أخبار فتح الجديدة .. خرجت ولم تعد

 

لماذا نجح عباس في اقتياد فتح؟- د. أسامة عثمان


قد يقول قائل: ولِمَ لا ينجح؟ هل ثمة مشروعية للسؤال؟

لقد انساقت حركة فتح في مجملها خلف قيادة محمود عباس، بالرغم من الاختلاف الواضح بينه وبين عرفات في النهج العام، وطبيعة العلاقة بأميركا وإسرائيل، وعلى الرغم من موقف الكثيرين فيها من عباس أيام المواجهة بينه وبين أبو عمار، على خلفية النزاع حول الصلاحيات، فقد بايع أعضاء الحركة أبو مازن رئيسا لها بالتزكية، على الرغم من انخراطه في تنفيذ خطة خارطة الطريق، بوصفه رئيسا للسلطة التي من أهم بنودها تفكيكُ الجماعات المسلحة، ووقف عملها، والتنسيق الأمني مع الاحتلال؛ لتحقيق الهدوء وضبط الأمن؛ وقد كان من أبرز تجليات هذه الالتزامات تفكيك كتائب شهداء الأقصى، واعتبار أي سلاح غير سلاح الأجهزة الأمنية غير مشروع، وكل حائز له خارج عن القانون، ومستحق للسجن، والعقاب.

 

لقد فهم الجميع التغيُّر، واستوعبوا قواعد اللعبة الجديدة، ولمسوا مقدار الدعم المالي والسياسي الذي يحظى به عباس، أميركيا، وعربيا، فمن يخرج عن هذا الإطار سيكون معرضا للتهميش، والإهمال. وترافق هذا مع انخراط كثير من القيادات الفتحوية، وكوادر الحركة في وظائف السلطة المدنية والأمنية.

 

وكان لتصرفات حماس دور مهم في التفاف الغالبية العظمى حول قيادة فتح الفعلية في الضفة، وعلى رأسها عباس، والمقربون منه، ... لقد أنسى خلافُ الحركة مع حماس المعارضين فيها اختلافهم مع عباس؛ كردة فعل طبيعة، وكان هذا الالتفاف يشتد كلما مارست حماس فعلا يرونه مهددا للحركة، ومؤثرا على تماسكها، وفي هذا السياق جاء منع حماس أعضاء فتح من التوجه إلى بيت لحم لحضور المؤتمر؛ إذ عزز من موقف عباس، وأنسى أعضاء فتح كثيرا من ملحوظاتهم، في خضم هذا اللحظة الحساسة.

 

وبدلا من أن تكون التراجعات التي عرفتها فتح منذ فوز حماس في انتخابات 2006، وهيمنتها على غزة في 2007 سببا لفتور في تأييد عناصر فتح وكوادرها لقيادتهم، وعلى رأسهم، أبو مازن، استحالت تلك التراجعات، ولا سيما بعدما احتدام الخلاف مع حماس، إلى وقود يغذي تماسك الحركة، على علاتها. وقد ظلت حملات التعبئة تفعل فعلها في قلوب أبناء فتح؛ حتى استمرؤوا، أو أغلبهم، منع حماس من مزاولة أي نشاط ذي بال، في الضفة، ثم استساغوا ملاحقة أفرادها، والزج بهم في السجون، وتعذيبهم، وحتى التصدي لهم بالسلاح، وقتلهم، مع ما يلابس ذلك من روايات عن أضرار نشاطهم، وخطورة مخططاتهم. لقد تشربت فتح روح الاستعداء، فسيطر عليها استشعار التآمر، وباتت تتوجس، على نحو لا يخلو من مبالغة، خطر الانحسار في المشهد السياسي الفلسطيني!

 

وفي خضم هذا الشعور، وانصياعا لسطوته، فقد ضمت أوساط في الحركة، وسائل إعلام، وقنوات فضائية، إلى الجهات المتربصة بالحركة، ولعل الجزيرة، كانت بفعل هذا الشعور المسنود بالتحريض، تفقد جزءا لا بأس به من تأثيرها فيهم، بالتوجس، أو التوقف عن تقبَّل ما يرد منها، ولو كانت أخبارا، لا آراء، وتحليلات، كما حدث في قضية وثيقة القدومي التي تستحق أن تناقش؛ لينظر في مدى ثبوت ما انطوت عليه من اتهامات خطيرة. وإذعانا لردة الفعل، اندفع كثيرون من أبناء فتح إلى تكوين رؤيتهم بناء على معلومات يستقونها من مصادر يرونها مساندة.

 

وأمام الأخطار الخارجية تُتناسى، عادة، الخلافات الداخلية، أو العلل المستوطنة، ولو كانت هي أهم الأسباب لتلك التراجعات التي منيت بها الحركة، كما أقر بذلك عباس في خطابه في المؤتمر السادس.

 

وفي خطاب رئيس السلطة أمام المؤتمر لم يشأ الاصطدام بمن يوصفون بالراديكاليين في الحركة؛ فأعلن عن استبقاء خيار المقاومة التي لا تتعارض مع القانون الدولي، وطبعا، فقد أثير الكثير من الأسئلة عن نوع المقاومة التي يمكن أن تخرج إلى حيز التنفيذ، وقد لمح مسؤولون في فتح، مقربون من عباس، أنها ستكون على غرار ما يجري في بلعين، ونعلين، ويبقى السؤال، عن زخم تلك المقاومة، إن كانت، ومدى حجمها، أو الجدية في العمل على استمرارها، دعما، وتعبئة، واهتماما.

 

وهنا، في موضوعة المقاومة، ثمة تقبل لا يمكن الاستهانة به في أوساط منظري حركة فتح، لخفض مستوى التوقعات، وترجيح مقاومة (واقعية) في ظل ما يرونه أزمة تواجه هذا الخيار، معززين رأيهم، بتراجع حماس الفعلي عنها.

 

والحاصل أن هذه السمة (الواقعية) في التفكير هي التي مهدت فكريا لتقبل مواقف محمود عباس التي تجاوزت بأشواط ما انتهى إليه ياسر عرفات، ولكنه من حيث الدعاوى لا يخرج عن تلك التي دفعت منظمة التحرير، ورئيسها عرفات إلى الانخراط في العملية السلمية، والقبول باتفاقية أوسلو المجحفة، حتى برأي الموقعين عليها.

 

وما دام الاختلاف بين قيادة عباس، وقيادة عرفات هو اختلاف في الدرجة، لا في النوع؛ فلا غرابة أن ينجح عباس في القبض على زمام الحركة، كل ما هنالك أن عرفات كان، حين يتعرض لضغوط يقبل بالقول، ويراوغ في الأفعال، والممارسة، وأما أبو مازن، فقد اقتنع بـ استحقاقات السلام التي تراها أميركا، وهي المنطوية على عدم الجمع بين التفاوض، والقتال، والاكتفاء بالعمل السلمي.

 

وتسعى الحركة، من أجل استعادة مكانتها الشعبية إلى الانفصال عن السلطة، ولكن انقيادها إلى رئيسها الذي هو في الوقت عينه رئيس السلطة الملتزمة بالشروط الدولية، يجعل من هامش الفعل الحركي محدودا بالنشاطات التنظيمية، والممارسات النضالية غير العسكرية التي يغلب عليها الطابع الاجتماعي والسياسي والدعائي.

د. أسامة عثمان

o_shaawar@hotmail.com