إلقِ كلمتك.. ولا تصافح

عبد الباري عطوان

08/11/2008



لم يجانب السيد عبد العزيز خوجة سفير المملكة العربية السعودية في لبنان الصواب عندما قال في بيان رسمي ان المملكة العربية السعودية لم توجه الدعوة للرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس، للمشاركة في مؤتمر حوار الأديان الذي ترعاه بمشاركة الامم المتحدة، ويبدأ اعماله في نيويورك يوم الثلاثاء المقبل، ولكن ما يعلمه سعادة السفير جيدا ان بلاده هي التي اطلقت هذه الفكرة وعقدت مؤتمرات لها في الرياض ومدريد، وهي التي أوعزت للأمم المتحدة للمشاركة في تبني الحلقة الثالثة منها في نيويورك، وهي التي وجهت الدعوات الى زعماء العالم للمشاركة بمن فيهم الرئيس الامريكي جورج دبليو بوش الذي رحب بها متحمسا.


من الطبيعي ان يتلقف بيريس هذه الدعوة بتلهف، وان يصطحب معه السيدة تسيبي ليفني رئيسة الوزراء المقبلة، خاصة بعد ان عرف انه سيكون في الندوة الافتتاحية نفسها وجنبا الى جنب مع العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، وسيلقي كلمته بعده مباشرة، مع وجود فرصة كبيرة للمصافحة امام عدسات التلفزة العالمية.


حوار الأديان في فكرته الاساسية كان حوارا بين رجال الدين من مختلف الديانات السماوية وغير السماوية، وجاء استكمالا لحوار بين المذاهب الاسلامية، انطلق ايضا من الرياض وبمبادرة من العاهل السعودي نفسه، ولكن طالما ان الهدف هو التقريب بين الأديان، واقامة جسور التفاهم بين قياداتها الروحية، وازالة كل سوء فهم ممكن، فلماذا اقحام السياسيين وقادة الدول؟ فبيريس على حد علمنا ليس كبير الحاخامات في الديانة اليهودية، والسيدة ليفني ليست رئيسة قسم الديانات في الجامعة العبرية، كما ان جورج بوش ليس بابا روما.


من الواضح ان هناك أجندات اخرى يحاول البعض اخفاءها، ابرزها توفير الغطاء الديني للقاء اسرائيلي ـ سعودي مباشر، يدشن بداية حوار وتعاون يكون عنوان المرحلة المقبلة في المنطقة العربية بأسرها.


لا توجد مشكلة دينية بين الاسلام واليهودية، او بين الاسلام والمسيحية، فالاسلام واتباعه لا يحتلون أراضي مسيحية، ولا يغتصبون معابد يهودية، وانما هناك انظمة علمانية سياسية محسوبة على الديانتين، اليهودية والمسيحية، تحتل اراضي عربية في فلسطين والعراق، وتشن حروبا على المسلمين في افغانستان وغيرها.


'''


هناك مدرسة سعودية تضغط باتجاه التطبيع مع اسرائيل، واقامة علاقات سياسية تحالفية معها، لمواجهة المد الايراني، وتلتقي مع الاسرائيليين على ارضية الخوف من ايران ونفوذها المتصاعد في المنطقة، وقرب امتلاكها اسلحة نووية، وفقهاء هذه المدرسة يعتقدون بضرورة تكوين 'تحالف من الخائفين' هؤلاء يتصدى لهذا النفوذ، ويمنع ايران من امتلاك اسلحة نووية. ويبدو ان هؤلاء نجحوا في التأثير على القرار الرسمي السعودي في اعلى مستوياته، من حيث تسريع خطوات التقارب مع اسرائيل، واستخدام حوار الأديان كمظلة في هذا الصدد.


الخطوة الاولى في التوجه السعودي الاستراتيجي الجديد بدأت باطلاق مبادرة السلام السعودية التي ولدت على ايدي القابلة الامريكي اليهودي توماس فريدمان، وهي المبادرة التي عرضت التطبيع الكامل مقابل الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الاراضي المحتلة، دون التطرق لحق العودة الذي هو لب الصراع العربي ـ الاسرائيلي. ثم جاءت الخطوة الثانية من خلال ترتيب حوارات بين حاخامات يهود، وآخرين من المملكة العربية السعودية، ثم لقاءات بين هؤلاء وسياسيين وامراء سعوديين كبار، لنفاجأ قبل اسابيع بأول لقاء علني بين الامير تركي الفيصل رئيس الاستخبارات السعودي، وسفير بلاده في لندن وواشنطن سابقا، والجنرال الاسرائيلي المتقاعد داني روتشيلد، منسق الاستيطان في الضفة الغربية المحتلة، والذريعة تحريك مبادرة السلام العربية.


