19/08/2009
يعيش الانقسام طريقنا الأمثل للتحرر والتقدم والسلام - عبد الله حوراني

هذه الهتافات تزخر بها الشوارع الفلسطينية ، ويرددها الملايين من أبناء الشعب الفلسطيني احتفاءً بما حققه لهم الانقسام السياسي من حياة سعيدة ، ورخاء في العيش ، وأمن واستقرار، وبالآمال التي أحياها لديهم لإجلاء الاحتلال ، وتحقيق الحرية والاستقلال ، واستعادة قدس الأقداس مهد الرسالات ، وما وفره لهم هذا الانقسام من ضمانات لعودة ملايين اللاجئين لأراضيهم وممتلكاتهم الأصلية التي حرموا منها منذ أكثر من ستين عاماً، وما حققه لهم الانقسام من احترام دولي ، وتأييد لحقوقهم الوطنية . وما وجهه هذا الانقسام من ضربة قاسية لقوى الاحتلال الصهيوني وسياساتها العنصرية بحيث أجبرها على وقف الاستيطان الذي بات يملأ الضفة الغربية ، وإزالة الحواجز التي تقطع أوصالها، ورفع الحصار عن قطاع غزة ، وفتح المعابر، والسماح بتدفق أموال الدعم الخارجية لإعادة إعمار غزة ، ودفع حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف للتراجع عن إصرارها على الاعتراف الفلسطيني والعربي بيهودية الدولة الإسرائيلية وعنصريتها .

كما جلبَ الانقسام الفرصة لألوف العائلات الفلسطينية بنجاحه في إجبار إسرائيل على الإفراج عن آلاف المعتقلين من المناضلين الفلسطينيين.

ووجه الانقسام رسالة واضحة وصريحة للجماهير العربية وقواها وأحزابها السياسية داعياً إياها لانتهاج هذا النهج الانقسامي الفلسطيني ، واعتماده كسبيل لتقوية الموقف العربي وتحقيق الوحدة العربية .

كما كان نجاح الانقسام الفلسطيني في إفشال الوساطات العربية لإنهائه دعوة واضحة للدول العربية لعدم التدخل في الشؤون الفلسطينية ، إذ أن التدخل العربي هذا يعتبر مساساً بالقرار الوطني الفلسطيني واستقلاليته . ولأن القضية الفلسطينية هي قضية تخص الفلسطينيين وحدهم ، ولا علاقة للأمة العربية بها ، ولا تحتاج لأي دعم عربي لها .

وأمام هذه النجاحات والانجازات التي حققها الانقسام ، لم تنس الجماهير الفلسطينية أن توجه تحيتها وتقديرها ـ عبر هتافاتها ـ لكل القوى السياسية والفصائل الفلسطينية التي حققت هذا الانقسام ، وحافظت عليه ، وتصدت لكل المحاولات والتدخلات التي قامت بها أطراف عربية لإنهائه ، وأفشلتها .

هذه الرؤية لما فعله الانقسام هي رؤية ساخرة قيلت للاستهزاء به وبأطرافه ، ولتذكير شعبنا بكل ما ألحقه الانقسام من أذى ودمار بالقضية الوطنية . فالقضايا التي ذكرنا في الفقرات السابقة ـ من باب السخرية والاشمئزاز ـ أن الانقسام قد نجح في تحقيقها ، هي جميعا، وبالفعل، ما ضر بها الانقسام بقسوة ، وأوقع فيها أفدح الخسائر التي طالت الشعب الفلسطيني وقضيته وحياته ومستقبله . وبالتالي إذا كان هناك من هتافات وتظاهرات تتعلق بالانقسام فهي صرخات غضب ضده، وأنات حزن وبكاء على ما أحدثه من جرائم، وإدانات ولعنات لكل من عمل على هذا الانقسام أو شارك فيه أو ما يزال متمسكا به .

