حاصر حصارك لا مفر ... حلّ السلطة هو الحل ...

 

نضال حمد اوسلو

10.04.2006

 

بعد الإعلان عن فوز حركة حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية بدأت المعركة العالمية على الشعب الفلسطيني عبر تجويعه من أجل تركيعه بقرار إسرائيلي وقد تجسد ذلك بتشديد الحصار وتفعيل الإغلاق المفروض على المناطق الفلسطينية، حتى أن الإسرائيليين يودون لو أمكنهم ذلك منع الغذاء والماء والدواء وحتى الهواء عن الشعب الفلسطيني. تبع الحصار تصعيد إسرائيلي مدروس استهدف الكرامة الفلسطينية وكان يرمز إلى إهانة وإذلال الفلسطينيين، حيث قاموا باجتياح سجن أريحا واعتقال احمد سعدات وكل الذين كانوا رهائن للسياسة البائسة القديمة والجديدة لسلطة اوسلو العتيدة. ولم يتوقف الأمر عند ظهور فدائيي زمن اوسلو وأخواتها عراة رافعين أياديهم وراياتهم البيضاء مستسلمين لأقدارهم ولعجز سلطتهم عن احترام نفسها واحترامهم. ليس ذلك بالجديد فنفس السلطة كانت عبأتهم تعبئة غير سليمة وناقصة وطنياً، لتتكفل تلك التعبئة عند أول امتحان صعب بقيامهم بالخروج من مواقعهم عراة رافعين الأيدي ، مستسلمين  لمصيرهم ولعجزهم، غير قادرين على شيء، فلم يدافعوا لا عن الأرض والكرامة ولا عن الأمانة التي في أعناقهم وأعناق قادتهم، وهي أكثر من مائة سجين ومعتقل سياسي فلسطيني كانوا نزلاء سجن أريحا اعتقلتهم قوات الاحتلال وكأن شيئا لم يكن ، فلا القانون الدولي ولا الاتفاقيات الموقعة بين الطرفين أعادتهم أو سوف تعيد أسير أو معتقل فلسطيني واحد.

 

قبل تسلم إسماعيل هنية للحكومة الفلسطينية وأثناء قيامه بالمشاورات اللازمة مع الفصائل الفلسطينية المعنية والمستقلين وغيرهم. تذكر الرفاق في اليسار الفلسطيني وخاصة في الجبهتين الشعبية والديمقراطية لتحرير فلسطين أن هناك شيئا اسمه منظمة التحرير الفلسطينية، وأن تلك المؤسسة بأجهزتها ونقاباتها ولجنتها التنفيذية وبمجلسيها الوطني والمركزي وسفاراتها ومكاتبها وممثلياتها المنتشرة في بقاع الأرض قاطبة هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. ولكنهم في سنوات اوسلو العجاف لم يتذكروا ذلك ولم يواجهوا قيادة السلطة سابقا ولاحقاً بالحقيقة وبأن منظمة التحرير الفلسطينية التي يتحدثون عنها مغتصبة ومغيبة وشبه موجودة، بلا مؤسساتها وكل ما ذكرناه سابقا، وبان تلك المنظمة أديرت وتدار منذ زمن طويل من قبل وجوه فتحاوية تخلت بالأساس عن المنظمة لصالح السلطة، وكذلك من قبل وجوه يسارية متأوسلة ، ويمكن إعرابها وتعريفها عبر الفتحة الظاهرة على أواخرها.. كان الأجدر بكان ولعل وبأخواتهن ان يعترفن بالفشل الذريع الذي لحق بسياساتهن وبرامجهن وأن تقدم قياداتهن استقالاتها عملا بالديمقراطية التي مازلن ينادين بها في الخطب واللقاءات والاجتماعات. خاصة بعدما هزم اليسار شر هزيمة في الانتخابية التشريعية ، فقد تكفلت عمليا تلك العملية الانتخابية هناك بالإجهاز على دور فصائل اليسار الفلسطيني وإضعاف دور حركة فتح في الضفة والقطاع بشكل كبير. وسوف يسجل للتاريخ أنها كانت أكبر خسارة ديمقراطية تلحق بفتح واليسار الفلسطيني وفصائل م ت ف التي شاركت في الانتخابات التشريعية.

