فقرة ثانية من كتاب الحياة بساقٍ واحدة لنضال حمد

أنا ومجموعة من الجرحى في المستشفى بايطاليا 1983

بعد الحصار مرحلة ايطاليا والعلاج والعودة إلى الجحيم نهاية 1983

 كانت ايطاليا أول دولة أوروبية تطأها قدماي ... نعم ايطاليا الجميلة حيث لغة العصافير كما اتفقنا على تسميتها أنا ورفاقي الجرحى  الذين قادتنا الحرب والأقدار لنكون أول دفعة تغادر بعد حصار بيروت ومن ثم احتلالها عقب انسحاب القوات الفلسطينية منها ، ومن ثم مصرع بشير الجميل  بعملية اغتيال منظمة لازال بعض الغبار عالقا عليها حتى يومنا هذا. سافرنا إلى ايطاليا بالطائرة في بداية شهر آذار مارس 1983 من مطار بيروت الدولي ،وصلنا إلى مطار مدينة بولونيا وسط ايطاليا بعد عدة ساعات قليلة من السفر، كنت خلالها ممددا على مقعد في مؤخرة الطائرة،لأنني كنت يومها لازلت البس الزي الأبيض،حيث كان الجبس يغطي القسم الأسفل من جسدي الممزق. كنت أزن حوالي ال40 كلغ فقط أو اقل من ذلك بقليل، لأنني اذكر عندما وصلنا إلى مدينة بولونيا الإيطالية، و تم وضعي في سيارة إسعاف ونقلي إلى مستشفى روتسيلي، إذا لم تخن الذاكرة هكذا هو اسم المستشفى. هناك من الإسعاف إلى الغرفة التي أعدت لي في المستشفى، تم نقلي عبر عربة صغيرة من عربات نقل المعوقين،تأكدت من أنني لست بوزن قريب من وزني  السابق قبل الإصابة ولست ازن الكثير من الكيلوغرامات عندما قامت الممرضة الطليانية الصغيرة القامة، والرشيقة بحملي كما أنا ووضعي على السرير في الغرفة.

كانت تلك المرة هي الأولى التي أرى نفسي فيها محمولا بين ذراعي شابة أو امرأة، فقد جرت العادة أن يحمل الشاب الفتاة أو الرجل المرأة ، لكن هنا العكس هو الصحيح، شعرت بالفرح بداية لهذه القلبة النوعية في سير الحياة، وشعرت أيضا بالحرارة تنتشر في جسدي المهشم،كانت تعبر من جسدها الطري البرونزي الدافئ كفروة دب قطبي ، تمنيت لو أنها تبقى ممسكة بي كي أبقى متمتعاً بدفئها. كنت اشعر بنبض قلبي يضرب وينغم كما العود مع نبضات قلبها، كأنه عود عربي يعزف لحن طلياني من جزيرة صقلية. كانت تفكر بنقلي وكنت أفكر بطريقة نقلي، بالمفاجئة الجميلة،برافعة أثقال بشرية، برافعة بقايا أجساد بشرية في مخلوقات آدمية، كيف تحملني فتاة بعمر الورد وتقوم بوضعي في سريري كطفل عديم الحركة والقوة؟!

 بعد أن وضعتني الممرضة في سريري ربتت على كتفي وقالت لي" تشاو أميكو" يعني سلام يا صديقي، أردت أن اسألها عن السجائر والتدخين، لكنها لم تكن تفهم من اللغة الإنكليزية سوت كلمتي تشاو و أميكو باللهجة المحلية.. كانت بسمتها كضحكة ملاك في هذه الغرفة ، الهادئة كأنها قبري في البلد الجديد، لم تكن الغرفة كبيرة ولا صغيرة ، كانت تتسع لسريرين، لكني كنت وحدي بين جدرانها،على مقربة من فراشي الأبيض كانت تقف طاولة خاصة،عليها بضع زجاجات عصير طلياني تبين لي فيما بعد انه نبيذ من النوع الخفيف جدا، وكنت خلال يومي الأول في تلك الغرفة شربت الكثير من العصير المذكور، لا أعرف لماذا اعتقدت انه عصير ولماذا أحببته وشربته بكميات هائلة خلال يومي الأول في ايطاليا.هل لأن القليل منه يشفي قلب الإنسان أم لأن الكثير منه يجعل الإنسان عرضة للنوم والنسيان..

