بقلم : مدير التحرير - نضال حمد

فلسطينيو العراق .. لا أخوة لكم يا أخوتي ..  

تستمر حملة تشتيت وتهجير وتوزيع فلسطيني العراق من مخيماتهم الجديدة على الحدود السورية العراقية الى شتى بقاع الدنيا من تشيلي والبرازيل حتى سلوفاكيا وايسلنده والنرويج والسويد وفنلندة ونيوزيلنده واستراليا والهند.. في ظل هكذا وضع يتم فيه تهجير ابناء فلسطين بشكل منتظم حيث تستغل معاناتهم الانسانية وتتخلى عنهم عملياً كافة الدول العربية ،  بما فيها تلك التي تعتبر دولاً مدافعة عن حق العودة ومساندة للمقاومة وقلاعاً للمناعة. يصبح من الصعب على اللاجئين الفلسطينيين تصديق كلام هؤلاء والايمان بشعاراتهم ...

   يتم  تشتيت الفلسطينيين الذين كانوا فروا من جحيم عصابات جيش المهدي و فيلق بدر بشكل منتظم ، تحت نظر و على مرأى ومسمع كافة الفصائل الفلسطينية المعارضة التي لا تبعد مقراتها كثيراً عن تلك المخيمات المقامة على الحدود العراقية السورية. تكتفي الفصائل بارسال مساعدات انسانية ( وهي بطبيعة الحال ضرورية ) لهؤلاء اللاجئين. لكن قضيتهم أكبر من أن تختزل في تلك المساعدات وفي زيارات وبيانات وكلمات .. هم بحاجة لمساعدة عاجلة تجلب لهم ملاذاً آمناً وسقفاً يأوون تحته ، يرد عنهم مطر الشتاء و يحميهم من لهب شمس الصحراء..

 قضية هؤلاء اللاجئين  قضية وطنية ، قومية وليست مجرد معاناة عابرة تخص قسماً هاماً من اللاجئين الفلسطينيين  خاصة اللاجئين الذين تقطعت بهم السبل ، بعدما استباحتهم عصابات الطوائف العميلة للأحتلال الأمريكي . أن دور الفصائل الحقيقي هذا إذا كان لها فعلاً دور  فاعل ومؤثر في الحياة السياسية الفلسطينية والعربية ، أن تتحمل مسؤولية هؤلاء ، وأن تطالب الاشقاء والحلفاء بتحمل مسؤولياتهم بشكل أكثر جدية. وبتوفير مكان آمن لهم في بلاد العرب المجاورة لفلسطين.

أما السلطة الفلسطينية التي تدعي انها المسؤول الأول عن شعب فلسطين عبر هيمنتها على التمثيل الشرعي الفلسطيني من خلال اختطافها لمنظمة التحرير الفلسطينية. فقد وقفت ومازالت تقف متفرجة ، وكأن قضية هؤلاء قضية لاجئين من التاميل في سيريلنكا. فكل ما قامت به هو دعم مشروع توطينهم في كردستان العراق. تم ذلك خلال الزيارة التي قام بها رئيس السلطة الى العراق المحتل قبل بضعة أشهر،حيث  تحدث عن اوضاعهم في لقائه مع الطالباني. حدث هذا بالرغم من رفض ومعارضة هؤلاء اللاجئين لتلك الفكرة جملة و تفصيلا.  صحيح أن الأكراد في العراق لم يلوثوا اياديهم بالدماء الفلسطينية مثلما فعلت العصابات الارهابية ، الدموية والسادية ، من خلال مجموعة من العمليات الوحشية والاعتداءات المنظمة على أحيائهم السكنية هناك. إلا أن الفلسطينيين المثخنين بالجراح لم يعد لديهم الرغبة ولا الشعور بالأمان للعيش في العراق. لأن الذي ارتكبته تلك العصابات من جرائم واغتيالات وتعذيب واعتقالات واغتصاب وسرقة للممتلكات ومصادرة للمساكن و المتاجر ، يفوق كل خيال ، فهناك أشرطة فيديو موثقة عن اجرامهم بحق الفلسطينيين في العراق ، يمكن مشاهدتها على الموقع الالكتروني لفلسطينيي العراق...  كما هناك شهادات حية عن الارهاب الدموي لعصابات جيش المهدي وفيلق بيدر.

