المؤثرات العراقية في الديانة اليهودية - سليم مطر

17/08/2009


إن المتمعن في تاريخ اليهودية يكتشف ان العراق (بابل) كان الموطن الاول الذي تأسست فيه كعقيدة كتابية ناضجة، ومنه أخذت الجزء الاعظم من مصادرها الثقافية والدينية. وفي بابل (أصيب اليهود) بـ(عشق الكتاب والكتابة) التي تميز بها العراقيون طيلة تاريخهم وحتى الآن. وفي بابل نشأ العدد الاكبر من أنبياء ومؤسسي العقيدة اليهودية. ودلت مكتشفات القرون الحديثة ان الجزء الاعظم من التوراة وباقي الكتب اليهودية قد كتبت في بابل وتحت تأثير التراث الحضاري البابلي، عكس الاعتقاد الذي كان سائدا. كما يقول المؤرخ الفرنسي الكبير(جان بوتيرو): 'منذ عام 1872 بعد أن تم التمكن من قراءة الكتابة المسمارية والكشف عن كنوز الكتابات العراقية القديمة، فقد 'الكتاب المقدس' أهميته العظمى باعتباره أقدم كتاب عن تاريخ البشرية، وتحول الى كتاب أدبي ديني'. (1)

سياسة التهجير والسبي العراقية

عكس ما يشاع، فان (سبي اليهود) الى (بابل) لم يكن حالة استثنائية وخاصة باليهود وبغاية استعبادهم، بل كان جزءاً من سياسة ظلت تمارسها السلطات العراقية، الآشورية ثم الكلدانية، طيلة قرون طويلة. فكان يتم نقل السكان من منطقة الى أخرى بطرق سلمية أو عقابية، من أجل تعمير الاراضي والمناطق. فمثلاً في القرن الثامن ق.م، تم نقل (30) ألفاً من سكان (حما) السورية الى المناطق الشرقية العراقية المحاذية لجبال زاغاروس من أجل تعميرها ولصد تسربات القبائل الجبلية، وبنفس الوقت قد تم نقل (18) ألفاً من سكان دجلة ليستوطنوا (حما) المسبية. في نفس هذا القرن أيضاً وعلى حملتين متتاليتين، تم نقل حوالي ربع مليون من سكان وسط وجنوب العراق من أنصار المتمردين الكلدان، أفراداً وعوائل كاملة، الى شمال العراق، عقاباً لهم ومن أجل تعمير الاراضي والمستوطنات الجديدة. إن سياسة التهجير هذه كانت من القوة والاستمرارية بحيث بلغ عدد الذين تم نقلهم خلال ثلاثة قرون، داخل حدود الامبراطورية الآشورية التي شملت العراق والشام، (أربعة ملايين) شخص، أفراداً وعوائل وعشائر. وهذا رقم هائل يدل على قوة سياسة التهجير المتبعة(2)

سبي اليهود

من المعلوم ان عموم بلاد الشام (بلاد الكنعانيين) وبالذات منطقة (فلسطين) ظلت دائما وفي كل حقب التاريخ ساحة صراع على النفوذ بين الدولتين العراقية والمصرية. وكانت هنالك دائماً أحزاب وأطراف من أنصار إحدى القوتين. إن عمليات سبي الفلسطينيين لم تشمل العبرانيين وحدهم كما يشاع، بل عموم شعوب منطقة الهلال الخصيب، بمن فيهم سكان العراق. أما فلسطين فعمليات السبي شملت كنعانيين وعبرانيين وغيرهم، وتركزت على أنصار دويلة (يهودا ـ أورشليم) جنوب فلسطين، ودويلة (اسرائيل ـ السامرة) شمال فلسطين، بسبب ارتباطهما بمصر(3). تحدثنا المصادر التاريخية عن فترتين من عمليات السبي :


ـ الفترة الآشورية بين القرنين التاسع والسابع ق.م واشتملت على عدة حملات سبي ضد يهودا واسرائيل، وإن تركزت أكثر على (اسرائيل)، التي اختفت بعدها من الوجود عام 721 ق.م. وتتفق المصادر على رقم مبالغ بعدد المسبيين يبلغ عدة مئات من الآلاف! لكن ميزة هذه المرحلة ان المسبيين قد اختفوا من التاريخ لأنه تم توزيعهم في أنحاء المناطق الجبلية العراقية والايرانية، وذابوا وأصبحوا جزءاً من سكان المنطقة (4).


