شفيق الحوت رجل القيّم والمواقف

نضال حمد*

19/08/2009

قبل ايام تركنا ومضى الى الدنيا الأخرى القائد الكبير شفيق الحوت - أبو الهادر أحد الرموز الحية في النضال الوطني الفلسطيني ، فهو قائد وكاتب واعلامي وخطيب وسياسي لم يتلوث بفيروسات الواقعية والعقلانية السلمية التي غزت الساحة الفلسطينية وانتشرت بين معظم أفراد القيادة المهيمنة على منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية. أهتم الرجل بدرء مخاطر الأوبئة  الفتاكة التي جاءت بها تلك القيادة ، وذلك منذ قبولها بالتسوية وحتى انعقاد مؤتمر " نعي " فتح في بيت لحم مؤخراً ..

 ابو الهادر عرف أكثر من خلال اسمه الآخر شفيق الحوت وكممثل لفلسطين في لبنان منذ أسس المرحوم أحمد الشقيري م ت ف قبل أن يختطفوها منه تحت شعار المنظمة لحملة البنادق ، ومن شعبنا فيما بعد ، تحت شعار المنظمة لجماعة أوسلو.. نسألهم اليوم أين البنادق واين الرايات وأين الخنادق وأين استقلالية القرار واين بر الأمان والسلام المنشود وتحرير الأسرى وإزالة الاستيطان وعودة اللاجئين ومآذن وكنائس القدس ؟؟؟؟؟ ...  هؤلاء بدلوا كل تلك الشعارات ببطاقات ال "فيب" التي منحها لهم الاحتلال كي يتحركوا بحرية مقابل سجن وحصار كل الفلسطينيين في الضفة والقطاع.

 إن الفيروس الوحيد الذي استقبله ابو الهادر عن طيب خاطر وأدخله مع دمائه في شرايينه وأوردته حتى وصل القلب والعقل ، هو فيروس حب فلسطين كل فلسطين ، من يافا حيث كانت ولادته الى غزة حيث يحاصر الأعداء كل شيء حيّ في القطاع.. لقد قبل شفيق الحوت أن يكون فدائياً وأن يضحي ويعطي ويقدم كل شيء لأجل استعادة أرض فلسطين وتحريرها ومن ثم عودة كل لاجئ فلسطيني مع ذريته الى كامل التراب الوطني الفلسطيني ، هذا ال "كامل" الذي يتناساه أو تناساه منذ فترة طويلة وبالذات هذه الأيام الأخوة الأعداء وكذلك الرفاق الأعزاء.. المهددون من رأس السلطة  بقطع الميزانية عنهم وتجويعهم حتى تركيعهم. أو أنهم يبقون أمينين لدور شاهد الزور في المجلسين الوطني والمركزي وكذلك في اللجنة التنفيذية للمنظمة المختطفة.

بدأ شفيق الحوت فرض نفسه سياساً في وقت مبكر ، بعد أن فرض نفسه اعلامياً في جريدة الحوادث اللبنانية الشهيرة ليصبح اسماً اعلامياً لامعاً في كل الوطن العربي. .. و مع الكاتبة المبدعة الراحلة سميرة عزام ونقولا الدر رئيس تحرير جريدة "الدايلي ستار " التي كانت تصدر عن دار الحياة في بيروت ، والأخير اصبح عضواً في أول لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ، ومن أوائل المشرفين على تأسيس مركز الأبحاث الفلسطيني..  و خالد اليشرطي وعبد المحسن أبو ميزر(عضو لجنة تنفيذية فيما بعد) وسعيد بركة وراجي صهيون في سنة 1961 من القرن المنصرم قاموا بتأسيس تنظيم جبهة التحرير الفلسطينية ، الذي كان له نشرة دورية عرفت باسم "طريق العودة" وصدر عددها الأول سنة 1963. مثل ابو الهادر التنظيم المذكور في اللجنة التنفيذية في 1966 و1967 ، ثم تم اعلان حله  سنة 1969 . جدير بالذكر أن هناك فصيل فلسطيني آخر يحمل اسم جبهة التحرير الفلسطينية وكان بقيادة الشهيد الراحل "طلعت يعقوب".و له نشرة عرفت باسم " القاعدة". وأخرى باسم " الأفق " .كما كان هناك في بداية الستينات من القرن المنصرم فصيل ثالث يحمل اسماً شبيهاً وهو " جبهة التحرير الوطني الفلسطينية - ج.ت.ف ".. ساهم الحوت مع الشقيري وآخرين في تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية سنة 1964 . وفي هذا الصدد يقول في الصفحة93 من كتابه بين الوطن والمنفى - من يافا بدأ المشوار)" عندما غادرنا القدس ، لم نكن ندرك بعمق أن ما قمنا به في تلك الأيام من أيار/مايو 1964 كان بداية الرد الاستراتيجي الجاد على ما حدث لنا ولفلسطين في مايو/ ايار 1948 . وأعتقد بعد مرور أكثر من خمسين سنة على النكبة ، أن أهم انجاز وطني حققه النضال الفلسطيني حتى لحظتنا الراهنة كان التأسيس لقيام منظمة التحرير الفلسطينية."..

