القدومي بين المهادنة والعقلانية

 سميح خلف

أبو اللطف جمل المحامل، وخاصة بعد توقيع أوسلو ومحاولة سحب صلاحياته رويدا رويدا إلى أن بات أبو اللطف في محل عزل وانعزال أحيانا، فهو أمين سر اللجنة المركزية الشرعي لحركة "فتح"، وهو رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ووزير خارجية فلسطين حسب الأصول، ولكن أبو اللطف وبناء على منهجية أوسلو مورست ضد صلاحياته وضد شخصه باعتباره شخصية تاريخية مؤسسة لحركة "فتح"، مورست ضده كل أدوات الضغط والحصار ومحاولة تذويب، بل إنهاء دور الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وقام بهذا الدور وزراء خارجية سلطة أوسلو، والوفد التفاوضي الذي هو أساسا مفاوضي مدرسة أوسلو بلبنتها الأولى.

أعلن أبو اللطف أن مؤتمر بيت لحم غير شرعي، وأعلن أنه أمين سر اللجنة المركزية الشرعي لحركة "فتح"، وطعن في صحة إنعقاد المؤتمر الحركي في مدينة بيت لحم بناء على قرار شخصي من محمود عباس، المستقيل أساسا من حركة "فتح" أبان صراعه على السلطة والصلاحيات مع الراحل والمغدور به ياسر عرفات.

حوصرت الدائرة السياسية ماليا ودبلوماسيا من قبل الأنظمة العربية، والجامعة العربية، تماشيا مع اوسلو وملحقاتها، ودعما وتكريسا لما يسمى بالسلطة الفلسطينية، القائمة في مدن تجتاحها اسرائيل يوميا وتفعل بها ما تريد، ولا ندري أي سلطة هذه التي لا تحمي مواطنيها ولا تطلق رصاصة على كل الإجتياحات والمداهمات ونسف المنازل وتدميرها في تلك المدن.

الكل يعرف موقف أبو اللطف منذ اجتماعات اللجنة التحضيرية برئاسة الأوسلوي المتخفي سابقا، والمعلن حاليا محمد راتب غنيم (أبو ماهر)، ومعروف موقف أبو اللطف من انعقاد المؤتمر، ومعروف موقف أبو اللطف من قصة إقصاء الكوادر، ومعروف موقف أبو اللطف من أصحاب نظرية الفلتان الأمني في الساحة الفلسطينية، حيث أصدر قرارا سابقا كأمين سر حركة "فتح" بفصل من قاموا بوضع اللبنات والفجوات الأمنية لخروج "فتح" من قطاع غزة وعزلها عن باقي الفصائل المناضلة في القطاع، والتي وصلت إلى المواجهة مع "حماس"، وكان نتيجتها أن تحققت أهداف عصابة أوسلو في غزة، وإضعاف حركة "فتح" في غزة تماشيا مع ما تم كشفه من حقائق أبان إنعقاد المؤتمر الحركي في بيت لحم، وعزل كوادر غزة وإضافة ما يقارب 800 عضو من الضفة الغربية، وتقليص عدد الحضور من فلسطينيي الخارج.

فوجئنا بأن عزام الأحمد يقول أن الخلافات بين أبو اللطف وعباس قد انتهت، وأصبحت من الماضي أثناء زيارته إلى تونس قبل أيام، حقيقة ولكي لا يكون الفعل ارتداديا من جميع الكوادر التي تنتسب لنظرية الكفاح المسلح، وللأخ القائد أبو اللطف، تريثنا واستفسرنا عن ماهية هذه التصريحات، وما لحقها من تصريحات أيضا من الأخ أبو اللطف، وهنا نضع أيدينا على المنهجية التي يتبعها الأخ أبو اللطف بعد تفجيره ورقة من أهم الأوراق في الساحة الفلسطينية، وهي قضية إغتيال ياسر عرفات، وتوجيه أصابع الإتهام والشبهات إلى محمود عباس ومحمد دحلان، وأعتقد أن أبو اللطف المخضرم نضاليا وسياسيا لا يمكن أن يقع في هفوات، وهو المجرب والقائد، ولا بد أنه عندما أطلق أبو اللطف سهمه الأول، لابد أن لديه عدة سهام أكثر أهمية وأكثر خطورة في هذا الإتجاه، ولكن لماذا صمت أبو اللطف..؟ هل لأن أبو اللطف الدبلوماسي المخضرم لا يتبع "المدرسة الإرتدادية" المبنية على ردة الفعل..؟ ونحن نعلم أن أصحاب المدرسة الإرتدادية هم من يدعمون فكرة فليهدم المعبد على من فيه، من شرفاء وأجراء وأزلام ومستزلمين ومنبطحين وعملاء.

أفاد أبو اللطف أنه لم ينشق عن حركة "فتح" وكما قال لكم دينكم ولي دين، والشيء المستفز أن يهلل البعض بأن أبو اللطف قد استسلم للواقع واعترف باللجنة المركزية الحالية، فلم يخفي أبو اللطف أن هناك في اللجنة المركزية من الشرفاء وهناك من العملاء، والذين يشككون في أبواللطف ويدعون إلى يأس الكوادر وإحباطهم بأن قائدهم التاريخي قد تنازل واعترف بالواقع.

