"فتح" بيت لحم... و "صحواتها" ! - عبد اللطيف مهنا
 

 

16/08/2009


 

ربما لم يسبق و أن حظي مؤتمر عام لتنظيم أو لحزب فلسطيني أو عربي بمثل هذا الإهتمام و المتابعة الرسمية و الشعبية و الإعلامية، اللذين حظي بهما مؤتمر فتح / اللجنة المركزية / السادس، الذي عقد في بيت لحم المحتلة. و قد يمر وقت ليس بالقصير على انفضاضه ليظل مبعث إنشغال المنشغلين بالآثار و الذيول المترتبة عليه، و ما قد تستدعي نتائجه من تداعيات و انعكاسات، لعل فيها ما سوف يبرر مثل هذا الذي حظي به، على الصعيدين الوطني و القومي، من الإهتمام و المتابعة.

المؤتمر العام الذي تأخر لما يقارب العقدين من الزمن، لم يحظ بهذا كله لما يعنيه فقط مسمى فتح في الذاكرة الفلسطينية و العربية، و المقترن دائماً بإطلاق الرصاصة المناضلة الأولى، التي أذنت بإندلاع الثورة الفلسطينية المعاصرة، التي كانت قد فجرتها و قادتها لعقود و قدمت على مذبحها و خلال مسيرتها القوافل من الشهداء من قادة و كوادر و فدائيين ، و هذا ما أحاله واقعها الراهن و إنعطافتها الأوسلوية إلى التاريخ، و إنما لكونه ينعقد في مرحلة مصيرية خطرة و صعبة و تصفوية تمر بها القضية الفلسطينية، و إن مجرد انعقاده، موعداً و مكاناً، و بتركيبته و تشكيلته التي كان عليها، قد حسم الكثير من اللغط الداخلي حول التوجهات و الخلافات الداخلية التي سبقته و كثر الكلام حولها، و يعد نقطة مفصلية بالنسبة لفتح الأوسلوية، بل و القضية عموماً، وسيكون له ما بعده.

و عندما نقول التوجهات و الخلافات، فنعني بها ما كان يطفو أو يثار، لاسيما بين مركز قرارها و قاعدتها، أو بين رموزها أحياناً. أما بعد انعقاد المؤتمر و ما جرى خلاله، فالواقع يقول أن هذه التوجهات قد حسمها خطاب أبو مازن في افتتاح المؤتمر، أما ما تدعى الخلافات، و هي كانت و تظل في التقليد الفتحاوي طبيعية، فقد كانت هامشية و انتخابية، لاسيما في غياب التقارير الحركية، و البرنامج السياسي، اللذين إستعيض عنهما بهذا الخطاب، الذي لم يأتي فيه صاحبه بما هو مختلف عن أفكار أبو مازن العامة المعروفة التي تعكس منطقه و نهجه و توجهاته المعهودة. و عندما تم فوزه بالإجماع و بالتزكية رئيساً للجنة المركزية الجديدة، تم موضوعياً إقرار برنامجه المستعاض به هذا، هذا الذي يعني ببساطة إكمال مسيرة تسووية بدأت قبل أوسلو، و تجديد الإرتهان لخيارها الوحيد، و هو، فاوض، و فاوض، و فاوض إلى ما شاء الله، و إقبل ما عساهم يعطونه لك... و عموماً، إنهاء شرعية ثورة لصالح شرعية سلطة بلا سلطة و تحت الإحتلال.

لقد بدا و كأنما المؤتمر قد عقد فقط لينتخب من انتخبهم، حيث في ظل انعدام النقاشات السياسية، و واقع الإبتعاد عن مقاربة كل ما هو استراتيجي، كان المطلوب أن تتماهى حركة كانت ثورية مع سلطة نظرية، مع تغيير في الوجوه بلا تغيير في الجوهر. و حيث تمت مبايعة رئيسها، أُزيح الحرس القديم لصالح الجديد الذي تعكس جدته إعادة ترتيب توازنات، أو إفرازاً حركياً للقوى صاحبة القرار في الحركة-السلطة، أما ما بقي من قلة قديمة من الرموز فيظل هامشياً، أو هم ما كانوا دائماً كذلك، أو عندما يكون القرار فهم سيظلون كالعادة في منزلة صفر حافظ منزله!

هنا، يجب الانتباه إلى زيف بعض التوصيفات الإعلامية التي تحدثت عن صراع أجيال، إذ أن الغالبية التي جاءت إلى اللجنة المركزية هم شيوخ لا شباب، و قد انقسموا ما بين مفاوض و مستشار للرئيس و مسؤول أمني، حيث فاز، كما هو معروف، أربعة من قادة الأمن و المنسقين مع الاحتلال، و إجمالاً كان تنافساً بين من هم في خندق واحد و تحت خيمة واحدة، و يتصارعون على مناصب و ليس على ترجيح برامج أو رؤى أو حتى صلاحيات. و اقتصر هذا الميدان على جماعة الداخل، أما الخارج، الذي لم يعد في الحسبان الأوسلوي، فلم يكن منه فائز إلا واحداً هو من داخل السرب و ليس من خارجه، و ربما لما سيوكل إليه من مهام تقتضيها أهمية الساحة التي قدم منها، و نعني اللبنانية، أو دوره المنشود في سياق ما قد تخبئه المرحلة التسووية القادمة....

