تبادل السكان"، وبذريعة تثبيت "الدولة اليهودية"، وتعزّز التوجهات العنصرية في صفوف المجتمع اليهودي.

- النشاطات التهويدية العلنية والمخفية داخل الخط الأخضر.

- استمرار سلسلة الإجراءات والممارسات الرسمية والقانونية الرامية إلى ترسيخ الطابع اليهودي لإسرائيل.

- توفير الغطاء القانونيّ للممارسات الهوجاء التي تتبعها الشرطة الإسرائيلية، والتي تعكس واقع تعاملها العام مع المواطنين العرب كافة باعتبارهم أعداء.

- استهداف السلطات المحلية العربية، في إطار الاستهداف الأعم والأشمل للقوى السياسية ولجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب.

- المباشرة في تطبيق مشروع "الخدمة المدنية"، الذي يستهدف احتواء الشبيبة العربية وتشويه هويتها الوطنية.

إن الذي يتعقب الاتجاه الذي تسير فيه العلاقات بين الدولة والمواطنين الفلسطينيين، في الآونة الأخيرة، لا بُدّ أن يصل إلى الاستنتاج أن هذه التطورات تجيّش في الوقت نفسه، وبشكل رئيس، تعزز النزعات العنصرية في داخل المجتمع اليهودي نفسه، سواء على المستوى العام أو على مستوى الأفراد. ولم يعد سرًا أن هذه النزعات تتغذّى على مواقف تنميطية، بقدر ما تتغذّى على سياسة عامة وعلى خطوات عملية تتخذها المؤسسة السياسية والأمنية والقانونية الإسرائيلية. وتساهم هذه النزعات في تعميق التقاطب، العميق أصلاً، بين المجتمعين العربي واليهودي.

وتشير معطيات متطابقة إلى ارتفاع في المواقف الإثنية المركزية وفي العنصرية، وإلى هبوط تدريجي خلال السنوات 2000- 2007 في تأييد الجمهور اليهودي لمنح المواطنين العرب مساواة سياسية، ولضم أو إشراك أحزاب عربية في الائتلاف الحكومي. وبحسب أحدث المعطيات فقد أيد 22% فقط من الجمهور اليهودي في سنة 2007 إعطاء مساواة سياسية للمواطنين العرب، وذلك مقابل 46% في سنة 2000. وهذه أدنى نسبة منذ بداية تسعينيات القرن الفائت.

ولا يمكن إدراك أبعاد هذه المعطيات من دون التعرّض إلى بضعة مؤشرات برزت في الأشهر المنقضية من سنة 2008 الحالية، وتشي بأن هذه النزعات العنصرية، الرسمية والشعبية، سائرة في خط متصاعد.

من هذه المؤشرات يمكن ذكر الاستطلاع، الذي أجرته قناة التلفزة في الكنيست الإسرائيلي (أذاعته في 31 آذار/ مارس 2008)، والذي أظهر أن 75% من اليهود الإسرائيليين يؤيدون ترحيل المواطنين العرب إلى الدولة الفلسطينية، في إطار اتفاق بين إسرائيل والفلسطينيين. وقد أجرى الاستطلاع "معهد بانيلز للأبحاث"، واستطلع آراء 668 شخصا يمثلون عينة من الجمهور اليهودي في إسرائيل، ولا تتعدى نسبة الخطأ فيه 3.7%.

 

وسأل معدو الاستطلاع المشتركين فيه فيما إذا كان ثمة مبرر للمطالبة بترحيل المواطنين العرب في إسرائيل إلى مناطق الدولة الفلسطينية، عندما تقوم في إطار اتفاق يؤدي إلى ذلك؟. وقد أجاب 25% منهم فقط بأنهم يرفضون هذه الفكرة على الإطلاق.

ومن بين الـ75%، الذين يؤيدون ترحيل العرب، اعتبر 28% أنه يتوجب ترحيل كل العرب في إسرائيل، فيما قال 19% إنهم يؤيدون ترحيل العرب الذين يقطنون في منطقة المثلث، وقال 28% إنه يجب تنفيذ الترحيل على أساس مدى الولاء أو عدم الولاء لإسرائيل.

واعتبر 50% من المستطلعين أن المواطنين العرب يتماثلون قبل كل شيء مع القومية الفلسطينية، وبعد ذلك يعرفون أنفسهم على أنهم "إسرائيليون". فيما قال 40% إن مواطني إسرائيل العرب يتماثلون مع القومية الفلسطينية فقط، وقال واحد بالمئة من المستطلعين إنهم يعتقدون أن العرب مواطني إسرائيل يتماثلون مع "الوطنية الإسرائيلية" فقط.

وقال معظم اليهود إن حق المواطنين العرب في البقاء في بيوتهم لا يُعدّ أمرا مفروغا منه، وعلى الرغم من ذلك اعتبرت نسبة 52% أن السلطات الإسرائيلية لا تميز ضد العرب، فيما قال 43% إن السلطات تميز ضد العرب.

وردًا على احتجاج بعض النواب العرب من جرّاء قيام قناة التلفزة في الكنيست بالمبادرة إلى استطلاع كهذا ومطالبة الجمهور في إسرائيل بالتعبير عن رأيه بشأن ترحيل العرب عن وطنهم، قال المدير العام للقناة إن "الموضوع مطروح على الأجندة العامة السياسية"! [وفعلا تطرح أحزاب في اليمين المتطرف الإسرائيلي، مثل "إسرائيل بيتنا" و"الاتحاد الوطني- المفدال"، إضافة إلى حركات يمينية غير برلمانية، موضوع ترحيل العرب من البلاد ضمن برامجها السياسية التي تخوض الانتخابات العامة على أساسها].

 

كما أنه ليس بغير دلالة، في حالة طرح السؤال بشأن أثر هذه النزعات العنصرية على الأجيال اليهودية القادمة، أنه في استطلاع آخر، أجراه د. أودي ليفل، بمناسبة انعقاد يوم دراسي خاص في الكنيست حول "حقوق الأكثرية اليهودية في النقب والجليل"، قال نحو ثلث المشتركين اليهود إنه "حتى يحين يوم الاستقلال الثمانون لإسرائيل فسوف يقام جدار أمني فاصل بين البلدات اليهودية وغير اليهودية في النقب، على غرار الجدار الفاصل في الضفة الغربية". وقد تبيّن أن معظم القائلين بهذا السيناريو هم من الشباب في سنّ 18  - 34 عامًا.

 

إذا كانت هذه المواقف لدى المجتمع اليهودي تشفّ، في أحد جوانبها، عن "الخوف الدائم" من المواطنين العرب، والذي لا يحتاج المراقب إلى عناء كبير كي يلاحظ أنه يتفاقم من عام إلى آخر، ويجري توارثه جيلاً إثر جيل، فإن هذا الخوف، مهما تكن أسبابه ودوافعه، يبقى التربة الخصبة لتواطؤ هذا المجتمع مع أي مخططات قد يجري تنفيذها ضد الفلسطينيين في الداخل، الآن وفي المستقبل. وأصلاً فإن معظم اليهود الإسرائيليين لا يعتبرون أن دولتهم تميّز ضد مواطنيها العرب في مجال الحقوق المدنية، بحسب ما أشير أعلاه، فما بالك عندما تصل المعركة إلى الصراع على جوهر هوية إسرائيل، التي تزداد غلواءً وتمسكًا بطابعها اليهودي المحض يومًا بعد يوم؟.