قوانين 'غريبة' لحكومة حماس في غزة - د. انيس فوزي قاسم

13/08/2009



جرياً على عادة القانونيين الذين يبدأون مرافعتهم بالتعريفات، فلا بد من تعريف 'السفيه' فقالوا ان 'السفيه' هو من يبذر المال على غير مقتضى العقل والشرع ولو كان على سبيل الخير، وان 'السفه' هو خفة تعتري الانسان فتحمله على العمل على خلاف مقتضى العقل والشرع، وهو تصرف يبرر للمحكمة ان تقضي بفرض الحجر عليه وتجعل تصرفاته تخضع لإذن القاضي وموافقته.
ومن ينظر الى ما يجري على الساحة العربية من تصرفات سياسييه يعتقد اننا نعيش في مرحلة السفه القومي. إذ ان النخب السياسية في بعض المناطق العربية تطالب وتسعى وتعمل على تبديد ليس المال فحسب، بل الثروة بمعناها الاوسع، وهذا مناط السفه. بكل خفة ورعونة تقوم اجهزة السلطة الفلسطينية باعتقال عناصر المقاومة والشباب الذين نذروا حياتهم لمقاومة الاحتلال الاسرائيلي، ولا تكتفي باعتقالهم، بل تقوم السلطة بتعذيبهم واهانتهم واحياناً الى قتلهم كما حصل في مجزرة قلقيليه. وهذه تصرفات لا يمكن وصفها الاّ بتصرفات السفيه الذي يبدد ثروته على غير مقتضى الواجب الوطني. ان هؤلاء المقاومين هم ثروة وطنية يعزّ انتاجها في فترات زمنية قصيرة، وقد مضى على انخراطهم في المقاومة زمن طويل مما يؤكد ان صلابتهم قد مرت بنجاح، وبالتالي هم الرصيد الاثمن في مواجهة الهجوم الصهيوني المتواصل. فكيف يتم تبديد هذه الثروة الوطنية التي يجب الحفاظ عليها للمواجهة المستمرة مع عدو متوحش، بل في غاية التوحش؟


وليس أقل سفاهة ذلك الذي تمارسه الجهات النافذة في قطاع غزة من عمليات اعتقال مماثلة وتعذيب مماثل واحياناً قتل مماثل وذلك رداً على ما تقوم به السلطة الفلسطينية في الضفة الغربيه. وهكذا ينخرط الفريقان الرئيسيان في الساحة الفلسطينية في عملية اهدار الثروات البشرية على نحو متبادل وكأنهما في سباق شديد على القدرة على التبديد. وبشكل أدق، هما في سباق مع الزمن على احراز شهادة التفوّق في السفاهة.


وفي قطاع غزة، وصل منسوب السفاهة الى حدود قياسية؛ فقد اصدر ما يسمى بـ'مجلس الوزراء' القرار رقم 1/2009 بتاريخ 19/6/2009 وذلك بشأن 'المحافظة على النظام العام والآداب في المجتمع.' ومن يقرأ هذا القرار يدخل في حالة وهم وهي إما ان القطاع قد استكمل كل مقومات القوة والمناعة والتطور والتقدم ولم يبق على القائمين عليه الاّ نشر ثقافة الفضيلة، او ان قطاع غزة ليس الاّ احد مواخير امستردادم او نيويورك وقد تمّ سحبه ووضعه على الساحل الفلسطيني الجنوبي وبدأت عملية تعليم الناس القاطنين فيه الآداب والفضائل حسب مقتضيات الشرع. ينص القرار في المادة الثالثة منه على منح الضابطة القضائية حق 'تفقد الاماكن العامة والخاصة' لا سيما الاسواق وشاطئ البحر والجامعات والمحلات المغلقة وذلك لمنع 'الاختلاط السافر المخالف للآداب العامة' ومنع الجهر بالألفاظ المنافية للآداب و'عرض الصور المجسمة (المانيكان) أو ...'. هل اصبحت المقاومة تتم بأباريق الوضوء؟!


وهل اتاكم حديث مسؤول الوعظ والارشاد في وزارة الاوقاف في غزة الذي يطالب بمنع استخدام وعرض المناظر 'المثيرة للشهوات' وذلك مثل العرائس البلاستيكية (المانيكان)؟ فهل حقاً ان المانيكان مثير للشهوات او انها مثيرة فقط لشهوات مسؤول الوعظ والارشاد؟! وهل لنا ان نتصور ان الشرطة قد جرّت شاباً بتهمة انه كان يقف امام محل تجاري ويتغزل في مانيكان مما تعتبره الشرطة 'مثيرة للشهوات'؟! وهل لنا ان نتصور ان التحقيق كشف ان هذا الشاب كان في خطوط الدفاع المتقدمة اثناء الهجوم الوحشي الاسرائيلي في كانون الثاني (يناير) الماضي، او كان من اجهزة الدفاع المدني التي قدمت خدمات باسلة لطلاب المدارس اثناء القصف الجوي. وهنا نتساءل، هل المانيكان هو اداة الاستفزاز الاكثر اثارة من وجود الاحتلال؟! وهل يستساغ النظر الى صمود اهل غزة وبطولات اهل غزة التي سجلت معالم بارزة في المقاومة العنيدة قبل وصول مجلس الوزراء الموقر الى السلطة بهذه الخزعبلات والتفاهات التي لا تليق الاّ بأهل المواخير؟!


