حركة فتح: مؤتمر التسويات - مصطفى إبراهيم*

18/08/2009 

فتح غزة هي من قلب نتائج الانتخابات في المؤتمر السادس لحركة فتح، وساهمت بشكل كبير في فوز محمد دحلان وتياره المتحالف معه بهذه النتيجة التي تعتبر كبيرة مقارنة مع الهجوم الذي شنه البعض عليه، وكذلك التوقعات التي تحدثت عن حصوله على عدد أصوات أقل ربما لن يمكنه من الفوز.

وعلى رغم عدم رضا فتح غزة بالنتائج، إلا أنهم سعداء بسقوط رؤوس كبيرة مثل أحمد قريع وحكم بلعاوي، المتهمين من القاعدة الفتحاوية في غزة بأنهما قاما بتنسيب عدد كبير من الأعضاء للمؤتمر من دون وجه حق وعلى حساب فتح غزة، بالإضافة إلى اتهامات أخرى.

كان من الواضح من خلال القوائم التي قدمت للأعضاء أن هذا المؤتمر هو مؤتمر التسويات داخل حركة فتح، وأن التحالفات وهي تحالفات اللحظة الأخيرة، فتقدمت للانتخابات ثلاث قوائم ربما لم نستطيع فك رموز التقارب بينها، إلا أن المتابع للشأن الفتحاوي ومن يعرف طبيعة حركة فتح فكل شيء مباح ومتاح داخلها، فعلى رغم "صراع الأضداد والتناقضات" فكل كتلة حاولت الحصول من الأخرى على أصوات سواء كان بتوافق أو من دون ذلك، وحصل ذلك من خلال رضا بعض الأعضاء عن بعض الأسماء في القوائم الثلاث المتنافسة.

قبل ثلاثة أشهر من الانتخابات قلنا في مقال سابق إنه لم يكن من السهل البحث في ما يدور من اشتباك مستمر داخل حركة فتح في ظل تغييب قواعد وقيادات فتحاوية وعقد تحالفات مستغربة في الحركة، فأعداء الأمس أصبحوا أصدقاء وحلفاء اليوم، فالحركة الدائمة والدؤوبة في صفوف قيادة الحركة تزيد من حال الاشتباك والاستقطاب والشرذمة، ومحاولة إعادة استنهاض حركة فتح.

فالقوائم الانتخابية في المؤتمر التي قدمت للأعضاء لم تكن مقنعة لبعضهم، وعليه لم تكن القائمة ملزمة للأعضاء أثناء عملية الاقتراع، وقام الأعضاء بالتصويت لمن ينسجم مع تفكيرهم ورؤيتهم، وربما يعتقد البعض أن معظم من صوتوا لمحمد دحلان وقائمته يعني أنه متفق معه في مواقفه السياسية وأسلوب إدارته، أو طريقة عمله في غزة.

مع العلم أن بعض من صوتوا له يحملونه المسؤولية هو وقيادة حركة فتح عن هزيمة الحركة وسقوط غزة، باعتباره أنه كان المسؤول الأول في القطاع.

ومع ذلك فإن ما جرى في غزة من حال سيئة ووهن وضعف أصاب الحركة والسقوط المدوي في انتخابات المجالس المحلية والتشريعية والهزيمة القاسية من قبل حركة حماس وسقوط غزة في قبضتها، فإن أعضاء فتح في قطاع غزة يبحثون عن رجل قوي يقودهم ويخلصهم من هذه الحال.

بالإضافة إلى تعزيز تمثيل فتح قطاع غزة، والانتقام والنقمة على حركة حماس، وتواصله المستمر مع القاعدة الفتحاوية في القطاع، ويدل بعض الأعضاء على ذلك من خلال الرسائل النصية التي أرسلها عبر الهاتف النقال أثناء انعقاد المؤتمر لهم ما اعتبروه دفعة معنوية لهم.

ومع اختلاف عدد كبير من قيادات حركة فتح، وجزء غير قليل من القاعدة الفتحاوية مع دحلان إلا أنهم صوتوا له وبقوة.

