مؤتمر فتح .. "كديما" على الطريقة الفلسطينية- ماجد عزام*

 

16/08/2009 

جاءت النتائج الرسمية المعلنة لانتخابات اللجنة المركزية لحركة فتح لتتوج مجمل الاحداث التي رافقت انعقاد المؤتمر منذ تقديم الطلب إلى الأردن لاستضافة المؤتمر مع توصية بالرفض مرورا بزيادة عدد اعضاء المؤتمر بنسبة خمسين بالمائة تقريبا دون اى ضوابط او محددات قاطعة إلى إضافة الطيب عبد الرحيم"المخجلة" إلى اللجنة المركزية وزيادة عديدها إلى تسع عشرة عضواً منتخباً وليس ثمان عشرة كما كان مقرراً , فى الحقيقة نحن أمام استنساخ لالية تاسيس حزب كديما ولكن على الطريقة الفلسطينية-السكر زيادة- الاختلاف مع الفارق طبعا وعائد بالاساس إلى المؤسساتية والنظم الديموقراطية والشفافية التي تحكم عمل الساحة السياسية والحزبية الإسرائيلية والتى تؤكدها ولا تنقضها الملاحقات القانونية بحق اهود اولمرت وافيغدور ليبرمان وابراهام هيرشزون واخرين، المعطيان المهمان اللذان يؤكدان الاستنتاج السابق والتشابه بين كديما الاسرائلية و وكديما خاصتناهما تخلص الرئيس محمود عباس- كما ارئيل شارون فى حينه- من معارضيه السياسيين والشخصيين المتمردين بالمصطلح الإسرائيلي اضافة الى اقتناعه أي أبو مازن -وكما شارون آنذاك- أن الفرصة متاحة لتسوية الصراع في فلسطين بعد الاجواء التى اوجدها باراك اوباما فى المنطقة والعالم ولا بد من استغلالها واستثمارها خاصة أنها ربما تكون الأخيرة وقد لا تتكرر مرة اخرى . بمجرد الإصرار على التئام المؤتمر في الداخل احرج أبو مازن وأخرج من المعادلة معارضيه الرئيسيين فاروق القدومى أبو اللطيف والقلة القليلة من فتح المتحلقة حوله، ساعد أبو مازن في ذلك ليست الشخصية القيادية الطاغية كما كان شارون في إسرائيل ولكن الدعم الإقليمي والدولي الهائل إضافة إلى أخطاء أو عزلة أبو اللطف وعجزه عن بناء تيار حقيقي حوله، معظم أعضاء التنظيم الشباب في الداخل لا يعرفونه شخصيا ناهيك عن اختلافهم السياسي معه وتحميله المسؤولية أيضاً، عما آلت إليه حركة فتح والمشروع الوطنى بشكل عام، أبو مازن قام بإنجاز عدة خطوات تكتيكية ناجحة اضافة الى عقد المؤتمر بالداخل اهمها استقطاب ابى ماهر غنيم وسليم الزعنون من الحرس القديم لما يمثلاه-خاصة الاول- من مناقيبة سياسية وتنظيمية كذلك استغلاله الرغبة الجامحة لدى الجيل الشاب جيل الداخل والانتفاضتيين فى عقد المؤتمر بأي ثمن، ابو مازن يعي جيدا أن هذا الجيل أقرب إليه سياسياً وأن جل ما يطمح إليه خلق سيرورة ديموقراطية وانتخابية عبر انتخابات المركزية والثورى وكذلك الإصرار على التئام المؤتمر بشكل منتظم , نفوذ وتاثير ابى مازن ومعاونيه صبغ اذن جلسات المؤتمر منذ انطلاقته ليس فقط عبر زيادة الأعضاء بشكل ملتبس وإنما عبر انتخابه بالإجماع التصفيق وقوفا- لرئاسة اللجنة المركزية دون إجراء اقتراع سرى لإظهار حجم شعبيته ومنسوب الرضا عن سياساته، النفوذ الكبير المادى والسياسى انعكس كذلك على نتائج الانتخابات للجنة المركزية التي لم تجري بشكل شفاف نزيهة وغير شفافةحسب تعبير حسام خضر- أخرج أبو مازن أحد كبار المتمردين أبو العلاء والذى اختلف معه مرارا حول التكتيكات التفاوضية , وأدخل فى المقابل معظم الرموز المقربة منه شخصياً وسياسياً وكذلك رموز التنسيق الأمني مع إسرائيل-حسب تعبير قريع نفسه- وهو تعمد عدم تقديم أي اوراق او وثائق للمؤتمر وحتى تقرير عن عمل المركزية خلال الاعوام الماضية ونجح كذلك فى ربط حركة فتح تماما بالسلطة الفلسطينية ولن يجرؤ أحد على المعارضة أو التمرد بعد ذلك حيث ان الدعم السياسي والمادي والمعنوي قادم للسلطة اساسا ومن خلالها حركة فتح وليس العكس , وهذه الجزئية تعبر ربما عن احد اهم الدلالات التى تمخض عنها المؤتمر , المعطى المهم الاخر الذي يؤكد اننا بصدد كديما على الطريقة الفلسطينية طبعاً يتمثل باقتناع الرئيس أبو مازن التام بتوفر فرصة كبرى لحل الصراع في فلسطين ولو وفق الحد الأدنى المقبول فلسطينيا وان هذه الفرصة قد لا تتكرر ابدا- شارون اقتنع ايضا ا أن أمامه فرصة لحل الصراع نهائيا ولو بشكل أحادي من جانب واحد استغلالا الضعف والتخبط الفلسطينى واللحظة الاقليمية والدولية المنناسبة تحديدا اثر احداث ايلول سبتمبر 2001 والغزو الامريكى للعراق ، أبو مازن يؤمن أنه لا بد من ترتيب البيت الفلسطيني لانتزاع الشرعية الضرورية للتفاوض مع إسرائيل والعالم أيضاً، وهنا تبدو لافته اشارته الى ان العالم كله ينتظر ويترقب المؤتمر الفتحاوى ونتائجه و إلى أن العالم كله ينظر الى و ينتظر مؤتمر فتح , ليس ذلك فقط بل ان جورج ميتشل أثناء جولته الأخيرة عدل جدول مواعيده وعرج إلى القاهرة بشكل عاجل للقاء الرئيس حسني مبارك الذى طالبه بالضغط على إسرائيل لإنجاح مؤتمر فتح، والرئيس محمود عباس شخصياً إذا كان جادا فى السعى نحو نهاية سعيدة لعملية السلام والتسوية على المسار الفلسطينى، هنا أيضاً قد نكون امام تاكيد اخر على الكديما خاصتنا شارون اسس كديما-لو كان يستطيع الاحتفاظ بالليكود لفعل حتما- من أجل الذهاب إلى انتخابات عامة لنيل الشرعية والدعم لتطبيق برنامجه السياسى القائم على المضى قدما فى خطة فك الارتباط والانفصال عن الفلسطيين ورسم حدود اسرائيل الشرقية النهائية من جانب واحد ، أما فى حالتنا فنحن امام سعى لنيل شرعية فتحاوية وشرعية عربية ودولية بديلا عن الذهاب الى انتخابات رئاسية وتشريعية وهنا ايضا لابد من استخلاص دلالة بالغة الأهمية، مؤتمر فتح بديلاً عن الانتخابات العامة والشرعية والديموقراطية الفتحاوية بديلاً عن الشرعية الفلسطينية الجامعة، وليس ذلك فقط بل أن المؤتمر يبدو بديلا عن المصالحة الوطنية بشكل عام، وخريطة الطريق المستحدثة تتضمن المضي قدماً في التفاوض الى حين التوصل إلى اتفاق ومن ثم ادراجه ضمن مصالحة عامة تعتمد الذهاب إلى الانتخابات كاستفتاء عليه مع عدم القلق من أي رد فعل من حركة حماس المستمرة فى ارتكاب الأخطاء والمشغولة بالحفاظ على السلطة في غزة وتدبير امورها اليومية على قاعدة التهدئة الطويلة مع إسرائيل سنوات وشهور وليس أسابيع وأيام.