نقول أن تجربة التصرفات الإرتدادية التي عانت منها حركة "فتح" في أكثر من إنشقاق، لم تنجح تلك الإنشقاقات، ليس لأنهم كانوا على خطأ، بل كان العامل الإقليمي أقوى من صرخات الشرفاء، فالعجلة الإقليمية والدولية هي المؤثر الأول في البنية القيادية لمنظمة التحرير ولحركة "فتح"، ولذلك لم تصلح الإنشقاقات حالا، بل أضعفت حركة "فتح"، وكانت هي الفرصة لكي يتقوى التيار الإختراقي الإقليمي وهو عبارة عن "كوكتيل" في حركة "فتح"، وكثير من الكوادر تم اقصاءهم نتيجة مطالبتهم بملاحقة الفساد بكل أنواعه، تهم زائفة وباطلة عانى منها كوادر "فتح" الأصلاء ليتمكن الدخلاء من السيطرة على الأطر من خلال مدرسة أبو ماهر غنيم، ومن خلال فعل الإنتفاضة وما أفرزه من اختراقات في الكينونة الفلسطينية.

إذا أبو اللطف لا يمارس ممارسة الإرتداد أو الضربة الإرتدادية، بل يتصرف بكل عقلانية، وبرغم أن هذا الأسلوب يلاقي نقدا شديدا من قبل كثير من الكوادر، ولكن نعتقد أن ما لدى أبو اللطف، والذي لا يريد أن يفصح عنه، وفي ظل الدوائر الإقليمية المؤثرة، فهناك من قال لأبو اللطف لا تمارس أنشطة ضد عباس من اراضينا، وهناك من قال لأبو اللطف لماذا لم تخبرنا قبل أن تتصرف..؟ قوى كان يعول عليها أبو اللطف لتكون قاعدة ارتكازية لكل شرفاء "فتح"، وبدون إنشقاق لتكون مدرسة الكفاح المسلح والنموذج الفتحاوي الذي يعيد الثقة لحركة "فتح" بين جماهيرها أمام مدرسة أوسلو الملوثة بكل أنواع الفساد.

ولا نستبعد أن أبو اللطف قد تلقى تحذيرات، بل تهديدات بمضيه في طريق إرسال السهام الخارقة الحارقة التي تعيد كرامة الكادر الحركي وتعيد كرامة الشهداء، والذين مضوا بالمكائد والمؤامرات وآخرها وليس آخرها إغتيال أبو عمار، واللواء كمال مدحت في الساحة اللبنانية.

هل أبو اللطف الآن مهادن أم عقلاني؟

وهنا نضع أيدينا على بعض ما أتى على لسان الأخ القائد أبو اللطف، حيث قال: "أرجو الإبتعاد عن الدائرة السياسية وموظفيها وإلا سيتعمق الخلاف".

نقول للاخ أبو اللطف حركة "فتح" ليست الدائرة السياسية. وكوادر حركة "فتح" الذين تم اقصاءهم ليسوا في الدائرة السياسية، ولا نتمنى للأخ القائد أبو اللطف أن يلعب في قاع فنجان أمام المساحات الواسعة من الحركة التي يمكن أن يوفرها شرفاء "فتح".

ولا نقبل بأي حال من الأحول أن ينسب مثل هذا التصريح للأخ أبو اللطف، فالأخ أبو اللطف هو أمين سر اللجنة المركزية لحركة "فتح"، أما إذا ارتضى الأخ أبو اللطف أن يهادن ليأخذ حاكورة صغيرة ويفصلها ملعبا له، أقول له أنت مخطئ، ولأنك تعلم بحكم المخضرم ما هو معد للساحة الفلسطينية من خلال اللجنة التنفيذية التي يستحضرها عباس الآن، واللجنة المركزية لحركة "فتح" ومجلسها الثوري، ولن يكون هناك دور للدائرة السياسية في المستقبل إلا إذا كان الدور في مخيلتكم فقط هو صرف الرواتب للعاملين في المؤسسة، فهناك كثير من كوادر "فتح" لا يتلقون الرواتب ولا ينتظرون هذه الرواتب.

إذا هل سلك أبو اللطف طريق المهادنة في ملعب ضيق..؟ وإذا كان هناك من وعود عرضتها دول اقليمية، أو عرضها عباس، فنقول للأخ أبو اللطف المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، فأنت قد لدغت أكثر من مرة، وهناك كوادر لدغوا مائة مرة، ولكن فيهم من أصيب بالغيبوبة والهذيان، ومنهم من ذهب إلى دوائر الشيطان تحت سراب إقامة الدولة التي يرسمها دايتون والمؤسسة الأميركية والصهيونية.

وأقول كلمة أخيرة، وبرغم حالة الإحباط الشديد التي يعاني منها كثير من الكوادر الآن بعد التصريحات الأخيرة، فكوادر "فتح" لن ينهزموا ولن يستسلموا، أما لكم دينكم ولي دين فهذا أسلوب مهادنة لا نقبله من مفجر ثورة في ظروف صعبة.

26/08/2009