ويستبعد بعض القياديين في فتح غزة من أن يكون دحلان صرف أموالاً على ناخبيه، إلا أن سخطهم وعدم رضاهم عن قيادة غزة عزز من فرصه بالفوز الكبير، وحسب بعض المصادر في حركة فتح المحسوبة على دحلان فإنه استطاع أن يعقد تحالفات مع شخصيات تناصبه العداء.

وقالت تلك المصادر إن قائمة دحلان ضمت أسماء كل من، "مروان البرغوثي وزوجته "فدوى المرشحة للثوري"، وناصر القدوة، وسليم الزعنون، أبو ماهر غنيم، وعباس زكي، وحسين الشيخ، وتوفيق الطيراوي، ومحمد المدني، والحاج إسماعيل، والقيادي إبراهيم أبو النجا" اللذين لم يحالفهما الحظ ربما عدم رضا فتح غزة عنهما.

الآن أصبح لحركة فتح قيادة جديدة وهي قيادة الداخل، ولم يعد هناك تقسيمات داخل وخارج، واستطاع الرئيس محمود عباس أن يحقق ما يصبو إليه من انعقاد المؤتمر في الداخل، وتشكيل قيادة جديدة لن تكون عصية عليه على رغم فرص ما يسمى التيار المعارض أو التيار العرفاتي الذي يقوده محمود العالول من التمسك بالثوابت الوطنية والداعي لإعادة النظر في سياسة الحركة على مدى العقد ونصف العقد الماضيين، وإعادة النظر في المسار التفاوضي، وإلى التمسك بالحقوق الوطنية وعلى رأسها المقاومة كسبيل للتحرر، وبحق عودة اللاجئين الفلسطينيين والقدس.

فمؤتمر فتح هو مؤتمر التسويات من خلال المصالح والتحالفات والمحاور التي قام بها المرشحون، وهو مؤتمر التسويات بين القديم والجديد، فالتيار القديم الذي كان مسيطراً على الحركة سقط سقوطاً مدوياً، ومع ذلك حافظ عدد قليل من التيار القديم على وجوده بناء على المصالح والتحالفات والمحاور التي قام بها ونفذها التيار الجديد الذي أصبح يسيطر الآن على الحركة.

مؤتمر التسويات من خلال الجمع بين المقاومة والعودة للجذور، والمفاوضات لكن بشروط، لكن يظل السؤال، كيف تتفق القيادة الجديدة على ذلك وهي في معظمها مع الخط السياسي للرئيس عباس ورؤيته للحل ومؤيدة له؟

مؤتمر التسويات وقيام أعضاء فتح بالمحاسبة وعدم المحاسبة، المحاسبة كانت من خلال الاحتكام إلى صندوق الاقتراع والتصويت وانتخاب قيادة جديدة مع اختلاف بعض الأعضاء عليها، وعدم القيام بالمحاسبة عندما لم يتم التحقيق مع المسؤولين عن "هزيمتي" غزة وتقديمهم للمحاكمة، أو محاسبة فاروق القدومي.

المؤتمر كان مؤتمر الرئيس محمود عباس بإمتياز، وليس كما أطلق عليه اسم مؤتمر الشهيد ياسر عرفات، وهو مؤتمر التسويات من خلال التسهيلات التي قدمتها الدولة العبرية للمؤتمر، ورؤية الرئيس عباس لما يسمى العملية السياسية والمفاوضات والتزامه بذلك، وجدية الإدارة الأمريكية التي عملت مع بعض الأطراف العربية لأن يكون المؤتمر مؤتمر التسويات التي ربما تنعكس على إنهاء ملف الانقسام والتوصل إلى اتفاق مع حركة حماس.

مؤتمر التسويات أفرز تيارات ثلاثة أصبحت الآن تقود فتح، فالمصالح والمحاور هي التي أفرزت هذه القيادة، فهل تستطيع بناء المؤسسات في حركة فتح والفصل بين الحركة والسلطة؟ وهل تستطيع إعادة بناء تنظيم حركة فتح وإعادة صياغته وتشكيله؟ وهل تستطيع القيادة الجديدة إنهاء الانقسام والتوصل إلى اتفاق مع حركة حماس؟

 

* كاتب فلسطيني - غزة