الانتخابات بمن حضر .. تاليا

عريب الرنتاوي

22/08/2009

  

من جانب واحد، قرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس دعوة مؤتمر فتح للالتئام في رام الله، مستبعدا عددا من رموز المعارضة الفتحاوية القيادية، ضامنا إعادة انتاج الحركة وتكييفها على مقاس مشروعه السياسي الخاص، وكان له ما أراد، إذ خرج من المؤتمر "ملكا متوجا" على عرض فتح، منتخبا من مؤتمرها مباشرة، وليس من لجنتها المركزية كما يقضي النظام ويتطلب عرف المؤتمرات الخمس السابقة.

 

ومن جانب واحد أيضا، قرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس دعوة المجلس الوطني الفلسطيني للانعقاد في دورة طارئة، هدفها انتخاب بدلاء لستة من أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة انتقلوا إلى جوار ربهم خلال السنوات الماضية، وتمكين الفصائل المؤتلفة تحت قيادته من استبدال ممثليها في اللجنة... توقيت الاجتماع استفزاي إذ يأتي قبل يوم واحد فقط من موعد "الجلسة النهائية" لحوار القاهرة والمفترض بها أن تكون "جلسة توقيع" كما قرر الوسيط المصري، ما يعني أن حكما بالإعدام - من دون محاكمة - قد صدر على الحوار والمصالحة، وليس مستبعدا أبدا أن تعيد المنظمة إنتاج تجربة المؤتمر السادس لفتح، فتنتخب الرئيس عباس مباشرة من قبل المجلس الوطني، وبالتصفيق وقوفا.

 

ومن جانب واحد، سيدعو الرئيس الفلسطيني محمود عباس لإجراء انتخابات فلسطينية مطلع العام المقبل - بمن حضر وحيثما أمكن - ما يعني أن الانتخابات ستجري فعليا في الضفة الغربية وحدها، دون غزة ودون حماس وحلفائها، وستجري إعادة انتخاب الرئيس من الشعب - شعب الضفة - مباشرة، ومن دون منافسة حقيقية، وفي مناخات الانقسام وبصورة تكرسه.

 

في المعلومات، أن الرئاسة الفلسطينية بعثت برسالة إلى حماس عبر الموفد الأمني المصري الذي التقى برئيس مكتبها السياسي خالد مشعل في دمشق أمس الأول، مفادها: "دعونا نضع جانبا كافة مواضيع الحوار وعناوينه، ونذهب مباشرة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية، في الضفة والقطاع، وبعدها يقرر الطرف الفائز مسار واتجاهات الحركة القادمة فلسطينيا، وفيما كان الموفد المصري يطوف بقادة الفصائل في دمشق، كان الدكتور حنا ناصر رئيس لجنة الانتخابات الفلسطينية، يوزع رقاع الدعوة على الفصائل لتسمية ممثليها إلى اللجنة، بعد أن تلقى أمرا من الرئيس بالشروع باتخاذ الإجراءات الكفيلة بإنجاز الانتخابات... الدعوة لانتخابات من دون مصالحة، وبهذه الطريقة، لا تفسير لها سوى الرغبة في "اقتناص" حماس في أضعف لحظاتها في القطاع المحاصر وفي الضفة المستباحة، وإخراجها من النظام السياسي الفلسطيني من البوابة ذاتها التي دخلت منها: بوابة الانتخابات، والانتخابات حتى تكون "حلا جذريا" لأزمة الانقسام الفلسطيني، يجب أن تتوج وفاقا ومصالحة، ويجب أن تنعقد في مناخات انفراج و"تبييض السجون" وإشاعة الحريات، ويجب أن تنطوي على ضمانات بالنزاهة والشفافية ومشاركة الجميع، وهي شروط غير متوفرة لا فلسطينيا ولا إسرائيليا وإقليميا ودوليا في هذه اللحظة، ولا يبدو أن أحدا معني بتوفيرها وتكرار تجربة انتخابات 2006.

 

وفي المعلومات أيضا، فإن هذه الخطوات، تندرج في سياق تفاهمات إقليمية ودولية، يمكن تلخيص مضمونها بشعار "الضفة الغربية أولا"، وتستهدف تهيئة الساحة الفلسطينية لاستقبال مبادرة الرئيس الأمريكي باراك أوباما المنتظرة، من خلال تجديد "شرعيات" المفاوض الفلسطيني، وإحكام السيطرة (المشتركة) الأمنية والسياسية على الضفة واستئصال نفوذ حماس وحلفائها منها، والإبقاء على غزة وحماس في عنق زجاجة الحصار والانتظار، عاما أو عامين إضافيين، إلى أن يتصاعد الدخان الأبيض من "مدخنة أوباما وبيته الأبيض".

 

خلاصة الأمر، أن الخامس والعشرين من آب، لم يعد موعدا قائما، فالحوار مرجئ حتى إشعار آخر، وهو - أي الحوار - من قبل ومن بعد، لم يكن كما بات واضحا، سوى عملية خداع كبرى ولعبة تقطيع وقت لا أكثر ولا أقل، بين الوسيط وأحد طرفي الحوار وبعض العواصم الإقليمية والدولية، وأن هدفه لم يكن أكثر من دعوة "المعارضة" لحضور حفل زفاف معد سلفا، للجلوس إلى إحدى موائده، والتصفيق للعروسين بحرارة شديدة، فإن تعذر قبول الدعوة، يجري إبقاء "المعارضة" خارج "صالة الأفراح" بالكامل، إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.

 

حوارات القاهرة الماراثونية انتهت إلى طريق كما كان متوقعا، و"الوساطة" المصرية وصلت طريقا مسدودا، والانقسام الفلسطيني آخذ في التكرس حتى إشعار آخر، والأغرب والأخطر من كل هذا وذاك، أن "فتيو" إقليمي ـ دولي ما زال مشهرا في وجه أي عاصمة تريد أن تبذل مساعيها أو تعرض وساطتها للتحرك بين الفلسطينيين، وهو "فيتو" فلسطيني أيضا، لم ينجح التجاوب الشكلي مع بعض المبادرات العربية التوفيقية في إخفائه، لإن برنامج المرحلة المقبلة، ينهض على "الأحادية" ويستبعد الحوار إن كانت نتييجته مشاركة فعلية في صنع السياسة والقرار، فالحوار الوحيد المطلوب، والوساطة الوحيدة المقبولة، هما اللذان يعززا "شرعية" فريق وفرض سطوته على فريق آخر، وهما اللذان يضعان الساحة الفلسطينية بمجملها في مهب الخيار الوحيد الواحد الأوحد: "المفاوضات حياة".