ـ الفترة الكلدانية، على يد (نبوخذ نصر)، في حملتين (597 و586 ق.م) وقد تركزت على(يهودا)، وقد بلغ عدد المسبيين أكثر من 50 ألفاً، بغالبيتهم من النخب العليا: 'كل الرؤساء وجميع جبابرة الناس

 ... وجميع الصناع والاقيان. ولم يبق أحد إلاّ مساكين شعب الارض' (سفر الملوك الثاني 24 :14 ). في هذه المرحلة لم يتم تشتيتهم، بل جمعوا في منطقة بابل (وسط وجنوب العراق) مما سمح بتشكلهم كجالية متميزة. وبما أنهم كانوا كلهم من سكان يهودا، لهذا شاعت تسمية (اليهود) كتسمية أقوامية وليست دينية، ولكن مع الزمن تحولوا الى طائفة دينية خاصة(5).

ظهور النخب اليهودية العراقية

( ان بابل كأس ذهب بيد الرب تسكر كل الارض . من خمرها شربت الامم)


(التوراة ـ أيرميا 51 : 7)


على عكس الصورة السائدة، ان يهود بابل ما كانوا مسبيين مضطهدين، بل هم مندمجون في المجتمع البابلي حتى بلغوا طبقاته العليا. وقد منحهم (نبوخذ نصر) أراضي خصبة على الفرات وقدم لهم الدعم من أجل أن يسكنوا فيها ويعيشوا بسلام (6). ان المصادر التاريخية ومن ضمنها مصادر يهودية تعترف بأن (نبوخذ نصر) قد سمح للأسرى أن يصحبوا عائلاتهم وينقلوا معهم ممتلكاتهم ومواشيهم، وانه وهب اليهود أخصب مقاطعاته وأسكنهم فيها مثل منطقة (نفر) (نيبور) التي كانت تُعد من أغنى مقاطعات بابل، ومنحهم كذلك أوسع الحريات في العمل وممارسة طقوسهم الدينية، وكانت السلطات الحاكمة تعاملهم على أحسن وجه. ولقد استفاد اليهود كثيراً من الامتيازات التي منحهم إياها الكلدان، فأتقنوا الحرف والصناعات المختلفة، وتدرجوا في الطبقات العليا وعظم شأنهم بين البابليين. أصبحوا في غضون مدة وجيزة أغنى أهل بابل، فبعضهم امتلك الأراضي الزراعية والبعض الآخر كان يزرع بالفعل على الأراضي التي أقطعت لهم، وقد حفروا شبكة من جداول الري والقنوات لإيصال المياه السيحية إلى مزارعهم، وأنشأوا الحقول والبساتين ووجهوا عنايتهم لوقايتها من الغرق، فأقاموا السدود ونظموا أعمال الري على أحسن وجه، وقد اعتنوا عناية خاصة بتطهير الجداول والمبازل من الراسبات الغرينية، بحيث تحوَّلت هذه المنطقة إلى حقول مثمرة، وكان يعمل بعضهم في حقل التجارة، ويرى البعض أنه لولا أنبياء المهجر الذين كانوا لا ينفكون عن تنبيه اليهود إلى أخطار الانصهار وحثهم على ضرورة التفكير في العودة إلى يهوذا لانصهر اليهود في الشعب الكلداني انصهاراً تاماً بسبب ما توافر لهم من رغد العيش والأمن والاستقرار.
إن النقطة المهمة التي تستحق التذكر، هي ان هؤلاء اليهود المسبيين في بابل، كانوا بغالبيتهم الساحقة من أفراد النخب العليا في فلسطين، من رجال دين ومتعلمين وحرفيين وغيرهم. علماً بأن هذا الاختيار النخبوي كان شائعاً في سياسة التهجير العراقية، لأن السيطرة على النخب العليا تسهل السيطرة على الناس والبلدان. لكن هذه النقطة بالذات كانت العامل الحاسم في جعل الجالية اليهودية في بابل، نشطة وفعالة وقادرة على الاستيعاب السريع والكبير للحضارة البابلية والصعود في نخب المجتمع البابلي العليا، وبالتالي التمكن من لعب الدور الحاسم بتأسيس العقيدة اليهودية. جميع دلائل التاريخ تؤكد هذه الصورة الايجابية :


