أول مرة أدخل لفلسطين

 
(مقال بلا تأشيرة)


أمين أبو راشد

هولندا 05-11-2008


بلا تأشيرة .. بلا موافقة .. رغم الاحتلال
وصلنا أخيراً إلى أرض الوطن


لسنوات عدة وأنا أحلم باليوم الذي أعود إلى أرض الوطن مضت أربعون سنة وأنا أحاول بشتى الطرق أن أجد مدخلاً إلى فلسطين، ولكن دائما كان أمامي كثير من العقبات، سواء من قبل الاحتلال الاسرائيلي الذي يمنع أي ناشط فلسطيني من دخول الوطن، ولم يشفع لي حملي للجنسية الأوروبية من الدخول للوطن، ومن خلال الخارجية الهولندية حاولت أن أؤمن لي سفراً إلى فلسطين بأمان، ومن دون مشاكل وعقبات، ولكن لا وعود ولا تحمل للمسؤولية، هذا من جهة، أما من جهة أخرى، أصدقائي وأحبابي الذين كانوا دائماً ينصحونني بعدم المجازفة والمخاطرة.
وكنت دائماً أقول خير خير إن شاء الله سيأتي الفرج.



معبر رفح ينهار
والمحاولة الأولى

مع اشتداد الحصار على قطاع غزة استطاع الفلسطينيون أن يكسروا المعبر ويتدفق مئات الالاف إلى مصر، وكانت الفرصة سانحة، ولكن للأسف كنت يومها في المشفى على فراش المرض، أعاني من أزمة صحية حادة، أقعدتني بدون حراك لمدة عشرين يوماً، وعندما هاتفني أحد الاصدقاء - وكان يعتزم الذهاب إلى غزة- وطلب مني أن أرافقه، وعندها بدأ ألمي يزيد، أنا هنا على الفراش، والفرصة سانحة، وبدأت أفكر: هل ممكن أن أتغلب على المرض وأسافر؟ ولكن ياللمرارة ضاعت الفرصة، وما أظنها ستأتي مرة أخرى.



الحملة الأوروبية
وجهود حثيثة لكسر الجصار

أسست مع أخوة أحبة لي حملة أوروبية لفك الحصار عن غزة، ونظمنا على مدار السنة العديد من الأنشطة الهادفة لكسر الحصار من مظاهرات ومسيرات واعتصامات في أغلب العواصم الأوروبية، ولزيارات عديدة للبرلمان الأوروبي لكي نوصل صوت غزة للعالم.

وكان التواصل مع غزة يوماً بيوم وساعة بساعة، وأصبح الحصار وأحداثه ومعاناته تعيش معي ومع أهل بيتي ومن حولي، وكأن قلبي أصبح معلقاً بغزة وأهلها الصامدين المرابطين، وأصبح همي الرئيسي كيف نساهم في تخفيف المعاناة ونكسر الحصار.




سفينة كسر الحصار الأولى
المحاولة الثانية

بدأت أراقب عن كثب أخبار السفينة وسجلت اسمي في قائمة المسافرين إلى غزة ووضعت على لائحة الانتظار وأنا أتحين الفرصة أن أجد لي مكان على ظهر السفينة ولكن للأسف لم يسمح لي بالسفر لعدم وجود مكان شاغر، وها قد ضاعت الفرصة الثانية، وأنا أقول خير خير، إن شاء الله.




سفينة كسر الحصار الثانية
محاولة مؤجلة



وعدت من السيدة جريتا برلين أن أكون من المشاركين في الرحلة القادمة، وأن أنتظر أن يصلني منها إيميل، وبدأت أرقب الإيميلات يومياً، وأدخل إلى صفحة الحملة، وأخيراً جاء الإعلان عن الرحلة الثانية يوم 25 -09، طرت من الفرح وسجلت نفسي مع الرحلة، وكأني بدأت أقترب من تحقيق الحلم.

وفعلاً أصبحت شراكة حقيقة بيننا الحملة الأوروبية لرفع الحصار، وبين حملة غزة حرة، ورتبنا مجموعة من الأطباء الفلسطينين ليرافقونا بالرحلة، بالإضافة إلى شراء كميات من الأدوية، لأجل إدخالها إلى قطاع غزة المحاصر، إذن هي ليست زيارة تضامنية وحسب، إنما مساهمة في تقديم الدعم والمساندة.

على أول طائرة حجزت إلى قبرص بعد الإعلان عن رحلة الأمل وكان يومها شهر رمضان في أسبوعه الأخير لا يهم ففي رمضان كانت الحروب والغزوات والانتصارات لم يمنعني هذا من مواصلة المسيرة، ها أنا أصبحت قريبا جداً من تحقيق الهدف، وعند وصولي إلى لارنكا؛ التقيت بفريق المتضامنيين الغربيين من أوروبا وأمريكا وكندا، ولمست لديهم إصراراً كبيراً على المساهمة في كسر الحصار، وهم لم يكونوا حديثي عهد بالتضامن مع شعب فلسطين فمنهم من أصيب في الانتفاضة الثانية وأثناء التوغلات ومنهم من اعتقل ومنع من الوصول ثانية إلى فلسطين لعشر سنوات، ولأن لديهم عزيمة وإرادة أرادوا أن يركبوا البحر مجازفين؛ ليقفوا مع فلسطينيي غزة.

