العراق: فناء البشر والحجر

نهلة الشهال

يُخرج نظام المحاصصة المذهبية والعرقية أحشاءه إلى العلن. تسقط مئة ضحية في لحظة واحدة فيتبادل الوزراء والمسؤولون الاتهامات، ويلمح كل واحد منهم إلى جهة يعاديها ويرى أنها تقف وراء الفعل.

تمّحي حيوات القتلى والجرحى، وينزلق المشهد إلى مهاترة سوقية، وإلى تفاصيل. يتمتم رئيس الوزراء بكلام مبهم عن هزيمة الإرهاب، رغم خروقات هنا وهناك: أهذا تفاؤل أم عجز؟ ويَجمع مسؤولي الأجهزة الأمنية ويطلب منهم تغيير خططهم: نحو ماذا؟ أما وزير الخارجية الذي استُهدفت وزارته، وهو كردي، وجماعته منزعجون من انسحاب القوات الأميركية من المدن العراقية، بل من نواياها الشريرة بالانسحاب من البلد، فيبشر الناس بأن الآتي أعظم (هكذا حرفياً والله)، ويحمّل مسؤولية ما جرى للمالكي الذي... اتخذ قراراً متعجلاً بإزالة السواتر الإسمنتية التي كانت تزنر كل شوارع بغداد، فلولا ذلك لما... أما وزير الدفاع الذي استهدفت وزارته هو الآخر، وهذا سنّي، فيرى يد سوريا وإيران وراء الحدث: مَن غيرهما! بينما وزير الداخلية، وهو شيعي، يرى الحدود مضبوطة تماماً: أعداؤه هم القاعدة والبعث.

تسيطر كل جماعة على جهاز أمني من أجهزة الدولة ـ أتكلم عن العراق! ـ وينصرف جهد أساسي لكل جهاز في مراقبة الجهاز الآخر، وفي صنع الفخاخ له، ثم في السعي العملي لإثبات صحة وجهة النظر السياسية للجماعة التي ينتمي إليها (مجدداً، أتكلم عن العراق).

يقيل رئيس الوزراء ضبّاطاً ومسؤولي أجهزة بتهمة التقصير، وكأنه يمكن ضبط الوضع الأمني بتحسين الخطط والترتيبات والآليات. كأن الأمن مسألة تقنية. وهو ليس كذلك في أي مكان، فكيف في بلد كالعراق، مترامي الأطراف، مصطخب، مثقل بإرث هائل من الدماء، فككه ما عاشه منذ الديكتاتورية الصدّامية البشعة وحتى الاحتلال الأميركي الأبشع، مروراً بثلاث حروب إفنائية. والعراق يمفصل ثلاث إمبرطوريات، فرس وترك وعرب، بعضها صاعد، وبعضها الآخر يحتضر، ويختزن ثاني احتياط عالمي للذهب الأسود والغاز، وما خفي من ثروات أخرى.

تظن كل جماعة أن أهواءها لحكم العراق قابلة للحياة لو تتخلص من الآخرين أو تحجمهم، فتكون لها القيادة. وهي إذ تمتثل إلى الاضطرار لتقاسم السلطة، تجد ذلك واقعاً مريراً.

هذا ما يُطلق عليه اسم العملية السياسية: تقنين المحاصصة في تقاسم دقيق للسلطة والثروة، وهما متلازمان. والثروة هنا نهب هائل مكشوف سيؤرخه التاريخ. وإن كان نهب الغزاة البيض لقارة أميركا المكتشفة حديثاً قد ساهم جدياً في نشوء الرأسمالية في أوروبا، فنهب العراق صُرف فيلات فخمة ويخوتاً للمسؤولين الأمريكان وزبانيتهم، وعقارات وميليشيات للمسؤولين العراقيين... وقد وصل الأمر إلى حد النهب الحرفي للمصارف، أي السطو عليها كما في الأفلام، من جماعة تابعة لمسؤولين كبار. بينما لم تفلح القدرة التقنية للقوة العالمية العظمى، ولا كل الطواقم المحلية التي حكمت في ظلها، بترميم شبكة الكهرباء أو إيصال مياه الشفة للناس. ويقال إنّه ذنب الإرهابيين الذين يفجرون أي ورشة عمل. ولكل جهة إرهابيوها، يسعون إلى إفشال ما تبادر إليه جهة أخرى، التي تبادر ـ إن بادرت ـ بغاية إثبات أنها أحسن من سواها. أين الناس ومصالحهم وحاضرهم وغدهم في هذا؟

ثم من يأبه؟ الصراع على العراق وفيه يجري وكأنه أرض خلاء. والناس في هذا الصراع وقود أو رهائن ليس إلا. ما هو، يا ترى، التصور السياسي الذي يحرك ويمثّل هذه الجهة أو تلك؟ مشروعها للبلد، ما تدعو إليه وتحفز الخيال والإرادات حوله، ثم تقديرها للحظة، والمقترحات المتوجبة على كل ذلك. هنا صمت مطبق، هنا فراغ تام، هنا يخرّ العراق صريعاً.

يجمع المسؤولون، إلى أي جهة انتموا (يجمعون على شيء!)، أن المستهدف من وراء استعادة عمليات التفجير بمثل هذا الحجم والنطاق هو الانتخابات النيابية المقبلة في كانون الثاني 2010. أي أن الحملة بدأت مبكراً وعلى هذه الشاكلة، لإخافة الناس واستقطابهم ودفعهم للتصويت في هذه الوجهة أو تلك، لإفشال هذا أو ذاك من الزعماء، أو للضغط عليه من أجل إقناعه بهذه الخريطة أو تلك من خرائط التحالفات، بهذا النصيب أو ذاك من الحصص. والمحاصصة لا تتعلق فحسب بحصص القوى الكبرى المختلفة نوعياً (أي طائفياً وعرقياً... ولن نقول سياسياً، طالما لا سياسة في كل هذا)، بل هي تنحدر داخل كل نوع، حتى أصغر زاروب.
بشاعة تثير التقيؤ. وعبثية لن تفضي إلى شيء... سوى إلى مزيد من الخراب.

ملاحظة: كل شبه مع حالات أخرى محض صدفة.

 

25/08/2009 
الأخبار