لقد كان الطرد الى الصحراء  القاحلة حيث الحياة لا تطاق ولا تتوفر فيها مقومات العيش ، أرحم عقاب تنزله العصابات الطائفية المسلحة الحاقدة بالفلسطينيين .. قذف بهم الى هناك كي تقتلهم الأفاعي والثعابين والعقارب بعدما قتل المئات منهم على يد الذين من المفترض أنهم يتذكرون كلمات المرجع الاسلامي الشيعي الكبير ابو القاسم الخوئي ، الذي قال أن الشعب الفلسطيني شعب حسيني ...  وكان يقصد بذلك أنه شعب معذب و مظلوم و مجاهد ... كل  تلك الأعمال البشعة حدثت ولم تتدخل مثلاً ايران الاسلامية التي لها باع طويل في تحريك القوى السياسية وشبه العسكرية والقيادات الطائفية المحسوبة عليها بالعراق ، مثل عصابات جيش المهدي ..  او عصابة المجلس الاسلامي الأعلى بزعامة عبد العزيز الحكيم ، توفي مؤخراً في احدى مستشفيات طهران .. لم تضغط ايران أو تمارس نفوذها على تلك العصابات لوقف جميع اشكال و أنواع البشاعة التي قامت بها بحق الفلسطينيين.  فجيش المهدي التابع لمقتدى الصدر ومعه فيلق بدر التابع لآل الحكيم ارتكبوا جرائم مماثلة. كأنهم كانوا في سباق على كسب ود الحاقدين والمعادين للشعب الفلسطيني ، وكأنهم أيضاً ينتقمون من حكم الرئيس العراقي الراحل عبر ذبح الفلسطينيين. هذا يجب أن يضاف الى مجموعة من الاعتداءات التي ارتكبتها قوات الأمن العراقية الرسمية ، التابعة للحكومة المنصبة من قبل الاحتلال الأمريكي.

لقد بدأت الحملة على الفلسطينيين منذ ما قبل غزو العراق واحتلاله إذ حافظت أقلام متأمركة ومتصهينة وحاقدة وطائفية و شوفينية على التحريض المنتظم والعلني ضد الفلسطينيين  عبر الصحف ووسائل الاعلام ومواقع الانترنت. كانت المقالات والكتابات المنشورة تتوعدهم بالمذابح والمجازر والعقاب والحساب والطرد والسبي والنفي. ومازلت شخصياً احتفظ بكثير منها ومن كتاباتي التي واجهت فيها وعبرها كتاب المارينز والطوائف وعملاء الأمريكان والصهاينة وكل أعداء العراق. تلك الحملة هي التي هيأت للحاقدين الطريق للقيام بما قاموا به من مجازر ومذابح ضد اللاجئين الفلسطينيين بعد سقوط بغداد واستشهاد العراق.

إن نظرة على واقع حال الفلسطينيين في العراق وما حل بهم وكيف تتم عملية اذابتهم في العالم الواسع ، بحيث تفرق الأب والأم عن أطفالهم والزوج عن زوجته والأخ عن أخيه وأخته ، ليصبح عادياً جداً أن تسمع أن الأخ في السويد والأخت في استراليا والأخ الآخر في تشيلي .. مما يعني أنه بالإضافة لمأساتهم المستمرة منذ احتلال العراق ، تضاف اليها مأساة أخرى وهي عدم لم شملهم حتى في دولة لجوء واحدة. 