ياللعجب من هذه القضية المباركة! كيف جمعت المتضامنيين من مختلف الجنسيات والأديان والاتجاهات!! شعرت بالحسرة أين إخواننا العرب والمسلمون! أين جيران قطاع غزة! أين من يحاصر غزة عربياً من البر ويمنع الرئة الوحيدة أن تتنفس بحرية؟!.

بدأت الاجتماعات واللقاءات التحضيرية للرحلة والدورات التدريبية، والأخبار تعلن عن موعد الإبحار إلى غزة، وأصبح هناك عراقيل ومن المحتمل التأجيل بسبب ضغوط إسرائيلية على الشركات المؤجرة للسفن، حاولنا بعدة طرق عقد اتفاقيات جديدة مع سفن، سواء في اليونان أوقبرص، ولكن للاسف لم نفلح وكان التأجيل والقرار بعودتنا إلى بلداننا، وننتظر الموعد الجديد للرحلة، شعرت بالأسى والمرارة وكأن الأمل بدأ بتلاشى، تعاهدنا جميعاً على العودة ثانية والمحاولة ثانية، وأخبرنا المنظمين بأننا جاهزون للحضور حين الإعلان خلال ساعات قليلة.
غادرت لارنكا عائداً إلى هولندا وكأني أسير في الاتجاه المعاكس، أبتعد عن فلسطين وأبتعد عن غزة، عذراً يا فلسطين كنت أتمنى أن يكون الإبحار باتجاهك.

وأخيراً
كتب لي شرف كسر الحصار


أتابع باستمرار البريد الالكتروني أتواصل مع فريق الحملة مع مجموعة المتضامنيين وأخيراً وصل الخبر أن يوم الثلاثاء 28 أكتوبر موعد انطلاق سفينة الأمل إلى قطاع غزة وبلا تردد اشتريت تذكرة، وإلى المطار مباشرة، ثم لارنكا، ثم مكان الإقامة، وكان البعض قد وصل، والبعض الآخر في طريقه لقبرص، ما أسرع الاستجابة والتلبية، الكل مسرور ومبتهل، وها هو الحلم بدأ يتحقق، أيام قليلة تفصلنا عن أهلنا عن أحبتنا في غزة.

اجتماعات ولقاءات لتدارس الاحتمالات المحتملة والمتوقع حدوثها أثناء الرحلة، في حال منع الاحتلال سير السفينة في عرض البحر، كم سنعتصم؟ وإذا أرجعنا من أين نتزود بالوقود؟ وإذا أصيب أحدنا بنيران الاحتلال كيف سنتصرف؟ احتمالات وتساؤلات وخطط بديلة وكأن الأمر لا يعنيني، المهم عندي متى نبحر؟ كنت فقط أفكر بوقت الانطلاق، ولا يوجد لدي أي هم ماذا سيقع في الطريق؟ كنت مطمئناً ومرتاحاً راحة نفسية للرحلة، ومسلماً أمري لله تعالى، فهو نعم المولى ونعم النصير.

زوجتي كانت مرتاحة ومطمئنة جداً للرحلة، وكذلك أبنائي يهاتفونني يومياً، وعندهم يقين بـأني سأصل أخيراً إلى الوطن، فهم الذين عاشوا مع الذاكرة الفلسطينية من خلال كلام الأجداد وحلم العودة إلى فلسطين، وانشدوا لهذا الحلم ورضعوا حب فلسطين، وأنه لايوجد بلد في العالم ممكن أن يكون بديلاً عن وطننا الحبيب فلسطين.

عرضت قناة الجزيرة تقريراً عن الاستعدادات للرحلة قبل يوم من الإبحار، وبدأت تأتيني الاتصالات من كل الدول، دعم وتأييد لهذه الخطوة، ودعاء للوصول بالسلامة، وهذا مما زادني إيمانا بأنني في الاتجاه الصحيح، على الرغم من ذلك تلقيت بعض الاتصالات من أخوة أحبهم وأكن لهم كل تقدير واحترام؛ ينصحونني بعدم السفر حفاظاً على سلامتي الصحية والأمنية، وممكن أن توقف وتعتقل، وأنت لست أوروبي حقيقي و و و .. .

ولكن فات الآوان فأنا ماض إلى طريقي، لن أنظر للخلف، أنا اقترب من حلم رؤية فلسطين لأول مرة في حياتي، صليت صلاة استخارة، بدأت أرتاح أكثر، أنا في سعادة عارمة، ساعات وتبحر السفينة، وفعلاً انطلقت السفينة في الساعة الخامسة من مساء يوم الثلاثاء 28 أكتوبر وقلبي يكاد أن يطير من الفرح.




للمقال تكملة إن شاء الله..