سوف تتكشف في الأيام القادمة الكثير من الملابسات التي أحاطت بالمؤتمر، أعداداً، ووقائعاً، و إخراجاً، و بدأ من الآن تكفُّل جزءٍ من الخاسرين بنشر غسيله، و هم يعدون بالمزيد في قادم الأيام، و قد لا يكون مهماً الكلام عن تركيبة المؤتمر، و كيف جرى الإعداد له، أو من دُعي و من استُبعد، و كيف جرى التصويت، أو ما يقال عن استبدال فائز بخاسر، و هكذا، و كل هذا الجدل و الإتهامات أو التراشق الذي تعالى حتى قبل انفضاض المؤتمر، لأن هذه الأمور إنما هي لا تفاجئ عارفاً بواقع هذه الحركة راهناً، ثم إنما هي تحصيل حاصل بالنسبة للظروف الوطنية و القومية و الدولية التي أحاطت بعقده، أو سهلت له، بل التي قضت أو ساعدت بأن يكون على مثل هذه الصورة و هذا المآل و ليس عداهما.

ثم علينا أن لا ننسى أنه إنما مؤتمر تقرر أن يعقد في ظل احتلال يمنع من يمنع من القادمين من الخارج و يوافق على من يوافق على قدومه، و بتمويل من ما تسمى "الدول المانحة"، و تحت عين ما يدعونها "الشرعية الدولية" و هاجس الإنسجام معها و الإستقواء بها، إلى جانب استنكاف عدد غير قليل من الأعضاء عن هذا الحضور، ثم ما أحيط بعدم حضور 400 عضواً من غزة له و طريقة تصويت من صوت و من لم يصوت منهم، فتضخمه رغم عدم حضور من لم يحضر،بحيث أن مؤتمراً عاماً للحزب الشيوعي الصيني سوف يبدو متواضعاً إزاء عديد من حضره، و عليه، كان ليس غريباً أن يسفر عما أسفر عنه، أي أنه، و باختصار، كان انعكاساً طبيعياً لواقع "فتح الداخل"، أو "فتح السلطة"، أو فتح الأوسلوية...

إن المفارقة الخطرة هنا، هو أن مثل هذا المؤتمر، الذي لم تكن من نقاشات سياسية جوهرية فيه، سوف تكون له نتائج سياسية كبيرة مفصلية و خطرة سيكون لها أثرها على جوهر القضية و مسارات الصراع في فلسطين، حيث سمعنا من أحد الرموز الأوسلوية الكبيرة الخاسرة فيه، كلاماً ما كنا سنسمعه منه لوفاز، إنه شيخ المفاوضين و أحد رمزيّ أوسلو، أبو علاء أحمد قريع، الذي دفعته الخسارة إلى هجاء المؤتمر و المؤتمرين و التشكيك في شرعيته، متحدثاً عن "ترتيبات خلف الستار" أعدت لاستبعاد من استبعد من الفوز، في سياق ما وصفه ب "البحث عن بصّيمة"... سمعناه يقول:

إن "هناك عروضاً لدولة مؤقتة و حل بلا لاجئين و قدس، و تقطيع أوصال، و كتل استيطانية باقية، و يبدو أن بعض الناس يضعون ذلك في الإعتبار"!

على أية حال، و قبل انجاز فرز أصوات انتخاب الهيئة الثانية المطلوب انتخابها الذي طال و بدأ التشكيك في نتائجه و ما سيؤول إليه، المجلس الثوري، بدأ العديدين مع أبو علاء في نشر الغسيل... و الأيام القادمة قد تأتي بالمفاجآت، في حركة تنوء تحت ثقل موروثها النضالي و كبواتها... فجرت الثورة الفلسطينية المعاصرة و قادتها، عندما كانت تقدم قوافل شهدائها فدائيين و مناضلين و كوادر و قادة لتحرير كامل فلسطين... و آن كان شعارها هويتي بندقيتي... و عندما جنحت عن هذا الذي إنتهجته و إنطلقت من أجله أضحت فتوحاً، و انتهى الجانحون منها اليوم إلى فتح بيت لحم... و بدأنا من الآن، و قبل انفضاض مؤتمرها، نسمع عن استقالات فردية و بالجملة، و اتصالات منذرة بدأت تدور بين من ابتعدوا أو استبعدوا أو خسروا تتحدث عن ما أطلق عليه "فتح الصحوة"، و مسارعة رئيسها المتوّج و معه اللجنة المركزية الجديدة إلى نفي أي بداية إنشقاقات أو "صحوات" محتملة!