في نظرة على موقع فلسطيني العراق على الشبكة الالكترونية بالامكان قراءة الرسائل والتعليقات المتبادلة بين هؤلاء المظلومين . ففي رسالة مناشدة من البرازيل يقول كاتبها أن طفله سقط  من علٍ وأدخل المستشفى للعلاج بوضع حرج ، وأنه لا يملك ثمن علاجه وأن المفوضية (يقصد مفوضية الأمم المتحدة ) قد تخلت عنهم ، ويختم رسالته بالقول : " اللاجئون الفلسطينيون يعانون أينما كانوا ومعاناتهم في ازدياد وكما هو حال أهلنا اللاجئين من فلسطينيي العراق في البرازيل فمعاناتهم مستمرة وخاصة بعد قرب انتهاء برنامج الأمم المتحدة للاجئين في البرازيل. فنناشد المنظات الدولية وكل المؤسسات الرسمية وغير الرسمية لتدارك الكارثة قبل وقوعها في البرازيل وتشيلي والهند وسريلانكا واندونوسيا وغيرها من الدول التي يتواجد بها اللاجئون من فلسطينيي العراق.  "

في صفحة أخرى قرأت خبراً يقول أنه بتاريخ 01-09-2009 وصلت عائلة فلسطينية من العراق الى الهند ... ويضيف كاتب الخبر أنها معاناة جديدة تضاف لمعاناة  فلسطينيي العراق في الهند ... وفي نفس الخبر نجد تعليقاً من فلسطيني آخر موجود في الهند يقول فيه : " بدي اهنيك او اواسيك على الهند بس بدي اوصلك اش وانت يمكن تفهم اغنيه سعدون جابر وهي : كلي جابك علي وش ذكرك بل هند العراق اهون .. " .  هذا هو للأسف الشديد واقع حال الذين تقطعت بهم السبل من جديد في دول العالم.

في السويد نشرت صحيفة "ذي لوكال" خبراً مفاده أن السويد سوف تستقبل اللاجئين الفلسطينيين على الحدود العراقية السورية ، ضمن اتفاقية مع مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين. وقال المدير العام لدائرة الهجرة السويدية دان الياسون "إنه لأمر جيد أن يكون لبلاده دور في مثل هذه العمليات الإنسانية الكبيرة".

وأضافت الصحيفة أن 3 مخيمات للاجئين الفلسطينيين سيتم إخلاؤها على الحدود العراقية - السورية بالتعاون مع الولايات المتحدة.


وقال الياسون "هذه المخيمات موجودة في أصعب الأماكن على الأرض حيث شروط العيش صعبة جداً.. الآن يمكننا أن نؤكد أن هؤلاء الناس يمكنهم أن يأتوا ويعيشوا في أوروبا والولايات المتحدة". لكنه لم يذكر عدد هؤلاء اللاجئين. وأشارت "ذي لوكال" إلى أن السويد تجهد ضمن الاتحاد الأوروبي لأجل دفع أعضائه للقبول بعدد أكبر من اللاجئين. ومعلوم أن السويد لوحدها استقبلت 1900 لاجئ في العام الفائت ضمن الـ4800 لاجئ الذين توزعوا على الدول الأوروبية.
 

هذه المشاكل والقضايا الانسانية المفجعة لفلسطينيي العراق تجعل الانسان يطرح سؤالاً بحاجة لاجابة شافية. والسؤال بطبيعة الحال يجب ان يوجه للفصائل والجمعيات والمؤسسات والمراكز الفلسطينية والعربية التي تتمسك حسب قولها بالثوابت الوطنية الفلسطينية وأهمها ثابتة حق العودة. إذا كان ليس بامكان المدافعين عن حق العودة والمطالبين به والعاملين لأجل تحقيقه ، القدرة على ايجاد حلول مؤقتة ، معقولة ومقبولة لآلاف قليلة من اللاجئين الفلسطينيين ، فكيف سيتمكن هؤلاء من اعادة ملايين اللاجئين الى ارضهم المحتلة سنة 1948 .؟؟

 

* مدير موقع الصفصاف

www.safsaf.org

30/09/2009