'حليب المارينز' لعواد علي وروايات ما بعد احتلال العراق

عبد الرحمن مجيد الربيعي

12/11/2008

عرفنا الباحث والناقد العراقي عواد علي معنياً بالمسرح، مختصاً به، وله تأليف وكتابات عديدة منشورة في هذا المجال.

وعندما غادر عواد علي العراق في سنوات الحصار أقام في عمان قبل أن يحصل على اللجوء في كندا، ولكن بقاءه هناك لم يدم الا سنوات قليلة عاد بعدها الى الأردن ليكون قريباً من وطنه المحتل وينصت الى وجيب قلبه.

لكن المفاجأة ان عواد علي عاد من كندا وهو يحمل معه مخطوطة رواية ذات عنوان مثير هو 'حليب المارينز' وينبثق من العنوان سؤال لمن لم يقرأ الرواية: هل لقطاع الطرق ومدمري الأوطان والعائثين بأمنها (حليب) وكيف؟ ولكن من يقرأ الرواية سيجد ان العنوان تأتى من خطأ في الترجمة بين متحاورين حول عنوان ديوان للسيدة عشتار قرينة سامر الذي يكتب هو الآخر نصاً روائياً ويواصل جمع الوثائق له. لكن زوجته عشتار كانت تحول ما يجري الى قصائد كان خطأ الترجمة وراء جعل عنوانها 'حليب المارينز' حتى لو كان حليب هؤلاء قنابل عنقودية، ويورانيوم وكل ما يدمر الأرض ويمحق حياة البشر.

لقد فاجأتني رواية عواد علي هذه لانها اضافة الى رصدها الدقيق والرصين لكل ما جرى قبل الاحتلال وبعده فانها تقول بأن العراق يعيش في ضمائر أهله وان عذاب المغتربين والمنفيين قد يكون قاسيا الى حدّ لا يصدق.
كما انها تقول بأن العراقيين يتآخون في المحنة من اي طائفة او اي دين او اي عرق كانوا. وقد اختار الروائي شخصيات روايته من عراقيين متواجدين في كندا. فسامر وزوجته (عربيان) ودلشاد (كردي) وبشار (تركماني) وروزا (يهودية من اصل عراقي) والداها اللذان هجرا قسرا الى اسرائيل لم يستطيعا الاقامة فيها لذا غادراها باتجاه كندا واورثا ابنتهما حب العراق وجميل الذكريات. كما ترك الأب لها بعض مذكراته عن حياته في بغداد لذا قدمتها لسامر حتى يضمها لروايته، اضافة الى سرجون (الاشوري) وهناك آنيا (وهي كندية يهودية).

 



وكان دلشاد الكردي متزوجاً من رشيدة الامازيغية المغربية التي تعرف عليها واقترن بها عندما كان يعمل في التدريس بمدينة خنيفرة.

ولعل انحدار الروائي عواد علي من مدينة كركوك التي تمثل الفسيفساء العراقية بأبهى صورها جعله يقدم لنا صورة لذلك التآخي الراسخ الذي حاول لصوص الاحتلال خلخلته وتحويله الى احتراب. فسامر (العربي) ودلشاد (الكردي) وبشار (التركماني) ينحدرون كلهم من هذه المدينة. وعندما التقوا في كندا بدا التقاؤهم وكأنه استمرار لحياتهم هناك اذ انهم غير معنيين بما يجري لكنهم حريصون كل الحرص على ان يخرج وطنهم من المحنة بكل وحدته وترابط أهله.

اما سامر فقد وجد نفسه في معسكر (رفحاء) للاجئين العراقيين الذي أقيم في الاراضي السعودية بعد انسحاب الجيش العراقي من الكويت والأحداث التي صاحبته وترتبت عليها أحداث مرعبة اختلط فيها المذنب بالبريء وسقط ألوف الضحايا.

وقد كان وجود سامر في الناصرية صدفة اذ ذهب اليها ليعزي صديقا قريبا له عندما اندلعت النيران فوجد نفسه هاربا مع الهاربين.

ومن معسكر 'رفحاء' الى الاردن وبعدها الى كندا. هذا مسار رحلته.

كان ابطال هذه الرواية يعيشون حياتهم الجديدة، ولكنهم لم يستطيعوا ان يبتعدوا عن تفاصيل ما يجري في وطنهم. كانوا وكأنهم ما زلوا فيه، يتابعون الأخبار، يرصدون ما يجري ويحترقون من مسافتهم البعيدة، عشتار منشغلة بديوانها الذي تجمعه قصيدة بعد اخرى. وسامر بآلام كليتيه وبحثه عن عجوز هندية تعالج الامراض بالأعشاب. وقد توجه رفقة 'انيا' بالطائرة الى القرية التي تقيم فيها ثم عرفا انها غيرت مكانها، وذهبا الى مكانها الجديد ليكتشفا انها ماتت منذ شهر.

كانت 'انيا' عشيقة لشاب اسمه شاهين ولكنها قطعت علاقتها به. ولكنه ظل يلاحقها اينما ذهبت. وعندما عجز عن ذلك قتلها.

وكانت 'انيا' قد سلمت رسالة اخيها لسامر. ذلك الأخ الذي تطوع مع مجموعات من الشباب الامريكي والأوروبي ليشكلوا دروعاً بشرية عندما يبدأ القصف الامريكي للعراق فقتل هناك.

لكن سامرا لم يسلم من الذي يجري في وطنه حتى وهو في كندا وذلك باختطاف شقيقه الأصغر ساهر من قبل عصابات الخطف التي بدأت تظهر في العراق المحتل وطالبوه بفدية قدرها خمسون الف دولار.

وقد تنادى أصحابه لجمع المبلغ عندما عرفوا بالأمر وقد تبرعت روزا بنصفه. وحمل سامر المبلغ وتوجه الى العراق.

وهناك اكتشف ان من يتزعم العصابة كان على خلاف معه لذا قرر الانتقام منه بخطف اخيه الذي غادر منزله في كركوك في ساعة متأخرة ليبحث عن دواء للسكر لأمه المريضة بهذا الداء.

ثم تنتهي حياة سامر بأن يقتل في كركوك. وفي الرواية تفاصيل كثيرة تثري احداثها.

وقد لجأ الكاتب الى توزيع الرواية الى فصول يروى كل فصل منها على لسان احد الشخصيات. وهي تقنية روائية معروفة بدأها لورنس داريل في 'الرباعية الاسكندرانية' ومن العرب وظفها فتحي غانم في 'المرايا' ولكن باضافات وهو ما حاوله عواد علي ايضا، رغم انه جعل سامراً وزوجته عشتار يستأثران بهذا التوزيع.

نلاحظ ان عواد علي وهو الباحث المسرحي المسكون بالتاريخ العراقي والميثولوجيا في وادي الرافدين. كان يذكرنا بهذا على امتداد روايته. حتى بدت العشبة التي يبحث عنها لعلاج مرض كليتيه وكأنها عشبة الخلود التي بحث عنها جلجامش في الاسطورة العظيمة ولكنه لم يعثر عليها.

هي رواية شهادة عن عراق مقتول. وليس أمام الشرفاء من أبنائه الا التنديد بهذا القتل. هكذا صور لنا مقتل سامر في عراق ما بعد الاحتلال. وليس ما قبله. وبهذه الرواية كسبنا روائيا جديدا شكلت روايته نموذجاً لما يجب ان تكون عليه الرواية اليوم خاصة العراقية منها.

صدرت الرواية عن دار فضاءات (عمان) 2008.

روائي عراقي مقيم في تونس