لابدّ ان مجلس الوزراء الموقر كان على بيّنة من ان عمر بن الخطاب قد عطل نصاً قرآنياً صريحاً ومنع قطع يد السارق حين كلكل عام المجاعة بكل قسوته على الناس. ولابدّ من ان المجلس الموقر كان على علم بان القاضي الفاضل قد منع صلاح الدين الايوبي من أداء فريضة الحج، اذ لا يجوز ـ في رأيه - ان يقوم الخليفة بالحج بينما بلاد المسلمين تئن تحت سنابك خيل الفرنجة. وان كنتم على بيّنة من ذلك فما بالكم تنغمسون في انشطة تبدد طاقات الجبهة الداخلية؟


وتتجلى السفاهة على نحو فاضح في الساحة اللبنانية. فهذا حزب الله، طليعة المقاومة اللبنانية بل والعربية، الذي احرز في المواجهة العسكرية مع اسرائيل في صيف 2006، صموداً كسر فيه معنويات 'الجيش الذي لا يقهر'، واظهر المقاومون الوطنيون عناداً وايماناً ادخل الذعر في صفوف قوات العدوان الاسرائيلي، اصبح موضوعاً للمناقشة التافهة حول 'سلاح حزب الله'، ومتى يجب نزع سلاحه ووضعه تحت سيطرة الجيش، والبحث في مواضيع مثل 'قرار السلم والحرب' وهي عناوين خبيثة تخفي مقاصد باطلة وفاسدة. وما يثير الدهشة والتساؤل ان اكثر المتحمسين لنزع سلاح حزب الله وتبديد هذه الثروة هم اكثر العناصر قرباً من اسرائيل. فكيف يتسنى لنخب سياسية في لبنان ان تطالب باهدار هذه الثروة الوطنية تحت شعار 'سيادة الدولة' ولا توصف هذه النخب بالسفاهة؟! هل يمكن ان يتوفر لدولة عربية هذا الاحتياط الثمين من المقاومين ذوي الصلابة التي تجوهرت في اشدّ المعارك شراسة ثم نقوم بالمطالبة في تبديد هذه الثروة، سيما ان العدو الاسرائيلي ما انفكّ يتوسع ويزداد عدوانية وهمجية؟


وتأخذ السفاهة منحى آخر حين يتم تجريح حزب الله بمقولات مذهبية، وكأنه الوحيد صاحب مذهب. وفي هذا اصطناع مريب لخلق نزاعات وانشقاقات داخل الجبهة الداخلية، وهو شكل آخر من اشكال تبديد الثروات الوطنية، لأن زعزعة الجبهة الداخلية لأي دولة عربية هو تجهيز الارضية لتسلل العناصر السامة للقضايا الوطنيه. أليس في اكتشاف هذه السلاسل العديدة من شبكات التجسس في لبنان ما يفرض علينا التساؤل حول كيف تمكنت اسرائيل من التغلغل الواسع في الساحة اللبنانية ولاسيما في اجهزة الجيش والامن العام لولا ان الجبهة الداخلية قد أصابها التشقق بسبب هذه السفاهة المتعددة الجوانب؟


وتتعمق السفاهة اكثر حين نشاهد ونسمع مسؤولين كبار في المسرح الدولي من ان بعض الدول العربية بدأت تخشى من التطور النووي الايراني. وما يؤيد هذه الاقوال، ان الدول العربية المعنية لا تقوم بالتكذيب او التصحيح مما يؤكد ان 'قبولها في صماتها.' فهل من مقتضيات العقل الراشد ان يثير التطور النووي الايراني مخاوفنا ولا يثير فينا الرعب من الترسانة النووية الاسرائيلية التي هي جاهزة للاستخدام (كما كشفت الوثائق الاسرائيلية اثناء حرب اكتوبر 1973)، بينما التطور النووي الايراني ـ على فرض صحته- ما زال قيد البحث والدراسة والتطوير؟! أي عقل سفيه هذا الذي يساوي بين خطر قائم ومحقق وخطر محتمل ما زال في علم الغيب؟! وأي عقل سفيه هذا الذي يساوي بين الخطر الصهيوني وبين ما يسمى بـ 'الخطر الايراني'؟!


ان ظاهرة السفاهة في الساحة العربية اصبحت شاملة تقريباً، بل ومستفحلة، وان السفهاء يزدادون سفاهة وأصبح المواطن العربي في حيرة من أمره حين يطرح الممارسات التي تتصف بالسفاهة للمحاكمة العقلية والمناقشة الهادئة، ويلحظ هذا التبديد الهائل لكل ثروات الامة وطاقاتها ومخزونها الاحتياطي. كما يلحظ هذا الاسفاف الشديد البلاهة حين نستمع الى الناطقين الرسميين للفرقاء في الساحة الفلسطينية، حيث غابت قضايا مثل المستوطنات والجدار والحصار والمجاعة والاسرى لتحل محلها قضايا شائنة مثل الاعتقالات المتبادلة والاتهامات المتبادلة والسفاهات المتبادلة. واذا كان السفيه 'الوطني' يمكن فرض الحجر عليه بقرار من محكمة وطنيه، ألسنا بحاجة الى محكمة قومية لفرض الحجر على هذه 'السفاهة القومية'؟!! وقد أصبح المواطن العربي في حرج شديد من ممارسة السفهاء الذين يتصرفون بخفة ورعونة في قضايا قومية كبرى على غير مقتضى العقل والشرع والواجب القومي. ومن حق هذا المواطن ان يصرخ : ربنا لا تحملنا وزر ما فعل السفهاء منا!!!

 

 كاتب ومحام يقيم في عمان