احتفالية حقوق الانسان يوم بيع الاطفال العراقيين للمرتزقة - هيفاء زنكنة

15.08.2009


أعترف بانني لا اتابع اعمال المؤتمر الاسلامي، عادة، غير انني اتابع الشأن العراقي وما له صلة به سواء من قريب او بعيد. واثناء قراءتي لآخر أخبار ' وزارة حقوق الانسان' في العراق ونشاطات الوزيرة وجدان ميخائيل، فوجئت بخبر مفاده ان الوزارة، كانت قد اقامت، بتاريخ 5/8/2009، احتفالية اليوم السنوي لحقوق الانسان وكرامته الانسانية في الاسلام في فندق الرشيد، تحت شعار (الاسلام يقرر حقوق الانسان وكرامته الإنسانية). وقد حضر 'الاحتفالية' نائب رئيس منظمة المؤتمر الاسلامي السفير محمد حامد، فضلا عن عناصر حكومة الاحتلال التي روعي فيها توازن المحاصصة الطائفية والعرقية والعشائرية مع حفنة من النساء المحسوبات على هذه الطائفة او تلك، ورئيس الوقف السني وممثل الوقف الشيعي ورئيس هيئة النزاهة وقائد الشرطة الوطنية وعدد من السفراء العرب والمسلمين المعتمدين في العراق.


وقد ألقت السيدة ميخائيل كلمة الافتتاح التي بينت فيها اهمية حقوق الانسان وكيف بات ' معيار التفاضل بين الدول مرتبطا بمدى احترامها وتطبيقها لمواثيق ومعاهدات حقوق الانسان'، مؤكدة بأن ' الفكر الإسلامي كان سباقا في مجال حقوق الانسان'.


وكانت كلمة الوزيرة عامة الى حد انني لو لم أقرأ اسمها باعتبارها صاحبة الكلمة لظننت بانها لرجل او ربما امرأة من بلد اوروبي يتمتع بالاستقرار والأمان وحقوق الانسان وليس بلدا محتلا تنتهك فيه حقوق الانسان في كل يوم، وعلى كل المستويات من القتل المباشر الى انعدام توفير الخدمات الاساسية الى الفقر والبطالة وفقدان الأمان وحرية الحركة والتعليم والصحة والانتهاكات الجسدية الى حد الاغتصاب في السجون وغيرها من المعتقلات. اختارت وزيرة حقوق الانسان، في كلمتها التي يمكن اعتبارها تكرارا للخطب الرسمية المستهلكة في الامم المتحدة، التعامي عما يدور حولها، متجنبة الحديث عن حقوق المواطن العراقي، لتركز، كما هي عادة المتدربين في ورشات حقوق الانسان الامريكية والغربية على عموميات تبدو، ظاهريا، انسانية وتندرج ضمن التصنيف الذي يطلق عليه مصطلح النطق بما هو 'صحيح سياسيا'.


ثم ألقى السيد محمد حامد التني نائب رئيس منظمة المؤتمر الاسلامي كلمة طويلة تطرق فيها بسرد عام، أيضا، الى موقف المؤتمر الاسلامي من حقوق الانسان والتغييرات التدريجية التي مر بها وتأكيده في ميثاقه الأخير على حقوق المرأة والطفل واهمية الاسرة وانشاء الهيئة المستقلة لحقوق الانسان. وكان السيد محمد حامد التني على وشك الفوز على الوزيرة ميخائيل في سباق انتقائية التعامي عن واقع العراق المرير لولا انه تدارك الامر، على استحياء شديد، في الفقرة الاخيرة السابقة لاختتام كلمته، حيث قال:


'ان المنظمة تسعى لتفعيل وثيقة مكة مع مكونات الشعب العراقي وفق المبادئ العشر التي احتوتها الوثيقة وهي وحدة المذاهب وعدم شرعية تكفير أي مذهب، وعدم قتل او الاعتداء على العراقيين وعدم جواز تهجيرهم بسبب العقيدة او المذهب وحرمة الاعتداء على دور العبادة كافة والتمسك بالوحدة الوطنية والعمل على انهاء المظالم وإطلاق سراح المعتقلين وتحقيق العدالة والمساواة ودعم جهود المصالحة الوطنية والوحدة للمحافظة على وحدة واستقلال العراق لانهاء الاحتلال وترون ان هذه المبادئ التي اشتملت عليها وثيقة مكة المكرمة تمثل ركائز لحقوق الانسان ودعامة لها ولهذا نقوم بالاتصال بمكونات الشعب العراقي لتفعيلها'.


