26/08/2009

تحسين الحلبي

 نتنياهو وقواعد اللعبة الإسرائيلية تجاه أي ضغوط محتملة من أوباما

 


إذا كانت استطلاعات الرأي الإسرائيلية التي ظهرت قبل يومين في صحيفة جيروزاليم بوست قد أشارت إلى وجود 47 بالمئة من الإسرائيليين يؤيدون إنشاء دولة فلسطينية على كامل أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة و48 بالمئة يرفضون إقامتها على كامل الأراضي المحتلة و62 بالمئة يرفضون إعادة الأحياء العربية في القدس للفلسطينيين مع الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة فهذا يعني أن كل حزب إسرائيلي يتوافق مع هذه التطلعات لا بد أن يحصل على أغلبية برلمانية أو بين الجمهور.


ويبدو أن قادة إسرائيل في الحكومة وخارجها ينتهجون هذه السياسة نفسها سواء تجاه الوسيط الأميركي أم المفاوض الفلسطيني، بل إن قادة الليكود بشكل خاص أثبتوا حتى الآن أنهم يتطلعون إلى تحقيق ما هو أكبر مما يطلبه الجمهور الإسرائيلي في هذه الاستطلاعات.


فنتنياهو رئيس الحكومة وزعيم الليكود أعلن في الإثنين الماضي عند وصوله إلى لندن للاجتماع بميتشيل المبعوث الأميركي أنه لن يسمح لأحد التشكيك بسيادة إسرائيل على مدينة القدس المحتلة منذ عام 1967 وهذا الإعلان يشكل رفضاً لتجميد الاستيطان فيها من ناحية ورفضاً للتفاوض على الانسحاب منها من ناحية أخرى!؟


وفي اليوم التالي أمس الثلاثاء أعلن (دان ميريدور) وزير شؤون المخابرات الإسرائيلية وأحد قادة الليكود أيضاً أن الأحياء العربية في القدس المحتلة لن تعود أبداً لأي سلطة عربية فلسطينية بما في ذلك سور القدس قرب المسجد الأقصى وأن جميع الأحزاب في إسرائيل وافقت على هذا الموقف منذ فترة طويلة. وقال ميريدور في المقابلة الصحفية نفسها مع مجلة (دير شبيغل) الألمانية أن إسرائيل لن تعود إلى حدود الرابع من حزيران عام 1967 مهما كانت الضغوط والظروف، وفي الأسبوع الماضي كان (موشيه يعالون) نائب رئيس الحكومة ووزير الشؤون الإستراتيجية قد أعلن أن أحداً لن يمنع الإسرائيليين من الاستيطان في كل مكان حتى في قطاع غزة الذي انسحب منه (شارون) عام 2005 وفكك المستوطنات فيه، وتلاه قبل أيام ليبيرمان فأطلق التصريحات نفسها وهو رئيس حزب إسرائيل بيتنا وإذا ما استعرضت جميع التصريحات السياسية لحركة (شاس) وحزب (العمل) اللذين يشاركان في حكومة نتنياهو سيجد المراقب أن الجميع متفقون على رفض التجميد الذي تدعوهم له إدارة أوباما ورفض العودة إلى حدود الرابع من حزيران علماً أن مسألة الاستيطان وما نتج عنه والانسحاب إلى حدود حزيران 1967 تشكلان أهم مؤشر إلى وجود أو نشوء دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة.


ولذلك يصبح السؤال المطروح أمام كل هذه المواقف الواضحة والعلنية الإسرائيلية هو: ما الذي ستتفاوض السلطة الفلسطينية عليه مع إسرائيل؟..


يقول ميريدور لصحيفة دير شبيغل أمس: إن السلطة الفلسطينية لا تستطيع تمثيل الفلسطينيين في قطاع غزة وهم يشكلون 40 بالمئة من الفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 ويرى أن الدولة الفلسطينية لا تزال شروط إنشائها غير متوافرة بعد لأسباب كثيرة منها مسألة قطاع غزة.


وأمام وحدة الموقف السياسي الذي يظهر في ساحة الأحزاب السياسية الإسرائيلية لا نجد في المقابل وحدة موقف سياسي فلسطيني على ساحة العمل السياسي والكفاحي للقوى السياسية الفلسطينية داخل الأراضي المحتلة أو خارجها.. ويبدو أن حكومة نتنياهو تعد نفسها لخلق نوع من الارتباك داخل ساحة القرار السياسي الأميركي وفي قلب إدارة أوباما نفسها لكي تحول الانتباه والتركيز الأميركي والدولي عن مسألة الاستيطان والدولة الفلسطينية إلى مسألة التحول إلى الخيار العسكري ضد إيران وتغيير قواعد اللعبة التي وضعها أوباما تحت شعاره الانتخابي الداعي إلى التغيير.


وكشف أوروي أفينيري السياسي الإسرائيلي الذي اعتاد على الإعراب عن انتقاده لقادة إسرائيل أن امرأة إسرائيلية تقيم في الولايات المتحدة الأميركية هي التي كانت تقود حملة قضائية لإثبات أن أوباما لم يولد على الأرض الأميركية ولم يكن والده حسين أوباما أميركياً أيضاً بهدف إقالته من الرئاسة بموجب الدستور الأميركي الذي يفرض أن يكون أي مرشح للرئاسة أو أي رئيس من ثمَّ مولوداً على الأرض الأميركية، وبعد فشل هذه المحاولة التي لا يمكن عزلها عن جهود نتنياهو واللوبي الصهيوني- الأميركي إيباك للضغط على أوباما والتخلص من مبادراته السياسية التي لم تعجب بها إسرائيل تشير تقارير صحيفة ومصادر أميركية إلى وجود محاولات مكثفة إسرائيلية- يهودية أميركية لخلق مصاعب أمام إدارة أوباما تفرض عليه تغيير مبادراته هذه.. فنتنياهو لم يكن بموجب تقديرات إسرائيلية وأميركية خارج لعبة الفضيحة الجنسية التي أعدت للرئيس الأميركي كلينتون عام 1997 على يد مونيكا ليفينسكي اليهودية الأميركية، فقد كان نتنياهو رئيساً للحكومة الإسرائيلية 1996-1999 وتبين له أن كلينتون نفسه أصرّ على وضع مسألة المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية من أولويات جدول عمله للمنطقة.. ورغم وجود عدد كبير من اليهود الأميركيين في إدارة كلينتون إلا أنه رأى أن مصالح الولايات المتحدة تفرض وجود حل تنشأ من خلاله حتى عام 2000 التي تنتهي فيها ولايته الثانية دولة فلسطينية ويتم خلال الفترة نفسها أيضاً توقيع اتفاق بين إسرائيل وسورية تنسحب إسرائيل بموجبه من الجولان.. وظهر بعد تطورات فضيحة كلينتون- ليفينسكي أن المستفيد الأكبر منها كان إسرائيل التي أرادت تحويل الانتباه عن جدول عمل كلينتون الخارجي إلى جدول عمل داخلي أميركي تستغل ظروفه لتجنب أي استحقاق في العملية السلمية.
والسؤال الأخير هو: هل يعود نتنياهو إلى قواعد لعبته هذه مرة أخرى؟!


تحسين الحلبي