حول انعطافة فتح العباسية - فيصل جلول
 

19/08/2009

احيطت الانتخابات الاخيرة في حركة "فتح" بعبارات تفضيلية خليقة بمناسبات عربية من الطراز نفسه مع فارق مهم هذه المرة يكمن في التغطية الصحافية الغربية الواسعة التي اتسمت عموما بالرضا والاوصاف الايجابية وخلت من الانتقادات والاشارات النازعة الى قياس "الديموقراطية" العباسية على القواعد المعتمدة في البلدان الغربية.

وإذ رأى "محللون" على قرب واضح من السلطة الفلسطينية ان انتخابات اللجنة المركزية والمجلس الثوري قد افضت الى تولي جيل جديد لمراكز القرار الفعلية في حركة التحرير الفلسطيني وبالتالي ارسال "الحرس القديم" الى التقاعد وافقتها الاوساط الغربية الرأي مع علمها التام ان السيد محمود عباس قد انتخب بالتصفيق وبالاجماع رئيسا لفتح من طرف المؤتمر وقبل انتخاب الهيئات الاخرى مع انه ينتمي هو ايضا الى الحرس القديم بل الاقدم بوصفه احد مؤسسي الحركة منذ تأسيسها في العام 1965 .

لم يسأل "اساتذة" الديموقراطية الغربيون عن ظروف انعقاد المؤتمر في بيت لحم مع علم المنظمين ان ذلك سيؤدي حتما الى مقاطعة قسم وافر من فتحاوي الخارج الذين اصروا على البقاء في الشتات منذ توقيع اتفاقات اوسلو عام 1993 وان قسما اخر لن يحصل ـ لو اراد المشاركة ـ على إذن اسرائيلي بالوصول الى قاعة المؤتمر بسبب معارضته للاتفاقات.

ولم يرَ اساتذة الديموقراطية الغربيون عيبا في ان يقتصر تمثيل فلسطينيي الخارج على السيد سلطان ابو العينين مسؤول فتح في لبنان وأن تمثل غزة بحجم ضئيل للغاية وغالبا من خارجها ولعل النقطة الوحيدة التي اثارت استياءهم تتعلق بتمسك الحركة بخيار الكفاح المسلح اذا ما فشلت المفاوضات في اقامة دولة فلسطينية مستقلة. وغني عن الذكر ان غضب الدعاة الغربيين ورضاهم عن مؤتمر فتح الاخير جاء مطابقا لغضب ورضا اسرائيل التي لم تخف يوما اعجابها بالمسؤولين الفلسطينيين عن ملف أوسلو ممن صاروا اليوم يشغلون مواقع القرار الحاسمة في الحركة الفلسطينية.

وبعيدا عن تفضيل "الديموقراطيين" المزعومين عندنا وعندهم للخط الفتحاوي المستمد من اتفاقات اوسلو وحكمهم بوجوب تقاعد ممثلي الخط الاخر يمكن القول ان حركة "فتح" قد شهدت في مؤتمرها الاخير منعطفا "عباسيا" حاسما وباتت خالية من اصوات وازنة في معارضة او تصويب المسار العباسي (نسبة الى الرئيس محمود عباس) ذلك ان المعترضين على اعمال المؤتمر هم من اهل البيت بل من الذين يقفون على يمين الرئيس الفلسطيني شأن السيد احمد قريع المعروف بكنية ابو علاء الذي فشل في انتخابات اللجنة المركزية للحركة او نبيل عمرو السفير الفلسطيني في القاهرة والمدافع العنيد عن السياسة "العباسية". اما المنافسون الجديون للسيد ابو مازن في الهيئات المنتخبة فهم اما اقلية محاصرة تعوم في مياه عباسية شأن السيد محمود العالول مساعد القائد الراحل خليل الوزير (ابو جهاد) او يقبع في السجن المؤبد شأن السيد مروان البرغوتي المعروف بنقده اللاذع لاتفاق اوسلو وباصراره على التفاوض مع اسرائيل في ظل النضال المسلح وليس عبر وضع حد له ومن المتوقع ان تبتعد فرص الافراج عنه بعد انتخابه عضوا في اللجنة المركزية للحركة.

ومن غير المستبعد ان ينجح ابو مازن في ترتيب شؤون المجلس الوطني الفلسطيني على قياس ما جرى في المؤتمر الفتحاوي الاخير خصوصا ان المؤتمر الوطني سينعقد في رام الله وفق شروط انعقاد مؤتمر فتح وهو يلتئم قبل المصالحة التامة مع حماس وبالتالي ضمها والجهاد الاسلامي الى المؤتمر المذكور. وان تم له ذلك يكون ابو مازن قد اخذ المؤسسات الفتحاوية والفلسطينية التمثيلية الى حيث يريد وتكون هذه المؤسسات اقرب الى صورة الحل المرتقب في اوسلو للقضية الفلسطينية وبالتالي تحريرها من ثقل الشتات الفلسطيني الذي لطالما تحمل تضحيات جمة من كل نوع لقاء وعد فتحاوي بالعودة يوما الى فلسطين.

يبقى الرهان الافتراضي على التيار الذي تولى السلطة في فتح بمنافسة حماس واستعادة الق "الحركة" ونفوذها السابق في الانتخابات التشريعية والرئاسية المقبلة. فهل يتمكن ابو مازن وانصاره من تحقيق هذا الهدف بعد ان صار سيد فتح بلا منازع؟ أغلب الظن ان انتقال السلطة في فتح من "العرفاتية" الى "العباسية" يصب الماء في طاحونة "حماس" ويعزز فرصها في ان تكون المحور الابرز الذي تدور حوله حركة الشعب الفلسطيني الاستقلالية ذلك أن حماس نجحت في احتلال المواقع الامامية في مواجهة الاحتلال الاسرائيلي بعد ان اخلتها فتح عقب "اوسلو". ولعل ياسر عرفات ادرك متأخرا معنى الصعود الحمساوي فكان ان رعى نشوء حركة شهداء الاقصى التي قادها مروان البرغوتي بشروط عرفاتية عمادها التفاوض والضغط المسلح وتمكن بذلك من تحجيم حماس والحد من اندفاعها اما اليوم فمن الصعب تحجيم حماس عبر تيار عباسي حصري لا يكف عن الرهان على المجتمع الدولي بوصفه العبارة الوحيدة القادرة على نقل الفلسطينيين من ضفة الاحتلال الى ضفة الاستقلال خصوصا عندما يطول الانتظار ويستمر الاستيطان وتنام الامم المتحدة على مآسي الاجيال الفلسطينية المتعاقبة.