ملاحظات على هامش مؤتمر فتح السادس- حسن عبد الحليم
 
14/08/2009 


 


أعاد مؤتمر فتح السادس مأسسة حركة فتح، ولكنه من ناحية أخرى وطد سيطرة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس ونهجه الذي قاد إلى تحويل حركة التحرر الوطني الفلسطينية إلى حزب سلطة قبل التحرر وتحت الاحتلال. إحدى تجليات هذا التحول اعتبار حركة حماس العدو الأول وليس الاحتلال، والثانية- ما يبثه تلفزيون فلسطين.

اضطررت خلال أيام المؤتمر بحكم عملي الصحفي لمتابعة تلفزيون فلسطين وصعقت من المتاهة التي انزلق إليها إعلامنا الوطني. حينما تتابع هذه القناة تخرج بعدة انطباعات صاعقة: لا يوجد احتلال.. هو غير قائم، ولا قمع ولا حواجز ولا اعتقالات ومعتقلين ولا استيطان. يوجد عدو اسمه مليشيات حماس الخارجة عن القانون، ويوجد الرئيس. أغاني للرئيس وجولات الرئيس وصوره وزياراته ولقاءاته... عشرات ساعات البث- يلوح الرئيس بيده للجماهير في أمكنة مختلفة على خلفية أغاني وأناشيد تشيد بمناقبه. هيمنة كاملة لمحمود عباس على غرار دولة الملك أو دولة الرئيس في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي في أوطاننا العربية التي تحكمها عائلات مفروضة لم يخترها أحد وتتوارث الشعب. تلفزيون الرئيس هو الاسم المناسب.

التيار المعتدل

إسرائيل سهّلت انعقاد مؤتمر فتح. هذا ليس سرا. والهدف تعزيز سلطةالتيار المعتدل في الحركة، وتوطيد هيمنته- هذا أيضا ليس سرا. وما تبع إقالة اللجنة التحضيرية للمؤتمر- من قرار عقده في الداخل، وزيادة عدد الأعضاء بحوالي 900 في الأيام الأخيرة لانعقاده، يخدم هذا التوجه. وما جرى فعلا هو تحويل المؤتمر من استحقاق فتحاوي فلسطيني حقيقي إلى مسرحية نهايتها سعيدة لمحور الاعتدال، أي تحول المؤتمر إلى استحقاق إسرائيلي أمريكي. أحد أعضاء المؤتمر قال لي في اليوم الأول لانعقاده "النتائج محسومة، ولو لم يكن غير ذلك لما عقد المؤتمر" وأعتقد اليوم أنه كان محقا.
فرغم هيمنة الخطاب الوطني على أعمال المؤتمر، ونجاح التيار المعارض- إذا جاز التعبير- في الحصول على نحو سبعة مقاعد من أصل 19(بعد تساو آخر اثنين) إلا أن النتيجة كانت بلا شك توطيد سلطة الرئيس والتيار المعتدل وفق التعريف الإسرائيلي والأمريكي.

أما على صعيد البرنامج السياسي وتوصيات اللجان التي أقرها المؤتمر، فالأمور فضفاضة ومطاطة. البرامج السياسية توضع لتنفذها القيادة، ولدى القيادة مرونة واسعة في تنفيذها. ومدى الالتزام بها منوط برؤية القائد وفقا للظروف الآنية وتخضع لوجهة نظره. وعباس قادر على حشد التأييد لرأيه في التركيبة الحالية للمؤتمر. القيادة هي التي تصنع البرنامج السياسي وليس العكس. لهذا لا يتوقع أن يتغير نهج السلطة الفلسطينية التي تقودها حركة فتح.

فلسطين

كل حل سياسي لا يبدأ من التهجير والتطهير العرقي في فلسطين عام 1948 هو التفاف على الحل. والتمسك بحق عودة اللاجئين يجب أن يكون البند الذي يلي الاعتراف الإسرائيلي بالمسؤولية عن النكبة والتهجير. إذا لم يبدأ الحل من حيث بدأت المشكلة، سيكون حلا مأزوما لن يفضي إلى حل. وما المطالبة بدولة في حدود عام 1967 إلا اختزال للتاريخ الذي قبل 1967 وتغييب القضية الأساسية. حق العودة يجب أن يكون نتيجة طبيعية للحل وليس مطلبا قائما بذاته. والجمع بين مطلب الدولة في حدود عام 1967 وحق العودة هو اختزال للأول في الثاني بطريقة غير مباشرة.

مؤتمر فتح أكد على حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال. ولكن ما جرى على أرض الواقع هو أن السلطة الفلسطينية وحسب الاتفاقات مع إسرائيل قامت بتصفية المقاومة في الضفة الغربية، وكانت في طريقها إلى تصفيتها في قطاع غزة. كيف يتفق التنسيق الأمني مع المقاومة؟ كان على المؤتمر أن يتخذ قرارا بوقف التنسيق الأمني قبل أن يخوض في الحديث عن سبل مقاومة الاحتلال لأن هذا وذاك خطان متوازيان لا يلتقيان.

اختزل رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس المقاومة، في كلمته الافتتاحية في المؤتمر، في نموذج نعلين وبلعين، أي النضال السلمي. لا اعتراض على النضال السلمي كأحد خيارات الكفاح ضد الاحتلال لو تعامل عباس مع الاحتلال كاحتلال، وككيان قام بتهجير شعبه وارتكب المجازر البشعة بحقه وما زالت سياساته تلك متواصلة حتى يومنا هذا. ولكن ما يحصل هو أن الكبرياء الوطني والكرامة الوطنية يهدران على الولائم في منازل رؤساء حكومات إسرائيل، وفي تبادل القبل مع الجزارين، وفي المفاوضات الاستجدائية.
قوة الفلسطيني تكمن في حقه التاريخي وفي عدالة قضيته. لا أرى أن عباس يبث تلك قوة. إنه يبث صورة الفلسطيني الصالح أو المعتدل بحسب التعريف الإسرائيلي. رحيم على المحتلين شديد على شعبه.