بقلم : نضال حمد

 

الفدائي الشهيد وديع حداد رمز المقاومة وجيل التحرير  

 

لم يكن المرء بحاجة لشهادة كاتب إسرائيلي حتى يعرف أو يقتنع بأن الذي اغتال القائد الفدائي وديع حداد هو جهاز تجسس إسرائيلي أو عملاء عملوا لصالح الاحتلال و في خدمة المشروع الصهيوني. فقد ذكرت صحيفة يديعوت احرانوت ان الموساد هو الذي سمم وديع حداد في بغداد.

 

وديع حداد كان جمرة ملتبهة أشعلت الأرض تحت أقدام الاحتلال. واستطاع أبو هاني ، أبن صفد عروس الجليل الأعلى ، أن يقدم القضية الفلسطينية عبر العنف الثوري إلى كل العالم بأسلوب عنيف ودومي في أحيان كثيرة. لكن هل كان هناك أمامه وأمام جيله وأبناء شعبه الفلسطيني طريقة أخرى لشرح قضيته على الذين كانوا سببا و شريكا في مأساته ومعاناته ونكبته. الذين كانوا السبب في ضياع وطنه وتشتته وتهجره وتحويله من صاحب ارض ووطن وهوية إلى لاجئ بلا وطن وارض وهوية. والى لاجئ يعيش في الخيام والتشرد وفي أوضاع مأساوية صعبة لا تليق حتى بالبهائم. حيث حوصر وأقفلت عليه الأبواب ووضعت الأسلاك الشائكة والحواجز والعوائق والأساور كأنه في سجن جماعي كبير اسمه المخيم.

 

من تلك البقعة التي اسمها المخيم ، التي صارت عنوان التشرد والضياع واللجوء انطلق الوديع مع رفاقه ليؤسسوا حركة القوميين العرب ، فالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، ليقودوا نضال الشباب الفلسطيني المؤمن بان الكفاح المسلح هو الطريق الصحيح والسليب والوحيد لجعل الاحتلال يخضع وينحني أمام أصحاب الحق والأرض والوطن. ومن وحي تلك القناعات وذاك الإيمان بحتمية تحرير فلسطين تأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بهمة وعمل ونضال الدكتور وديع حداد إلى جانب رفاقه الدكتور جورج حبش وآخرين منهم الأحياء ومنهم الشهداء الذين آمنوا بفلسطين عربية وبان ما أخذ بالقوة لا يسترد سوى بالقوة.

 

ولد وديع حداد في مدينة صفد الجليلية الفلسطينية في العام 1927، وبعد نكبة عام 1948، اضطر للهجرة من وطنه ولجوئه مع عائلته ووالده إلى مدينة بيروت حيث استقر بهم الحال هناك، وفي هذه الأثناء التحق وديع بمقاعد الدراسة في الجامعة الأميركية ليدرس الطب. هناك تعرف على زمليه بالنضال والطب الدكتور جورج حبش مؤسس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وخلال دراستهما انخرطا في العمل و النشاطات الوطنية والإنسانية المدافعة عن الشعب الفلسطيني. وكانا معا من أعضاء جمعية "العروة الوثقي" التي بدأت بلعب دور سياسي بعد انخراط الشباب القومي المتحمس للعمل السياسي بها، وتولى الشهيد وديع موقعاً قيادياً في هذه الجمعية. بعد تخرجه كطبيب من الجامعة الأمريكية وانتقاله إلى الأردن حيث كان قد سبقه الى هناك رفيق دربه الدكتور جورج حبش ، شكلا معاً العيادة المجانية إلى جانب عيادتيهما، معتبرين نشاطهما الأساسي والرئيسي، النشاط الوطني والقومي وليس الطبي. وكانا يعالجان اللاجئين الفلسطينيين مجانا. أيمانا منهما بان كسب الجماهير ومساعدتها هما أفضل الطرق لبناء جيل التحرير والانطلاق بالعمل الفدائي السليم. تعرض وديع للاعتقال في الأردن ومكث لثلاث سنوات في سجن الجفر الصحراوي. لكنه بعد ان أفرج عنه التحق بالجبهة الشعبية في دمشق ، ثم في بيروت وتولى مسئولية العمل العسكري والأمني والمالي في حركة القوميين العرب ومن ثم الجبهة الشعبية. وقاد بنفسه عملية اختطاف جورج حبش من سجن عسكري سوري حيث كان مقررا إعدام الأخير. ولوديع أثره الطيب في ثورة اليمن وفي ليبيا والجزائر ومصر كذلك.