 

بعدما نجحت حماس لوحدها في تشكيل حكومة بلون واحد ومن لون واحد أخذ المجتمع الدولي ينفذ تهديداته بحصار الشعب الفلسطيني وتجويعه وتركيعه من أجل إرضاء إسرائيل ومن خلفها أمريكا.حتى أن  دولا ديمقراطية مثل النرويج التي يحكمها اليسار ارتضت الذيلية والسير في الركب الأمريكي حين أعلن وزير خارجيتها وقف المساعدات عن الشعب الفلسطيني مخالفا قرارات مؤتمر حزبه العام في اوسلو بتاريخ  18 مارس - آذار  والتي طالبت بتقديم المساعدات للشعب الفلسطيني وبدعوة أعضاء من حكومة حماس لزيارة النرويج. لكن وزير خارجية النرويج عمل بقرارات الحلفاء في البيت الأبيض وفي مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل ، وكذلك انسجاما مع السياسية الإسرائيلية ، بدلا من العمل بقرارات حزبه. وقد سمعناه مرارا وتكرار يقول ان حكومته تضع نفس الشروط للفلسطينيين ولإسرائيل، لكن العقوبات تفرضها حكومته فقط على الفلسطينيين. أما حين يتعلق بمقاطعة ومعاقبة إسرائيل لمخالفاتها للقانون الدولي حينها تتغير وتتبدل لهجة ولغة وزير الخارجية النرويجي ونراه نشطا في إيجاد العبارات  الموزونة كأنه ينظم قصيدة وذلك كله من اجل إرضاء إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة الأمريكية. ويأخذ على عاتقه توزيع المواعظ والدروس عن مدى أهمية الحوار والتفاوض مع إسرائيل لا معاقبتها. وبعد ذلك يقول بكل سعادة كأنه حقق إنجازا نرويجيا وطنيا ضخما : لن يكون هناك عقاب او مقاطعة لإسرائيل.  والغريب العجيب في الأمر أن هذا الوزير كان حتى الخريف الماضي سكرتيرا عاما للصليب الأحمر النرويجي ، يعني انه على اضطلاع وعلم بكل جرائم الاحتلال الإسرائيلي وكذلك بالظروف التي يعيش فيها أكثر من 2 مليون فلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية تحت الاحتلال وفي ظل حالة الحصار المطبق والإغلاق المستمر. وقد قام نفسه قبل أن يصبح وزيرا بزيارة الضفة وتمت إهانته من قبل الجنود الإسرائيليين.  على كل حال يبدو من تطور تبعات القرار في النرويج أن الوزير ليس وحده مسئولا عن تصريحه بتجميد المساعدات للفلسطينيين. لكن بالرغم من ذلك فأنه يتوجب على حزب العمال النرويجي الحاكم ، وفرع اوسلو خاصة ، وهو الفرع الذي يحمل راية مساندة القضية الفلسطينية في الحزب الحاكم، محاسبة وزير الخارجية على سياسته المخالفة لقرارات المؤتمر العام للحزب في اوسلو. إذ بتلك الطريقة يمكن إعادة الهيبة والاعتبار للديمقراطية النرويجية التي دهست بالأحذية وانخلع عنها ثوب الاستقلالية الذي تتغنى به بعض الأحزاب الحاكمة والحكومات الأوروبية.

 

ففي حين يتعلق الأمر بإسرائيل وعدم رضاها عن شيء ما ينكشف فورا زيف ديمقراطية معظم أحزاب أوروبا من اليمين الى الوسط  فاليسار، لأنهم لا يريدون للشعب الفلسطيني ان يعيش حرا وكريما في وطنه المحرر والمستقل. فهم بوضعهم للشروط المرفوضة من قبل الشعب الفلسطيني ، يريدون بكل بساطة رهن حياة هذا الشعب بموقف سياسي تقدمه حكومة منتخبة من قبله. يعني يريدون من الفلسطيني أن يتحول من صاحب قضية وحقوق إلى متنازل عن حقوقه وقضيته من اجل لقمة الخبز وحرية الحركة وفتات مالي من هناك وهناك.  يريدون للشعب الفلسطيني وحكوماته أن يصبحوا متسولين يتسولون الأموال والهبات والمعونات مقابل موقف سياسي يتنازل عن الحقوق والكرامة والاعتزاز بالذات.. موقف منافي للحقوق والثوابت مقابل فك الحصار وإدخال الغذاء والدواء والسماح للمرضى والمسافرين بعبور معابر الموت والإذلال..  هؤلاء بكل بساطة يجهلون طبيعة الفلسطيني ونوعيته فالشعب الفلسطيني ليس نسخة طبق الأصل عن الذين تعاملوا معهم في مفاوضات اوسلو وفي الحكم السلطوي الاوسلوي السابق. هذا الشعب كريم عزيز النفس ، قوي الإرادة والبنيان ، صلب لا يتنازل عن حقوقه ويصون كرامته وشرفه بكل الطرق الممكنة ويمكنه إفشال أي مشروع لا يعطيه حقه، كما يمكنه قلب الطاولة رأسا على عقب. لذا  فهو يرفض شروطهم وإذلالهم ومساعداتهم ومعوناتهم المشروطة بالاعتراف بالاحتلال وبالأمر الواقع. وإذا كان هناك أجنحة فلسطينية تحاول الانسجام والتنسيق مع هؤلاء كلهم ضد الحكومة الفلسطينية الجديدة بقصد او عن دون قصد، بالتأكيد سوف يقف الشعب الفلسطيني ضدها وسوف يحاسبها على القديم والجديد لأن زمن الصمت وغض الطرف والتغاضي عن الفواحش والفساد والتجاوزات السياسية الكبرى انتهى ولن يسمح له بالعودة والتكرار. لذا على الذين يلتقون بالطرف المعادي (ياسر عبد ربه وزياد ابو زياد وسفيان ابو زايدة سري نسيبة وغيرهم) لتجديد شباب مبادرة جنيف سيئة الذكر واتفاقية يعالون مع نسيبة السيئة كذلك أن يراجعوا حساباتهم وان يتوقفوا عن التحدث باسم الشعب الفلسطيني لأنهم ليسوا ناطقا ولا مفاوضا باسمه ولا باسم منظمة التحرير الفلسطينية. إذ ان لفلسطين شعبا يحميها ويمكنه انتخاب من يمكنه النطق السليم والصحيح باسمه.

