هل كان نجاح أوباما مفاجأة؟

عبد النبي حجازي

       كلمة (براك) باللسان الخليجي الدارج هي صيغة مبالغة لكلمة (بركة) أي كثير البركة وهي في اللغة الفصيحة (بركات) وقد تحولت إلى (باراك) في اللغة السواحلية التي هي مزيج من لغات (البانتو) الأفريقية واللغة العربية التي انتشرت في دول أفريقيا الشرقية الساحلية مثل كينيا وتنزانيا والملاوي مع انتشار الإسلام فيها عن طريق التجار والدعاة وتوطدتْ علاقاتها مع دول  الخليج العربي عن طريق النقل البحري ، أما كلمة (أوباما) فتعني بالسواحلية (أبوعمامة) وهو لقب الأب حسين من قبيلة (لو) الكينية وكان يعمل في مطلع حياته برعي الماعز ويتابع دراسته ، وبعد تخرجه في الجامعة حصل على منحة دراسية في أمريكا فغادر كينيا وانتسب إلى جامعة هاواي وفيها التقى بزميلته البيضاء (آنا دانهام) فتزوجا وأنجبا طفلاً عام 1961سماه حسين (باراك) وانفصل الزوجان وعاد حسين إلى كينيا ليعمل مستشاراً اقتصادياً لدى الحكومة ، أما (آنا) فقد تزوجت طالباً أندونيسيا (مسلماً) وذهبت معه إلى بلده ومعها ابنها باراك ابن العامين فنشأ في جاكرتا ودخل مدرسة إسلامية ثم عاد إلى أمريكا بعد أن بلغ العاشرة وعاش مع جده لأمه ستانلي دانهام وجدته مادلين دانهام التي عمدته في كنيسة المسيح المتحدة وأشرفتْ على تربيته وتعليمه حتى نال بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كولومبيا عام 1983 ثم دكتوراه في القانون من جامعة هارفارد الشهيرة عام 1991, ويخيَّل إلي لو قدِّر له أن يعود إلى كينيا بلد أجداده كما فعل أبوه فهل كان يزيد على أن يعمل مستشاراً لدى الحكومة الكينية ، وفي أحسن الحالات أن يصيح وزيراً ؟ يبلغ عدد سكان كينيا حوالي (31) مليون نسمة ، وهي مبتلاة بالجفاف وشحّ المياه وسوء التغذية ، وانتشار العنف بين القبائل وتشريد الأطفال . لكنه لم يغادر أمريكا ولعله لم يفكر بالمغادرة وبدأ حياته العملية أستاذاً لمادة القانون الدستوري في جامعة شيكاغو ، وامتاز بالحيوية والطموح وبلاغة اللسان. ومنذ العام 2000 بدأ نشاطه السياسي بالحزب الديموقراطي في ولاية إيلنوى حتى وصل إلى مجلس الشيوخ في الكونغرس

ويخيّل إليّ لو أنه عربي لكان أبوحسين بركات بن حسين أبوعمامة يعمل بوظيفة إدارية

يحقق منها كسباً (إضافياً) أو يعمل في التعليم ويبيع ربطات عنق بعد الدوام أو يعتاش من الدروس الخصوصية.

       للوهلة الأولى يخطر لي أن أهنئ الشعب الأمريكي لتحليه بالديموقراطية الحقة بعد أن  انتخب باراك أوباما الأسود البشرة رئيساً للولايات المتحدة أقوى دولة في العالم وبعد أن أعلن بصراحة وصدق في خطبه ومقابلاته الصحفية خلال (المنازلة) مع جون مكين مرشح الحزب الجمهوري عن جذوره العرقية والإسلامية ووضعه العائلي المشتَّت وانتمائه إلى أسرة مشتتة تتضمن عدداً من الأخوة والأخوات غير الأشقاء الذين ينتمون إلى أمريكا وأندونيسيا وكينيا . ولعل هذا الصدق هو الذي جعله يفوز بالرئاسة بفارق في الأصوات كبير ولافت