وأنا اتفق مع السيد حامد التني في ان مبادئ وثيقة مكة تمثل ركائز لحقوق الانسان ودعامة لها ومن المهم التذكير بها ولكن من الذي يذكر من، وكيف، وأين؟ ومن بين الاسئلة التي تطرح نفسها في حال العراق الذي لم يعد فيه للمنطق متسع: كيف يبرر مندوب المؤتمر الاسلامي حضوره 'احتفالية لحقوق الانسان وكرامته الانسانية في الاسلام' في بلد تمتهن فيه الكرامة الانسانية وبكل الاشكال حسب تقارير المنظمات الحقوقية العراقية والعالمية؟ كيف يبرر حضوره 'احتفالية' تقام في المنطقة الخضراء، المحرمة أكثر من الاماكن المقدسة على المواطنين العراقيين، وفي ظل راية أكبر سفارة لبلد مستعمر في العالم؟ وكيف سيتجرأ السفراء العرب المعتمدين لدى 'الحكومة العراقية' على النظر في عيون اهالي ضحايا الاحتلال العراقيين الذين زاد عددهم على المليون؟ وما هو مفهوم الكرامة الانسانية حين نعلم بان الحاضرين في ' احتفالية حقوق الانسان وكرامته الانسانية في الاسلام' قد اجتمعوا في ذات المكان الذي يتم فيه جلب الفتيان والفتيات العراقيين وحتى الاطفال لمرتزقة الاحتلال لاغراض الدعارة وممارسة الجنس مع الاطفال؟ ألم يقرأوا تفاصيل هذه الجرائم البشعة وغيرها التي ارتكبها مستخدمو بلاك ووتر، شركة الخدمات الامنية الامريكية / المرتزقة، حسب شهادة اثنين من العاملين السابقين فيها، والتي نشرت، في كل صحف العالم تقريبا وبكل اللغات، بضمنها اللغة العربية، في ذات يوم انعقاد 'الاحتفالية'؟ ترى ما الذي سيفعله حاضرو 'احتفالية حقوق الانسان' لو حدث وشاهدوا اشرطة الفيديو التي صورها مرتزقة بلاكووتر لافعالهم الاجرامية ضد العراقيين؟ كيف سيواجهون 'دولة رئيس الوزراء نوري المالكي' و'سيادة رئيس الجمهورية الطالباني' مثلا، خاصة، بعد ان بلع المالكي، تهديداته بمنع عمل الشركة ذاتها، المسؤولة عن قتل عشرات العراقيين، حين جدد المستعمر الامريكي عقدها تحت اسم مختلف هو أكس أي، رغما عن أنف 'سيادة الحكومة العراقية'؟ هل سيواجهونهم بالمجاملات الدبلوماسية والعتب الناعم، املا في ان يتغير ساسة الاحتلال ذات يوم، بينما يعيش الشعب العراق يوميات العذاب وامتهان الكرامة، أم سيذكرونهم بمسؤوليتهم الوظيفية والشرعية والاخلاقية في حماية حقوق المواطنين، واكثرهم حاجة الى الحماية هم الاطفال، في بلد بات اطفاله يباعون للاستغلال الجنسي على مبعدة بضع امتار من بيت المالكي وهو اضافة الى منصبه رئيسا لحزب 'اسلامي'؟


وماذا عن وزيرة حقوق الانسان، ما هو دورها والوزارة من الانتهاكات والجرائم الموثقة والمصورة والمعروضة على مواقع الانترنت، مما يعني انها من الحقائق التي لايتطرق اليها الشك؟ موقف الوزيرة مثل طفل على ارجوحة يدفعها شخص يمينا ويسارا. فهي تتحدث يوما عن الانتهاكات في السجون ووجود عدد من النساء المعتقلات ثم تعود لتنفي ذلك مكذبة 'التصريحات الصحافية المبالغ فيها'.


ففي 10 آب (اغسطس) 2008 اقرت ميخائيل 'بارتكاب عمليات تعذيب وانتهاكات انسانية في المعتقلات التي قالت إنها تضم حاليا اكثر من 40 الف معتقل بينهم 338 حدثا و25 معتقلة عراقية بينهن 11 امرأة لدى القوات الامريكية وهن معتقلات منذ عام 2006 ولم تستكمل لحد الان عمليات التحقيق معهن'، وأكدت رصد عمليات تعذيب وانتهاكات انسانية تحصل خلال عمليات الاعتقال ومجريات التحقيق الاولية. ثم عادت في 29 نيسان من العام الحالي لتنفي حالات الإساءة للنساء المعتقلات، قائلة: 'لا توجد أي انتهاكات للسجينات العراقيات'. والمعروف ان وزيرة شؤون المرأة نوال السامرائي كانت قد استقالت بعد ان فضحت حالات الاعتداء وبضمنه اغتصاب عدد من المعتقلات في السجون الامريكية والعراقية معا، حسب تعبيرها. وتثبت طبيعة تصريحات الوزيرة المتناقضة مدى هشاشة موقفها من حقيقة ما يدور بصدد حقوق الانسان. وميخائيل ليست الوحيدة بين مسؤولي الحكومة الاستعمارية ممن تتناقض تصريحاتهم بل انها واحدة في قطيع يسرح ويمرح في غياب الراعي او المساءلة الحقيقية التي ترسخ المسؤولية، كما يفترض في الانظمة الديمقراطية.


ولكي تكتمل صورة اجهاض حقوق الانسان المنظم والمتعمد وتحت انظار العرب والمسلمين من سفراء وحكومات وممثلي مؤتمرات، علينا قراءة خبر استحداث 1300 مقبرة جديدة في العراق منذ الغزو في 2003 وحتى الآن، وبعد ان اشرفت القديمة على الامتلاء بالضحايا حسب الدكتور عبدالله الدليمي العامل في وزارة حقوق الإنسان، الذي يوضح لنا الصورة أكثر، قائلا بان: 'هناك 11 مقبرة في بلدة الخالدية غرب الفلوجة. إنها مدينة عجيبة سببت شراستها في مقاومة الاحتلال إلى حدوث خلل فيها حيث إن عدد المقابر فيها يفوق عدد مدارسها ومساجدها، بل وهناك مقبرة في أحد أحيائها يفوق ساكنيها من الأموات عدد الأحياء في ذلك الحي'.

' كاتبة من العراق