 

يقول أيضاً في  الصفحتين 93 و 94  : " توجه أبو مازن الى القدس ، المقر الرسمي لمنظمة التحرير الفلسطينية ورفع علم فلسطين على السارية ، وأعلن أسماء أعضاء اللجنة التنفيذية الأولى ... " وهنا يتحدث الحوت عن ابي مازن أحمد الشقيري أول رئيس للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. هكذا تصرف ابو مازن الشقيري أما أبو مازن عباس رئيس اللجنة التنفيذية الحالية فهو يريد الآن أن يعقد دورة للمجلس الوطني الفلسطيني (فاقد للشرعية منذ زمن طويل ) بمن حضر كي يعلن من مقاطعته في رام الله اسماء أعضاء جدد يقوم باضافتهم للجنة حسب مزاجه ووفق ما تتطلبه عملية تدمير المنظمة.

وعلى ذكر اللجنة التنفيذية للمنظمة نذكر بأن شفيق الحوت استقال منها  ومن عمله كسفير لفلسطين في لبنان يوم 10 ايلول/سبتمبر 1993 ، احتجاجاً على اتفاقية اوسلو بين ياسر عرفات واسحق رابين. ولم يعد اليها ابداً. وكانت حصلت مواجهات كلامية حامية الوطيس أكثر من مرة بين الحوت وعرفات في اجتماعات المجلس المركزي للمنظمة والمجلس الوطني واللجنة التنفيذية. ومنها على سبيل المثال اجتماع للمجلس المركزي عقد سنة 1993 لمباركة اتفاقية اوسلو.. واجه الحوت عرفات بما جاء في اعلان المبادئ من تخلٍ عن حق العودة، فحاول عرفات تفسير الكلام حسبما يريد وبحسب معرفته بالانجليزية ، فرد عليه الحوت " انكليزيتي احسن من انكليزيتك .." .. النص الكامل موجود في الفصل 27  من نفس الكتاب وبعنوان "استقلت احتجاجاً على اتفاقية اوسلو"...

التقيت بشفيق الحوت مرة واحدة في حياتي وذلك في مؤتمر العودة الذي عقد في بيروت في مايو / أيار سنة 2007 ، حيث ترأس المؤتمر وأدار جلساته بكل ثقة. كنت من أصغر المشاركين سناً باستثناء شابة فلسطينية محامية حضرت من الولايات المتحدة الأمريكية. طلبت حق الكلام فأعطاني ابو الهادر الفرصة .. بدأت كلامي بنبرة عالية كما هي عادتي ، وسخرت من بعض اعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة لأنهم دمى متحركة .. وهاجمت رموز أوسلو وبعض الشخصيات المنضوية في المنظمة وتعمل بإمرة السلطة في مقاطعة رام الله. كنت ألحظ نظراته الثاقبة وهي تراقبني ، ظل يسمعني حتى انتهيت من كلامي. لم أسأله عن رأيه بما سمع مني .. لكن نظراته اعطتني الجواب الشافي... في الفرصة بين جلستي المؤتمر تكلمت قليلاً مع زوجته المناضلة والأكاديمية المعروفة د بيان نويهض الحوت صاحبة الكتاب الموسوعة عن مجزرة صبرا وشاتيلا. وكشفت لها أنني من ضحايا المجزرة ، وأخذنا نتذكر معاً بعض الوقائع عن تلك الأيام الحزينة.. بعد ذلك شرفتني باهدائي كتابها النفيس. ثم أنضم الينا ابو الهادر فحدثته د بيان عن حكايتي مع المخيمين .. وبعد تبادل قصير للحديث قام الراحل الكبير باهدائي كتابه الشيق والقيم ( بين الوطن والمنفى - من يافا بدأ المشوار- ) و الذي يعتبر مرجعاً في التأريخ للقضية ولحركة النضال الوطني الفلسطيني المعاصر...بعد اللقاء المذكور التقطنا صورة جماعية تذكارية للمؤتمرين ، ولم يحصل أن التقينا ثانية سوى مرة واحدة في حديث هاتفي من أوسلو الى بيروت اثناء مجزرة مخيم نهر البارد..

سيبقى شفيق الحوت خالداً في ضمائر المناضلين وخفاقاً كرايات شعب فلسطين الذي أحبه وودعه يوم رحيله خير وداع..

 

 

* نضال حمد : مدير موقع الصفصاف

www.safsaf.org