  كنت لا زلت وحدي وحيد غرفتي بعدما تركتني الممرضة صاحبة النهد المنتفض كرأس فأر خرج توا من مخبئه، حين جاءني ممرض طلياني وسيم وبشوش، تغطي ذقنه سكسوكة صغيرة زينتها بضع خطوط بيضاء. سألني الممرض بأنكليزيته المكسرة أكثر من إنكليزيتي العرجاء، عن الطعام و بالتحديد نوع اللحم الذي أريد تناوله، و بعد جهد جهيد لم نتمكن خلاله من التفاهم بلغة بلاد بلفور التي تعتبر اللغة الأولى من حيث التداول عالميا، قام الممرض باستعراض أشبه بأدوار السيرك أو المسرح الكوميدية، فركع على ركبتيه، مد  يده الأولى أمامي ثم أضاف الثانية بعد أن وضعها بنفس الطريقة وألصقها باليد الأولى أمامه ومدهما معا  كما كانت تفعل الأم تريسا أو كما يفعل بابا الفاتيكان، ثم أطلق صوتا غريبا كصوت الدجاجة ومن ثم تبعه بصوت كصوت الديك،عرفت حينها انه يسألني إن كنت أريد تناول الدجاج على الغذاء، رددت فورا "سي سينيوري" يعني نعم سيدي، وكنت تعلمت تلك الكلمات من خلال كتاب تعلم اللغة الإيطالية الذي أعطاني إياه أحد الأصدقاء كي أتعلم به قليلا من اللغة الإيطالية قبل سفري من مخيم  شاتيلا المنكوب بالمجزرة إلى هناك. وكم كانت سعادة الطلياني كبيرة حين سمع سي سينيوري، وأخذ فورا يرش الكلمات الطليانية رشاً متواصلاً، فعالجته بما تعلمته أيضا من كتابي ،حيث قلت له " نو كبيتو" يعني لا أفهم ، ففهم فورا أنها كانت مجاملة مني حين قلت بالطليانية الفصحى "سي سينيوري"، ثم أخرجت الكتاب من حقيبتي وقدمته له كي يفهم ما أقصد. ضحك ، ربت عل كتفي ومضى وهو يترغل بلغته الطليانية الجميلة..

 انها ايطاليا !  يا لجمال الطبيعة في هذه البلاد الخضراء.. أرض التاريخ الذي تعلمناه في كتب التاريخ المدرسية وشاهدناه في الأفلام السينمائية والتلفزيونية.. بلاد الحضارة والثقافة والعلوم والحروب والظلم والحق.. أرض الشعب الطيب القلب، حيث النبيذ اللذيذ والنساء الطالعات من وجع المرحلة،الصاعدات من عطر الدنيا نحو جراحنا التي تصارع  الأطباء والمشافي والموت والحياة.. ها نحن أخيرا خارج دائرة الظلم والمطاردة والملاحقة والخوف، خارج شرق المتوسط .. بعيداً عن بلاد الضاد حيث لا قيمة حقيقية للعباد.. نحن الآن في بلاد المعكرونة واللاساني والسباغتي والنبيذ الذي بقليله قد يشعل أو يطفئ قلب الإنسان.

 مجموعة من الجرحى من فلسطين ولبنان ، لكل واحد منهم حكايته وكل واحد منهم حكاية.. بشر أحبوا الحياة والحرية والسلام والعيش بكرامة .. رجال نساء شبيبة و أطفال، من ألوانٍ جمعت كل الألوان .. جاءوا إلى ايطاليا يجرون جراحهم وأثقال الحرب ، يحملون قرآنهم العربي وأثقالهم وصليبهم الناصري وما تبقى من بندقية الثائر وأغصان الزيتون ورايات بلاهم المحترقة بنار صهيون.

 

نضال حمد

 

اقرأ هنا :

فقرة من كتاب (( الحياة بساقٍ واحدة)) سوف يصدر يوما ما

(( صورتي اثناء العلاج في بيروت 1982 بعد الاصابة ))

 بقلم نضال حمد