الجنس مقابل الغذاء ..

 جمال الهنداوي
 

20/08/2009

هناك بعض الاخبار التي يتمنى المرء عند الارتطام بها لو انه لم يقرأها او يسمع عنها ابدا.. بل قد يتمنى لو انه لم يتعلم القراءة اصلا لكي لا يعاني وطأة التعرض لكل هذا الشعور بالتقزز والغثيان الذي يصيبه عند الابتلاء بتجربة التعايش مع فكرة ان هناك قانون في مكان ما من الارض يسمح للزوج بحرمان زوجته من الطعام إذا رفضت أن تمارس معه الجنس. وان هناك من يعيش باشتراطات عصر ما قبل التدوين في قرننا هذا المعرف بالحادي والعشرين..

فرغم التقارير التي تتحدث عن تحسن طفيف ونسبي في اوضاع المرأة منذ سقوط طالبان ..وإن حقوق المساواة للمرأة مكفولة وموثقة في الدستور الافغاني الذي يقر لها الحق في المشاركة في الحياة السياسية للبلاد. ورغم تمتعها بربع المقاعد في مجلس العموم بالبرلمان الأفغاني وسدسها في مجلس الأعيان ..ورغم قيام الحكومة الأفغانية بالمصادقة على اتفاقية القضاء على التمييز ضد المرأة والتزامها بالإبلاغ عن ما تحرزه من تقدم في وفائها بالالتزامات التي تنص عليها الاتفاقية.. فان الواقع يمد لنا لسانه كل مرة مؤكدا على ان تحسين أحوال المرأة لا يحتاج إلى سن قوانين وتشريعات ثورية فحسب وإنما إلى ضرورة أن يتقبل الرجال المتمتعين بالقدرة على تحريك الامور بالتعايش مع فكرة الشراكة الكاملة معها ..وان ينظروا الى المرأة بعيون جديدة محملة بالتفهم وصدق النوايا ..والتاكيد على مبدأ الحريات العامة وحقوق الانسان ومعتمدين على التعليم كأمر أساسي لتحقيق ذلك..

والمؤسف ان تكون هكذا قرارات نتيجة روتينية للتواطؤ التقليدي المدنس ما بين السياسي ورجل الدين من اجل دغدغة المشاعر البهيمية في احط صورها..ولتحقيق مكاسب انتخابية وقتية زائفة ..حيث تشير جماعات حقوق الانسان إلى أن التوقيت لم يكن مطلقا من قبيل المصادفة، حيث مرر القانون قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة الخميس المقبل مباشرة.
تقول راشيل ريد ممثلة هيومان رايتس ووتش في كابول "كانت هناك عملية مراجعة، لقد تعرض كرزاي لضغوط كبيرة من كل انحاء العالم لتعديل هذا القانون، لكن العديد من المواد الظالمة لا زالت باقية ".وتضيف "ما يهم كرزاي أكثر هو مساندة الاصوليين والمتطرفين في افغانستان الذين يعتقد أنه يحتاج دعمهم في الانتخابات".

ويسمح القانون الجديد للرجل منع الطعام عن زوجته إذا رفضت الاستجابة لرغباته الجنسية، كما ينص على ضرورة حصول المرأة على موافقة زوجها للعمل، ويمنح الآباء والاجداد حصانة حصرية للاطفال.
هذه الممارسات المخجلة تعيد لنا اشكالية اعتبار المرأة نصف كائن اعتمادا على لي متغابن للنصوص الفقهية وتعميم الجزئيات والمفاهيم الدينية على مجمل النظرة المجتمعية للمرأة..ووأد اي محاولة لمناقشة التخريج الفقهي للحالة تحت طائلة الاتهام بالتعرض للشريعة المقدسة ذاتها..

ورغم ان شرعنة مثل هذه الممارسات قد لا يكون ذو اهمية بالنسبة لفقهاء السلطة ..لكننا ونحن نعيش في زمن تغول فقه الترهات والتخبط الشرعي الذي نتنفسه ونقسر على التساكن معه.. وفي عهد رضاع الكبير والتبرك ببول العلماء الاجلاء.. وفي الايام التي وجد بها البعض النصوص التي تجيز لهم اعلان امارة بمساحة لا تتعدى حدود مسجد صغير للصلاة..والتي وجد البعض الاخر من النصوص نفسها ما يشرع لهم ابادة "رعايا " تلك الامارة عن بكرة ابيها..فمن غير المعقول ان يعدم فقهاء الجنس الوسيلة التي تتيح لهم الاهتداء الى الادلة العقلية والنقلية التي تبرر لهم اصدار مثل هذا القانون..