أخبار فتح الجديدة .. خرجت ولم تعد

 

فتح وحماس وفن "الشيطنة"- د. أحمد جميل عزم


بعد أيّام من إعلان فاروق القدومي، الرجل التاريخي في حركة "فتح" وثيقة يقول إنّها تدين قياديين في الحركة باغتيال ياسر عرفات، التقيت مصادفة في لقاء مع مجموعة أصدقاء آتين من الضفة الغربية شخصا قدّموه لي على أنّه إعلامي، ادّعى أنّه قابل القدومي في قصره في عمّان. استغربت الأمر وقلت: ألم يكن القدومي مقيما في فندق وعبّاس ألغى حجزه عندما غضب منه؟ أصر "الإعلامي" أنّه التقاه في قصره.

بعد أيام من تلك المحادثة كنت أتحدث مع زميل من "الغد" يُعد تقريرا عن مؤتمر فتح، وأبلغني أنّه التقى القدومي في "شقته" وسألته عن وضع الشقة، فقال إنّها أقل من عادية. مثل هذه القصة المتكررة هي جزء من ظاهرة برع العرب والفلسطينيون فيها على نحو هائل وهي ظاهرة "الشيطنة"، أي تحويل الآخر إلى شيطان.

بالطبع القدّومي مارس"الشيطنة" ضد خصومه بوضوح. وقبل ذلك مارستها فتح مرارا، منها مثلا عندما اتهموا هاني الحسن بأقذع الاتهامات الشخصية لتبنيه مواقف مناهضة لخط قيادات الحركة علنا. كما باتوا يستخدمونها ضد خصومهم ومن ذلك التقارير عن شراء أيمن طه، القيادي في "حماس" فيلا فاخرة بقيمة 700 ألف دولار في غزة.

كانت المرة الأولى التي سمعت هذا المصطلح فيها من أحد المدافعين عن محمد دحلان، عندما قال لي إنّ حماس وآخرين نجحوا في "شيطنة" دحلان، وتحويله إلى شيطان في نظر الناس. لم أتفق مع المدافع عن دحلان، وذلك لأسباب تتعلق بتحفظ على نهج كامل يعد دحلان أحد أبرز عناصره بغض النظر عمّا يقال عنه.

"الشيطنة" مارسها خصوم فتح بشكل خاص. وقدّم الزميل ابراهيم جابر إبراهيم في مقاله الأخير في "الغد" مثالا "مرعبا" عن خطاب "حماس" حول الشاعر محمود درويش وشيطنته، واتهامه باتهامات لا أدري كيف يسمح أي متديّن لنفسه أن يجزم بها؟ وهي اتهامات لا تبعد كثيرا عن ما قالته قيادات في "حماس" طويلا عن ياسر عرفات في حياته، وما يقال عن آخرين.

يتحمل المسؤولية عن هذه الظاهرة طرفان رئيسيان. أولهما الفصائل الفلسطينية ذاتها، فحركة "فتح" وبسبب عدم وجود آليات مؤسسية للانضباط والشفافية والمحاسبة سمحت بوجود الفساد والمبالغة في الحديث عنه، واستخدمت "الشيطنة" جزءا من سلاح التصفيات الداخلية. أمّا "حماس" فلتبرير طرح نفسها بديلا في كل شيء، أقدمت منذ وقت مبكر على استخدام هذا السلاح.

ويتحمل الإعلام وزراً أيضا. فرغم الاهتمام الإعلامي الضخم بالمؤتمر، كان واضحا نقص المعلومات وجهل الإعلاميين والمراسلين بدهاليز المؤتمر وتفاصيله، وتحولت أكبر فضائيتين عربيتين إخباريتين كجزء من الحرب داخل المؤتمر وبأسلوب بعيد عن المهنية.

متابع قناة "العربية" يتخيّل أنّها "قناة محمد دحلان"، لكثرة ما تم استضافته وتسليط الضوء عليه. بالمقابل كانت "الجزيرة"، تعيش ثنائية ففريقها الميداني في بيت لحم موضوعي ومتميّز، أمّا في تقاريرها من الاستديوهات في الدوحة، فبدت كما لو كانت قناة "فاروق القدومي"، وهي تُبرز أو حتى تقتصر خبرها عن المؤتمر في بعض النشرات على تعليقاته رغم أنّ الاهتمام الفعلي داخل المؤتمر ذاته بتصريحاته محدود جدا. ومثل ذلك أيضا التقاطها تصريحاً لأشخاص وافتتاح نشراتها بها لمجرد أنها تنتقد المؤتمر، كتصريحات أشرف جمعة العضو في الحركة في غزة، رغم وجود من هم أهم وأبرز منه لهم تصريحات مختلفة. وعمليّا بدت "الجزيرة" وحتى "حماس" تسقطان في فخ دعم دحلان عندما بدأتا تروجان لأي نقد للمؤتمر حتى لو كان يصب في خانة ما يريده أنصار دحلان.

د. أحمد جميل عزم - عمان