ولكننا عندما ننظر إلى الجانب المقابل ونرى دبليوبوش الذي تقول عنه أمه بربارة بوش "أغبى أولادي" ويعلن المخرج السينمائي مايكل مور أنه نجح بانتخابات مزورة وبنى مجده على الكذب واستغلال أحداث الحادي عشر من أيلول (سبتمر) عام 2000, والذي أساء لسمعة أمريكا ـ وحوله المحافظون الجدد ـ بالغزو والتدمير على مدى ثماني سنوات فأوقع بلده بقراراته الحمقاء ـ زاعماً محاربة الإرهاب ـ بالأزمات الاقتصادية الخطيرة التي  طالت دول العالم , لكن الناخب الأمريكي ينطلق من حرصه على ازدهار بلده الاقتصادي  وما يحقق له هذا الازدهار من عيش مرفّه ومكاسب شخصية فعولوا على أوباما الذي وضع برنامجاً واضحاً للانتفاض على هذه الكوارث , أي أن نجاح أوباما الساحق لم يكن مفاجئاً

       خلق الله للجمل خفاً ممسوحاً في أماكن الحافر من الخيل يمكِّنه من السير في البوادي والصحارى الجافة أما إذا دخل أرضاً طينية موحلة انزلقت خفافه الأربعة وطاح على الأرض فيرفع الجمّال يديه إلى الله مستجيراً أن ينقذه . ونحن ماتزال أراضينا طينية موحلة وماتزال جمالنا تنزلق ..

وما أغرب حمقنا نحن العرب حين نفاضل بين المرشحين للرئاسة في أمريكا على وهم أن تنال مصالحنا العربية في العراق وفلسطين شيئاً من اهتمامه مثلما سبق أن تحمّسنا لدبليوبوش ضد ألغور  وكأن (دبليوبوش) سيغدق علينا الخيرات كما أغدق (الديموقراطية) على العراق ، وترامى على مصالح إسرائيل وكأنه واحد منها .. فثبت أنه من أسوأ من تبوّأ منصب الرئاسة في أمريكا ، أقول أسوأ وليس (الأسوأ) لأنهم جميعاً لعنات تنصبّ علينا من جانبين: الأول أننا نضلِّل أنفسنا في فهم طبيعة علاقة الغرب بإسرائيل ورغم أنهم يحتقرون اليهود ورغم أن إسرائيل تكلفهم (مليارات) الدولارات للحفاظ على كيانها لكنهم هم الذين أقاموها لحراسة مصالحهم ولتمزيق العرب كي تسهّل عليهم اقتناص مواردهم , ولجعلهم بين متهافت عليها وباحث عن الفرصة لتحقيق الصلح معها , وبين راغب صامت (كالمشتهي المستحي) أما من يعاندها فهو مصنّف في دعم الإرهاب .

       لقد أصبحنا مثل الطلاسم انكفأنا عن مواجهة أنفسنا وضللنا عن فهمها فيما لم يعصَ فهمُنا على الآخرين الذين ركبوا ظهورنا فاستسلمنا متواكلين متخاذلين تقزمنا الصراعات القبلية والخلافات الطائفية والمذهبية المفتعلة ، وسقطنا في نظر أنفسنا وأخذنا نطأطئ بهاماتنا زاحفين إلى أعتاب القوى الكبرى نستتر كالمبتلين بالمعاصي , وبتنا ننتظر خلاصنا من المجهول كالفقير يبحث في مزبلة التاريخ عن (اللقى) .

       هللنا لأوباما ببعض تصريحاته عن إجراء حوار مع رؤساء سورية وإيران وكوريا الشمالية وفنزويلا قبل أن يوضع شيء منها على النار ، وكأننا تناسينا أنه رئيس أمريكي عيناه وأذناه وتفكيره وتصريحاته ومقابلاته الصحفية التي لاتخلو من الوعود بدعم إسرائيل كلها أمريكية ، ولعله سيكون الأكثر اندفاعاً من أسلافه كي يوازن بين (زنوجته) وولائه لموقع الرئاسة .  

anhijazi@gmail.com

       09-11-2008