الزمن الفلسطيني بالتوقيت الحمساوي

 

نضال حمد اوسلو

 

تبين اليوم بوضوح أن حملة محاصرة وعزل حكومة حركة حماس المنتخبة ديمقراطيا من قبل الشعب الفلسطيني في أراضي الضفة والقطاع ليست حكرا على البلاد الأجنبية وبعض الدول العربية ، بل أنها تضم أيضا أجنحة في حركة فتح ووجهاء وقادة في السلطة سابقا.  كما وتتناغم وتنسجم تصريحات رئيس السلطة الفلسطينية لمحطة سي ان ان الأمريكية في تركيا وشبكة أخبار نت افيسين النرويجية مع الحملة المذكورة ومع ما جاءت به اليوم صحيفة يديعوت احرونوت الإسرائيلية من ان  مصدرا فلسطينيا رفيع المستوى اخبر الصحيفة بأن " حكومة حماس لن تصمد حتى نهاية الصيف". وفصلت الصحيفة الموضوع بحسب المصدر فقالت أيضا ان خطة عمل نسجت بين محافل رفيعة المستوى في الإدارة الأمريكية وبعض العواصم العربية والقدس المحتلة سيقوم بموجبها رئيس السلطة أبو مازن في شهر آب أغسطس القادم بإعلان إقالة الحكومة الفلسطينية بدعوى "أنها لم تنجح في أداء هدفها في صالح أبناء الشعب الفلسطينيي".  ثم يدعو عباس بعد ذلك إلى إجراء انتخابات جديدة في مناطق السلطة الفلسطينية قبل شهر رمضان المبارك. وتمنع الولايات المتحدة الأمريكية تحويل مئات ملايين الدولارات التي وعد بها الفلسطينيون من إيران والسعودية وقطر. وكانت ناطقة باسم المالية الأمريكية حذرت البنوك الدولية والعربية من تحويل أموال إلى حكومة حماس وقالت انه بذلك يعرض نفسه للخطر واتخاذ إجراءات ضده.

 

هذا الكلام أعلاه ليس من مصادر صديقة بل عدوة ورغم هذا نقول بأننا لسنا بحاجة ليديعوت احرونوت لقراءة المشهد وتحليله، فقد قلنا كلمتنا بنتائج الانتخابات وتأثيرها على المتأوسلين من الفلسطينيين في حينه. وشرحنا للقراء تأثير الصدمة خاصة على أجنحة التأوسل داخل فتح ، التي لم ترض بالهزيمة أبدا ولم تسلم سلاحها، وقد أخذت تحرض ضد حركة حماس منذ اللحظة الأولى التي أعلنت فيها نتائج الانتخابات مبشرة بانتهاء الزمن الفلسطيني بالتوقيت الفتحاوي وبزوغ فجر زمن جديد بتوقيت حمساوي.

يذكر القراء كيف سارع الطيب عبد الرحيم عضو اللجنة المركزية لفتح ومدير مكتب الرئاسة الفلسطينية بعد فوز حماس مباشرة الطلب من فتح وأبو مازن حل السلطة والعودة للمنظمة. ولا ندري أين كانت مطالب الطيب أيام كانت المنظمة مهملة ومعزولة في أقبية مقرات الرئاسة حيث كان يعمل، وفي مستودعات اوسلو بقطاع غزة والضفة الغربية. هذا وسبقه عقداء الأمن والمخابرات إلى تسيير تظاهرات مسلحة واحتلال بعض المواقع السلطوية وتهديد حماس وغيرها في غزة والضفة. ثم جاء بعد ذلك رفض فتح المشاركة في حكومة وحدة وطنية لأسباب مختلفة وليس فقط للأسباب المعلنة من قبلها.

منذ تلك اللحظة اتضحت الأمور الفتحاوية وبان أنها ليست على ما يرام وان العامود الفقري المشروخ بحاجة لعلاج مكثف ومركز وإعادة تأهيل. لكن القائمين على العامود عمدوا إلى مواصلة لعبتهم القديمة في استخدام منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها التنفيذية لمحاربة الآخرين وتمرير القوانين. وهذا ما يجب ان يرفض لان السلطة الفلسطينية في زمن عرفات وعباس هي التي  حفرت قبر المنظمة وأرادت وأدها وهي حية. وعندما سألوا بأي ذنب يقتلون المنظمة تهربوا من الجواب وواصلوا نهجهم بلا اهتمام بالآخرين.