 

في ظل الوضع الحالي وفي حالة حاصر حصارك لا مفر ، حيث يتضح من دور رئيس السلطة الآن الشبيه بشدة بدور رئيسه الراحل حين كان هو نفسه رئيس وزراء أن هناك توجه لحصر كل شيء بيد مهندس اتفاق اوسلو محمود عباس ، ابو مازن. وهذا الأخير يمارس دوره كعرفات جديد حيث  أمر الأمن الوقائي بحراسة المعابر . والأمن المذكور قام أول ما قام به بمنع رئيس الوزراء من المرور مما اضطره لاستخدام طريق فرعي التفافي. كما انه يقدم مواقفا شفهية يخالفها ممارسة على الأرض وتنسجم ممارساته مع تصريحات وبيانات عالمية وأوروبية بضرورة  وضع كل شيء في جعبته والتعامل معه بدلا من حكومة حماس المنتخبة ديمقراطيا.  ولهذا نرى أن الوقت  قد حان لإعادة بناء المنظمة وسد الطريق على مغتصبيها من عودة استخدامها ورقة ضد السلطة الجديدة بعدما استخدموها ورقة ضد كل من عارضهم سابقاً. وكانوا يرفضون إصلاحها وتجديدها واستعادة دورها وتفعيلها بشكل جدي.  وبما أن اللجنة التنفيذية للمنظمة لم تعد ذات شرعية بحسب القانون وبما أن المجلسين الوطني والمركزي كذلك تقادموا وانتهت صلاحيتهما فان العودة للمنظمة هو الحل الأفضل. لكن قبل ذلك يجب إعلان حل السلطة الفلسطينية وعدم شرعية كافة الاتفاقيات السابقة التي وقعتها الحكومات الفلسطينية السابقة مع الطرف الإسرائيلي. لأنها وقعت دون الرجوع للإرادة الشعبية الفلسطينية ودونما أي سند قانوني أو شرعي وبلا استفتاء الشعب الفلسطيني بكافة ملايينه في الداخل والخارج. نرى أن الوقت قد حان لإعلان نهاية زمن اوسلو الفلسطيني ، زمن الفلسطينيين بالتوقيت الصهيوني وباليورو الأوروبي والدولار الأمريكي. المطلوب الآن العودة إلى الينابيع الفلسطينية الشعبية، وأن  تتجمع الفصائل الفلسطينية كافة إسلامية ويسارية ووطنية في جبهة وطنية متحدة واحدة هي منظمة التحرير الفلسطينية عبر تجديدها وإصلاحها وإعادة الحياة لمؤسساتها بعيدا عن المحسوبيات والشللية والسيطرة من طرف فصيل واحد. ولا يكون إصلاح المنظمة إلا بالإعلان عن انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني للمنظمة في كل الشتات وحيث أمكن ذلك،مع حفظ تمثيل نسبي للفصائل التي قادت النضال الفلسطيني في السابق يأخذ هذا التمثيل بعين الاعتبار حجوماتها في الوقت الراهن. وبعد حلّ السلطة وإلغاء الاتفاقيات التي بطبيعة الحال ألغيت بدون نعي من جانب الإسرائيليين ولم تعد موجودة بسبب عدم التزام أي حكومة إسرائيلية بها في السابق. عندها يمكن ان يضع الفلسطينيون العالم أمام لحظة الحقيقة.

 

اقرأ في صفحة أخبار نرويجية مترجمة رسالة وصلت موقع الصفصاف من لجنة السلام في حزب العمال النرويجي حول قطع المساعدات

 

عودة