امر اخر يجعلنا أمام كديما لكن على الطريقة الفلسطينية طبعاً هو أن أبو مازن يحتاج فقط الى أربع سنوات وربما اقل مؤتمر لمرة واحدة فقط-على الطريقة اللبنانية- فاما، الوصول الى الدولة وتحويل فتح إلى حزب سياسي رسمي حزب حاكم بشكل علنى وليس مسستتر-سلام فياض مضطر عندئذ للانضمام الى فتح- وفي هذه الحالة الذهاب إلى انتخابات عامة لنيل الشرعية على اجنحة الاتفاق والصخب الاقليمى والدولى أو فشل عملية التسوية والمفاوضات وتسليم الراية اما للجيل الصاعد في فتح لاتخاذ ما يراه مناسبا، وربما انسحاب على طريقة احمد الشقيرى وهو امر غير مستبعد استشرافا مآلات عملية التسوية وتهديد ابو مازن المستمر بالاستقالة في حالة فشل التسوية وعجز الجهود العربية والدولية عن إعادة ولو الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية.

إذن بناء على المعطيات السابقة نحن أمام مهل زمنية طويلة ثلاث سنوات على الأقل للتأكد إذا كنا أمام مؤتمر لمرة واحدة و خطوة باتجاه بناء الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس وفق الحد الأدنى المطلوب فلسطينياً ام العكس امام قفزة فى المجهول وفقدان السلطة حتىوفق المعايير الديموقراطية المتبعة محليا عربيا , من المبكر الإجابة طبعاً الايام وحدها كفيلة بانقشاع الرؤية غير ان احمد قريع ادلى بدلوه وقال كلاما مهما مفاده ان ليس من فرصة امام حل الدولتين فى ظل الاستيطان والتهويد المستمر فى القدس حيث بات من الصعوبة بمكان اعلانها عاصمة للدولة الفلسطينىة ولذلك لم يكن من قبيل الصدفة اشارة برنامج فتح النظرى والشفوي إلى خيارات اخرى إعلان الدولة من جانب واحد أو الذهاب باتجاه خيار الدولة الواحدة الذى يستلزم بالضرورة وقيادة جديدة ورؤية شابة وحتما انقلاب بل ثورة جديدة على ا الطبقة الحزبية والسياسية الراهنة.


* مدير مركز شرق المتوسط للاعلام