والسؤال هنا هل تفكر أطراف الانقسام بما ألحقته جريمتها من مصائب ضد أبناء شعبهم وحقوقهم الوطنية؟ وهل يدركون فعلاً نتائجه المدمرة ؟ بل هل يفكرون أصلاً بمصالح شعبهم ومطالبه وهمومه ؟ .... أم أنهم لا يفكرون إلا بمصالحهم هم كفصائل وقوى ، وما يفكر بعضهم كأفراد بالمناصب والمكاسب والامتيازات سواءٌ من فقدوها ويسعون لاستعادتها ، أو من استحوذوا عليها ويصرون على التمسك بها وعدم التفريط فيها ...؟

والغريب أن أطراف الانقسام تدعي أن ما أدى إليه وما يدعو للتمسك به ، هو الدفاع عن مصالح الشعب ، والحفاظ على حقوقه الوطنية ، رغم كل ما ألحقته نتائج هذا الانقسام من أضرار وخراب بالشعب وحقوقه ، ومن الصعب أن تمحي أثاره . ذلك أن هذه النتائج السلبية ليست سياسية أو اقتصادية فقط . وإنما الأخطر هو النتائج التربوية والثقافية والاجتماعية. فالإعلام الذي ينشر الانقسام ويبرره ويدافع عنه يستخدم لغة الكره والحقد والتخوين والتكفير، وهو ما يعزز الانقسام ويعمقه في أذهان الأجيال الشابة بحيث يحتاج الأمر في حال المصلحة إلى وقت طويل قد يمتد لسنوات لمحو ما تأصل في ذهن هذه الأجيال من أحقاد ومفاهيم خاطئة بما في ذلك ما أصاب ديننا الحنيف من تفسيرات خاطئة وتشويهات . هذا فضلاً عن رغبة الثأر التي انتشرت وتعززت في المجتمع الفلسطيني نتيجة جرائم القتل الكثيرة التي حدثت .

وبسبب الأحداث التي جرت في غزة والأحوال التي تعيشها من حصار وفقر ودمار وجوع وأمراض، نمت في قطاع غزة رغبة شديدة في الهجرة لدى الأجيال الشابة تتجاوز، حسب الإحصائيات، السبعين في المائة، وهو ما يشكل خطراً كبيراً على حق العودة الذي يدعي الجميع حرصهم عليه ، وتمسكهم به .

كل هذه المآسي التي أحدثها الانقسام ، وتأثيراتها السلبية على الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية ، يبدو أنها لا تقع في حسبان أطراف الخلاف الداخلي ، إذ لم تكن موضع نقاش بينهم خلال جلسات الحوار ، ولو كانت بالفعل هي العنوان الأساسي للحوار ، لتخلصنا من الانقسام منذ زمن طويل . أي أن مصلحة الشعب لم تكن هي موضع الاهتمام. حتى الحلول السياسية لموضوع الصراع مع العدو الصهيوني، لم تكن هي موضع الخلاف الذي يجري الحوار حوله. إذ أن كلا الطرفين الأساسين ، وبقية الأطراف، متفقة على حل الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران وعاصمتها القدس، ووقف الاستيطان وإزالته ، والتمسك بحق اللاجئين في العودة . بل كان عنوان الحوار هو الخلاف على السلطة، وحصة كل طرف في الحكومة، والوظائف الكبرى، وأجهزة الأمن ، وأموال الاعمار، ومنظمة التحرير، وقوانين الانتخابات ، ونسبتها، التي ترجح كفة طرف على الآخر .

بشكل عام كانت المصلحة العامة هي الغائبة عن طاولة الحوار وغابت معها الحكمة والعقلانية، مع أن من كان يشاهد أطراف الخلاف وهم يتبادلون الحديث أو يجلسون مع بعضهم البعض كان يدهشه ما يتبادلونه من "نكات" وضحكات وكأن لاخلاف بينهم. وكنت أتساءَل في داخلي : ماذا سيكون موقف شعبنا منهم لو رآهم على هذه الحال من البهجة والسرور؟ وهو ما صارحتهم به قائلاً : إن شعبنا سيحاسبكم حساباً عسيراً لو رآكم على هذه الصورة في الوقت الذي ترفضون الاتفاق بينكم ، ولا تأخذون في الاعتبار حالة البؤس واليأس التي يعيشها شعبكم.