التبرير الرسمي افاد بأن الامير تركي الفيصل كان يمثل نفسه في هذا اللقاء، وليس الحكومة السعودية، ولكن القاصي والداني يعلم جيدا ان الامير تركي هو من ابرز اعضاء دائرة صنع القرار في المملكة العربية السعودية، ويرافق العاهل السعودي في الكثير من الجولات الخارجية، وشارك في معظم لقاءاته مع المسؤولين العالميين، مثل الرئيس جورج بوش وغوردون براون اثناء زيارتيهما الاخيرتين الى الرياض.


'''


لا نعرف ما يدور في ذهن العاهل السعودي ومخططه للقاء نيويورك، مثلما نجهل ما يهمس في اذنه فقهاء المدرسة التطبيعية الجديدة من نصائح وتوجيهات، ولكننا نعرف، ومن خلال ما جرى تسريبه الى الصحف العبرية، ان بيريس الثعلب المخضرم يتحرق شوقا الى هذه المناسبة لمصافحة نظيره السعودي، وقد مهّد لهذه المصافحة بغزل غير مسبوق بالمبادرة السعودية للسلام، والرغبة الاسرائيلية بالتوصل الى سلام شامل مع العرب، جميع العرب، من خلال مفاوضات جماعية، بعد ان تأكد فشل المفاوضات الثنائية او الفردية.


بيريس يريد المبادرة السعودية في صيغتها الأصلية، وقبل ان تتحول الى مبادرة عربية بعد اعتمادها من قمة بيروت في آذار (مارس) عام 2002، لانها لا تتضمن اي اشارة الى حق العودة للاجئين الفلسطينيين، لان نقطة الاجماع الوحيدة بين السياسيين الاسرائيليين من مختلف الاتجاهات هي عدم القبول بهذا الحق بأي شكل من الاشكال ومهما كانت الضغوط.


اننا لا نستطيع منع بيريس او وصيفته ليفني من المشاركة في مؤتمر الحوار في نيويورك، فمن نحن، وما هي قوتنا حتى نفعل ذلك؟ ولكننا نملك ان نناشد العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز بأن لا يقع في مصيدة فقهاء مدرسة التطبيع في بلاده، وان لا يصافح بيريس او اي مسؤول اسرائيلي آخر، لان هؤلاء ملوك المراوغة والابتزاز، تعودوا ان يأخذوا من العرب تنازلات مجانية دون ان يقدموا غير الاستيطان والمجازر والحصارات في المقابل.


وقد يجادل البعض بأن الآخرين طبّعوا وصافحوا، ومن بينهم اصحاب القضية، وزعماء دول كبرى مثل مصر، نقول ان هذا صحيح، ولكن العاهل السعودي هو 'خادم الحرمين الشريفين'، وليس اي زعيم عربي او مسلم آخر، ولبلاده مكانة خاصة في العالمين العربي والاسلامي.


'''


ايران تكتسب شعبية واسعة في العالم الاسلامي لانها تطرح خطابا يتصدى لاسرائيل، ويجرّم عدوانها، ويؤكد على حتمية تحرير المقدسات، وابرز حلفائها في لبنان خاضوا حربا مشرّفة ضد اسرائيل، واوقعوا بها هزيمة مدوّية، فإذا كانت السعودية على وجه الخصوص، مثلها مثل العرب الآخرين، تريد التصدي للنفوذ الايراني، فعليها ان تتبنى الخطاب العربي الاسلامي في ضرورة استعادة الحقوق المغتصبة وتحرير المقدسات، وهو الخطاب الذي خطفته ايران، لا ان تفعل عكسه.


نتمنى على العاهل السعودي ان يتحلى بالصبر، وكتم الغيظ، فالعالم يتغير، وامريكا نفسها تتغير، واسرائيل اصبحت عبئا ثقيلا على حلفائها، والعرب والمسلمون هم الذين هزموا المشاريع الامريكية الاحتلالية في العراق وافغانستان، وهم الذين، بما يملكون من اموال، يستطيعون المساهمة بدور كبير في انقاذ العالم من ازماته الاقتصادية الطاحنة، ومآزق امريكا في العراق وافغانستان التي تريد الادارة الجديدة الهروب منها. مرة اخرى نقول لا نستطيع منع المصافحة، ولكننا نملك الحق في النصح، باعتبارنا مواطنين عربا نعاني وسنعاني من المراوغات والحروب والاحتلالات الاسرائيلية، ونقول للعاهل السعودي القِ كلمتك وامشِ، ولا تصافح احدا، والله المستعان.