"اسرائيل" إذ تتظلم لتراجع سيطرتها

 فيصل جلول

تزامنت خلال يومين مجموعة من الاخبار التي تستدعي النظر في اتجاه واحد. يفيد الخبر الاول ان وسطاء غربيين نقلوا الى الجزائر مخاوف اسرائيلية من تنامي القوة البحرية الجزائرية في المتوسط معتبرين ان ارتباط الجزائر ب "اتفاقية الدفاع العربي المشترك" من شأنه ان يملي عليها الاشتراك في حرب عربية اسرائيلية محتملة ذات يوم وبالتالي تعريض الاسطول التجاري الاسرائيلي في المتوسط للخطر حيث يمر اكثر من 70 بالمئة من الصادرات العبرية . وتفيد جريدة "الخبر" الجزائرية التي نشرت التفاصيل ان هذه المخاوف سبق ان نقلها دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الامريكي في زيارة للجزائر العاصمة عام 2006 .!!

وجاء في تقرير صدر عن مؤسسة "راند" الامريكية أن "اسرائيل" تعيش حالا من القلق ازاء الانسحاب الأمريكي من العراق فهو يزيد المخاطر على الامن الاسرائيلي لسببين. الاول لارتباط هذا الامن بمكانة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط وبالتالي فان ضعفها ينعكس مباشرة على الامن الاسرائيلي. والثاني لان الانسحاب من العراق يعزز نفوذ الاطراف المناهضة لاسرائيل ويضعف مكانة ما يسمى ب " المعتدلين" في المنطقة.!!

و نشرت صحيفة "الرأي" الكويتية مقابلة مع شيمون بيريس أكد فيها ان بلاده قلقة من 80 الف صاروخ جمعها حزب الله وزعم ان المقاومة تسيطر على لبنان وانه يتمنى ان يكون هذا البلد "سويسرا الشرق" و تنصل من المسؤولية عن اغتيال المسؤول العسكري في المقاومة اللبنانية عماد مغنية وطالب سوريا بارسال خالد مشعل الى غزة فهناك سيكون "معتدلا".!!

وفي هذا الوقت ابدى وزير الخارجية الصهيوني افيغدور ليبرمان قلقه من نشر جريدة سويدية تفاصيل عن استئصال أعضاء بشرية من سجناء ومقاتلين فلسطينيين والاتجار بها وحاول ابتزاز السويد بقوله ان هذا البلد كان متواطئا بصمته عن المحرقة النازية في الحرب العالمية الثانية وذلك من اجل حمل الحكومة على ادانةالمقال المذكور لكنها لم تتراجع واصرت على اعتبار المنشور جزءا من حرية التعبير المصانة في هذا البلد.

وبموزاة "المخاوف" و"القلق" الاسرائيلي الذي وصل الى السويد مرورا بالجزائر ولبنان والعراق استبعد وزير الخارجية نفسه، إمكان التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين في الأعوام الستة عشر المقبلة، معتبرا السعي الأميركي إلى إبرام اتفاق سلام خلال عامين بأنه غير واقعي. ودعا في حديث مع مراسلي وسائل الإعلام العبرية ، إلى عدم الشعور بالحاجة إلى اختراع الدول" والإتيان بحلول غير قابلة للتطبيق، مذكّراً بأن السلام لم يتحقق خلال 16 عاماً (تاريخ توقيع اتفاقيات أوسلو)، رغم أننا أعطينا كل شيء، وأنا أراهن على أنه لن يكون هناك سلام بعد 16 عاماً، وبالتأكيد ليس على قاعدة دولتين لشعبين" اما السلام مع سوريا فهو مقابل "السلام" وليس الارض طالما ان دمشق لم تقطع علاقاتها مع ايران ولم تبعد المنظمات الفلسطينية المقاتلة عن اراضيها ولم تتصدى لحزب الله. ودائما بحسب ليبرمان.

هذا غيض من فيض يومين فقط ولو عدنا الى الاخبار العبرية في اسبوع لربما عثرنا على "مخاوف إسرائيلية امنية" مزعومة من التقارب التركي ـ الايراني ـ السوري ومن " استراتيجة الخروج" من أفغانستان ومن تجميد الولايات المتحدة الامريكية لقضية الدرع الصاروخية في بولونيا وتشيخيا ومن استئناف التقارب بين الكوريتين.. الخ.

هكذا اذن لا يتبدد القلق الاسرائيلي الا اذا بقي العراق تحت الاحتلال الامريكي وصار لبنان "سويسرا الشرق" وامتنعت الجزائر عن حماية حدودها البحرية و قطعت سوريا علاقاتها مع ايران وتيارات شعبية عريضة في العالم العربي و تنكرت السويد لحرية التعبير .ووافق العالم على احتلالها للاراضي الفلسطينية المحتلة حتى العام 2025 معطوفا على حصار غزة وخنقها ولم يكترث لبقاء الجولان السوري تحت الاحتلال ومثله مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر اللبنانية. وبما أن اسرائيل عاجزة عن تحقيق هذا كله فهي تعول على واشنطن والغرب لتحقيقه.

لم يجتمع من قبل خطاب الضحية والتظلم مع الكذب والقتل والتعدي على الحقوق والتهديد بالقوة ورفض السلام في صفحة اخبارواحدة لدولة واحدة كما اجتمع للتو في التصريحات العبرية. لم تتظلم من قبل دولة واحدة في العالم لعجزها عن السيطرة والترهيب الا هذه الدولة التي لا تريد العيش في الشرق الاوسط وشمال افريقيا الا عبر ترهيب العرب والمسلمين والسيطرة على منطقتهم.

أغلب الظن أن الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة لم يعد قادرا على تسويق خطاب هذه "الدولة المتوحشة" وضمان سيطرتها على جيرانها ولا مبالغة في القول ان كلفة حماية إسرائيل باتت اعلى من فوائد هذه الحماية على كل صعيد وان تجريدها من سياستها المتغطرسة بات شرطا لاستقرار الشرق الاوسط ولحماية مصالح امريكا والغرب ولعل اوباما يقترب بحذر من هذه الحقيقة فهل يحكم امساكها قبل فوات الاوان؟ هذا سؤال مليوني كما يقال في العاب الحظ والثروة.
 

27/08/2009