وأذكر ، في إحدى جلسات الحوار، وكنت من بين الشخصيات الوطنية المستقلة المشاركة في لجنة المرجعية العليا للحوار التي تضم رؤساء وفود الفصائل، والتي من بين مهماتها حل نقاط الخلاف الموجودة في اللجان الفرعية الخاصة بموضوعات الحوار الخمسة ...جاءَنا المسؤول الكبير في جهاز المخابرات المصرية ، المشرف على الحوار، ليحثنا على بذل جهد أكبر لحل الخلافات القائمة. وبدأ حديثه معنا بقوله : أخاطبكم بوصفكم حكماء. فقلت له من هم الحكماء؟ قال: أنتم، فأجبته لسنا حكماء. فقال : إذن عقلاء. فأجبت: ولسنا عقلاء أيضاً. فتساءَل لماذا؟ فقلت: لأننا لو كنا عقلاء وحكماء ما كنا أمضينا عامين من القسمة والخلاف، وما كنا أفشلنا كل محاولات المصالحة التي تقدمت بها أطراف عديدة، وما كنا تركنا شعبنا يعاني من حالة الانقسام، وما كنا أوصلنا قضيتنا الوطنية إلى هذا الحد من التراجع . ولما كنا فقدنا احترام شعبنا وأشقائنا العرب والمجتمع الدولي . ولما كنا وفرنا كل هذه الفرص للعدو الصهيوني ليزيد من حصاره علينا، ويشدد من قبضته على شعبنا وحقوقنا الوطنية. وأضفت: إن ما يقلل من حكمتنا وعقلانيتنا أن خلافنا ، للأسف الشديد ، ليس على مصالح شعبنا وحقوقه، وإلا لكان الخلاف مفهوماً، وإنما خلافنا على المصالح والمكاسب السلطوية والفصائلية .

ومع استمرار الخلاف طيلة أيام الحوار الشامل الذي جرى في شهر مارس (آذار) الماضي ، تذكرت قول الشاعر القروي بخصوص الوحدة الوطنية والقومية التي يجب ألا تسمح لأي فرقة دينية أو مذهبية أو سياسية أن تعيقها أو تعرقلها . وتحدثت في إحدى جلساتنا غير الرسمية مع الأخوة الحضور من قادة الفصائل ، ومن بينهم الدكتور موسى أبو مرزوق، رئيس وفد حركة حماس، حول ضرورة توصلنا، وعودتنا للوحدة الوطنية، واستشهدت بما قاله الشاعر القروي ، بعد أن بينت لهم أنه شاعر عربي لبناني من أتباع ديانة سيدنا المسيح عليه السلام، وأسمه سليم رشيد الخوري. حيث قال :

سلام على كفر يوحد بيننا وأهلا وسهلاً بعده بجهنم

وحتى لا يُساء فهم أو تفسير ما قصدته أو ما قصده الشاعر حول معنى الوحدة...أضفت: أن الشاعر نفسه ، ومن باب حرصه على وحدة الأمة، ووحدة موقفها النضالي، أيا كانت انتماءات أبنائها الدينية، قال أيضا:

إذا مارُمت رفع الضيم فاضرب بسيف محمد واهجر يسوعا

وإذا كنت قد أشرت لبعض ما جرى من أحاديث خلال جلسات الحوار الشامل السابقة فذلك لأننا مقبلون ـ كما يقال ـ على جلسات حوار ختامية تعقد أواخر الشهر الجاري، فهل يا ترى سنستوعب دروس سنوات الانقسام العجاف التي عاشها شعبنا وقضيته؟ وهل سنترفع عن المصالح الذاتية والفصائلية والسلطوية، ونضع المصالح الوطنية فوق كل هذه الاعتبارات ؟ فنسقط الانقسام ، ونستعيد الوحدة، أم أننا سنحافظ على الانقسام ، ونبقي على النتائج المدمرة التي أوقعها؟؟ أسئلة كثيرة ينتظر شعبنا الإجابة عليها .

alhourani@alhourani.org