 كان ذلك في زمن الغرور الفتحاوي وحب العظمة والانتقاص من مكانة وقوة الآخرين في الشارع الفلسطيني،وكان أيضا في زمن لم تهتز فيه ميزانية السلطة وقادتها بشكل عنيف كما هو الحال الآن مع حكومة حماس ، التي يراد إسقاطها عالميا وعربيا وفتحاويا (جناح اوسلو) ومن ثم تحميلها مسئولية تجويع الشعب الفلسطيني، مع أنها من هذا الشيء بريئة براءة الذئب من دم يوسف. فقد استلمت سلطة مديونة ومفلسة وخزائن خاوية وفارغة ومؤسسات أكلها الصدأ ونخرها الفساد. ولم يمض على استلامها الحكومة سوى أسابيع قليلة.

تنسجم تصريحات اليوم التي أطلقها الرئيس عباس في الإعلام النرويجي مع هذا التوجه الذي بيناه أعلاه ، ولا يوجد لدينا أدنى شك في ان هناك توجه لدى قسم متنفذ وفاعل وذات تأثير داخل فتح يريد التخلص من حماس بأي شكل كان وهم يتمنون ان يبتلع بحر غزة حماس كما كان يتمنى رابين شريكهم في سلام الشجعان ان يبتلع البحر أهل غزة. ومن هنا يتضح أيضا توجه عرض العضلات والقوة وإفلات قطعان المسلحين بعد خطاب خالد مشعل في دمشق.هذه القطعان التي تتبخر عند وصول الاحتلال وتصبح شيئا من الخيال. بعد ان تكون قامت بأعمال تخريب وتهديد ووعيد مرفوضة. نسأل :  أين الرئيس عباس وقادة فتح من هؤلاء الفتحاويين الأشاوس الذين لا يمتون بصلة لفتح أبو  علي إياد وأبو يوسف النجار وكمال عدوان وأبو جهاد وماجد أبو شرار ودلال المغربي ويحيى سكاف وعلي أبو طوق وبلال الأوسط وثابت ثابت...؟

 

هذا الفلتان على الأرض يعبر عن مساهمة ومشاركة لجناح التأوسل الفتحاوي في سياسة تجويع الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع. لأن هذا الطرف يعتمد في سياسته المذكورة على تحالف دولي عربي عريض يمتد من شرق المتوسط  مرورا باوسلو النائية وصولا إلى واشنطن وبمباركة حكام تل أبيب.  والذي سيتكفل بالتجويع ثم التركيع هو الدول المانحة العربية والغربية وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية. لذا ليس غريبا ان يقول اليوم ابو مازن لوكالة أنباء نت افيسين النرويجية أن " النرويج والدول الأخرى التي لا ترغب بإرسال أموال للحكومة التي تقودها حماس يجب عليهم إيجاد قنوات أخرى وأضاف أن الأموال يمكن تمريرها عبر مكتب رئيس السلطة". وينسجم هذا الكلام مع الموقف الرسمي النرويجي الداعي لإيجاد قنوات أخرى لإيصال الدعم للفلسطينيين. بالرغم من رفض كافة المنظمات غير الحكومية النرويجية لهذا الأمر،وبالغرم من المعارضة القوية داخل صفوف النرويجية الحاكمة لقطع المساعدات وقطع الاتصالات مع حكومة حماس.

 

 تصريح عباس اليوم جاء بعد تصريحات ساخنة جدا أمس واليوم حيث وصف فيها زعيم حركة حماس  "مشعل الفتنة" وهدد حماس قائلا بان لديه صلاحية إقالة حكومتها إذا كان ذلك ضروريا. وطالب حماس بدء حوار مع إسرائيل إلا ستبقى معزولة ومحاصرة.

 

انتهى

 

أقرأ أيضا : أخبار نرويجية مترجمة للعربية