 

بعد سنوات من النضال الطويل والكفاح المسلح على كافة خطوط التماس العالمية وبناء على شعار وراء العدو في كل مكان ، اختلف الوديع مع رفاقه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين على مواصلة النهج المذكور. حيث ارتأت قيادة الجبهة ان الهدف من العمليات الخارجية قد تحقق فعلا وأن القضية الفلسطينية أصبحت مفهومة وواضحة لكافة الناس في العالم وبالذات في أوروبا. وأن مواصلة هذا النوع من العمليات سوف يلحق الضرر بالقضية الفلسطينية ويوصمها بالإرهاب. لذا قررت الجبهة وقف العمليات الخارجية مثل خطف الطائرات وتفجير المطارات وغير ذلك. وبما أن الوديع رفض تلك الرؤية وعبر عن نيته عدم الالتزام بقرارات رفاقه اتخذت قيادة الجبهة قرارا بفصله هو ومن معه. ورغم قرار فصله فقد قام الحكيم جورج حبش بنفسه بنعي رفيق دربه عندما استشهد وتصرفت الجبهة الشعبية وكأن وديع حداد لازال عضوا في قيادتها المركزية ومكتبها السياسي. نعته وأصدرت ملصقات تحمل صوره وعدداً خاصاً من جريدة الهدف عنه وعن تاريخه الحافل بالعطاء والوفاء والنضال. وقد بكاه الحكيم عندما ابنه في كلمة طويلة وحزينة تحدث خلالها عن خصال الصفدي الذي كان ملاحقا من كل أجهزة مخابرات العالم ، والذي كان المطلوب رقم واحد على لائحة الموساد والمخابرات الغربية.

 

بدأت فصول نهاية حياة وديع حداد في بغداد الرشيد سنة 1978 ثم أعلنت وفاته في ألمانيا الشرقية نفس السنة وذلك بعد أن عانى من مرض مجهول ، قال البعض انه مرض عضال. وقال آخرين انه تسمم أو مرض غير معروف. وقد كشف النقاب اليوم عن ان الموساد الإسرائيلي هو الذي قام باغتياله بواسطة الشوكولاته البلجيكية. فقد علم الموساد نقطة الضعف تلك عند الوديع أبو هاني، وهي ولعه الشديد بالشوكولاته البلجيكية، ولأن تلك الشوكولاته لم تكن متوفرة في العراق ، فقد عمل الموساد جاهدا عبر عميل له على إيصال بعض الشوكولاته التي ادخلوا عليها موادا بيولوجية سامة، تميت ببطء ، إلى وديع حداد عبر عميل فلسطيني كان يعمل معه. وسبق إرسال الشوكولاته ان اتخذ الموساد قرارا بتصفية وديع حداد على اثر عملية عنتيبي في أوغندا سنة 1976. وليس جديدا على الفلسطينيين ان يكون الموساد هو المسئول عن تصفية واغتيال قادتهم ومناضليهم.

 

نقول للوديع الفلسطيني الراحل ، الذي صنع مجد الفدائي الأول وعزز قيم الولاء والوفاء للشعب والوطن، وجعل الفدائي رمزا للقواعد والبنادق والنضال ولجيل التحرير، أن الحرب مع الصهاينة لازالت مستمرة وان كانت عمليات الاغتيال مؤجلة في هذه الأيام بسبب عدم وجود قرار إسرائيلي البدء فيها. لكنهم وقت الحاجة يقومون بذلك بغض النظر عن أي شيء. وهم يكتفون الآن بتصفية واغتيال قادة وكوادر ونشطاء المقاومة في فلسطين المحتلة. الحرب مستمرة مادام شعبنا مشردا ومشتتا وبعيد عن أرضه ووطنه ومادام الاحتلال موجودا في فلسطين التي أنجبت وديع حداد وكل شهداء النضال الوطني الفلسطيني الطويل.

 

 

قالوا مشكورين

سجل الزوار