ـ ان الثقافة اليهودية وكتبها ومدارسها ومبدعيها، نشأت في بابل. فيها ظهر نبيهم حزقيال (586 و 538 ق. م) الذي كتب (سفر حزقيال). كذلك ظهر (النبي إشعيا الثاني 550 وسنة 540 ق.م) الذي

 يعتبر من أهم الذين طوَّروا اليهودية ومنحوها بعدها القومي والخلاصي. (طالع سفر إشعيا). كذلك قام (عزرا) بتنظيم اليهودية في فلسطين وجعلها ديناً محدداً بالطقوس والواجبات، وقام بجمع اسفار التوراة (القرن الخامس ق.م) ومات في العراق، كذلك (النبي ناحوم) الذي قاد حملة العودة الى فلسطين وأعاد بناء الهيكل (7). كما أسست في العراق معابد ومدارس دينية يهودية لعبت دوراً حاسماً في بناء الثقافة اليهودية. وان (الكتاب المقدس ـ العهد القديم)، قد كتبه فعلياً اليهود المقيمون في بابل، حيث استلهموا أولاً تراثهم الشفهي البدوي البدائي الذي جلبوه معهم من فلسطين، ومزجوه مع تراث الديانة العراقية (البابلية) وأساطيرها المعروفة، مثل أسطورة التكوين والطوفان وقصة موسى، وآدم وحواء. أما كتابهم التشريعي (التلمود البابلي) فقد كتبوه أيضاً في بابل مستلهمين الثقافة القانونية العراقية ومن أهمها (شريعة حمورابي).


ثم ان غالبية اليهود رفضوا العودة الى فلسطين، بعد سقوط بابل وتشجيع المحتلين الفرس لهم، بل ان بابل بقيت محطة إنقاذ لليهود حيث كانوا يلجأون إليها كلما ساءت أحوالهم في فلسطين. لكن الموقف السلبي من بابل ظهر بعد سقوطها لدى بعض الأقليات المتعصبة، فادعوا إنهم كانوا مسبيين مضطهدين في بابل : 'على ضفاف أنهار بابل جلسنا، وذرفنا الدموع حينما تذكرنا صهيون. / المزامير ـ 137 ـ1 '. وقد بلغ التعصب لدى هذه الأقلية المتشددة إلى حد أنهم دعوا إلى الانتقام من البابليين بل وحتى قتل أطفالهم :


(يا ابنة بابل الراحلة الى الخراب، طوبى لمن يجازيك ما كافأتينا به، طوبى لمن يمسك أطفالكِ ويضرب بهم الصخرةََ / المزامير 136 : 8 : 9).


وأكبر دليل يدحض هذا الادعاء بمعاناة اليهود في بابل، انهم استمروا باللجوء الى العراق، حتى قيل إن عددهم بلغ المليون، بعد خراب أورشليم على يد الرومان عام 70 م!(8).


إن دور النخب اليهودية البابلية الحاسم والقيادي في إبداع وتطوير اليهودية، لم يقتصر فقط على المرحلة الاولى للتأسيس الديني، بل استمر على مراحل متواصلة عدة بلغت أكثر من 1500 عام، أي من الحقبة البابلية في القرن السابع ق.م حيث تكونت الجالية اليهودية في بابل، مروراً بالحقبة الآرامية المسيحية في ظل السيطرة الخارجية الاجنبية، حتى الحقبة الحضارية العربية الاسلامية، الى أن انتهى الدور اليهودي العراقي الابداعي مع انتهاء الدور الحضاري للعراقيين عموماً مع سقوط بغداد العباسية عام 258 م.


باحث وكاتب من العراق يقيم في جنيف*

لمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع، طالع ملف اليهودية في (موسوعة اللغات العراقية) في موقعنا: www.mesopot.com

الملاحظات والمصادر:

- Jean BOTTERO ذ Naiance De Dieu- Folio-Paris2007/P9 1
: / 192/ : / / 33
2. :
la Mesopotamie/Georges ROUX/P270-271
: / / 250 252
3. / / 129
4. / / 57 / / 2 / 213
5. : / 125-126 / / 220
6. / / 130
7. : ( ) / () / ( ) / () .
8. / / 139