أوروبا تلعب بالنار الفلسطينية

 

نضال حمد

 

يوم أعلنت نتائج الانتخابات التشريعية في الأراضي الفلسطينية المحتلة سنة 1967 دعيت بصفتي إعلامي وصحافي فلسطيني ورئيس للجالية الفلسطينية في هذه البلاد، مع رئيس البرلمان النرويجي تور بيورن ياغلاند، الذي اعتبر نفسي مدين له بسوء فهم كبير جعلني أوصفه في مقالة سابقة بصديق إسرائيل الكبير، والحقيقة ان الرجل ليس كذلك مع انه ليس عدوا لكيان إسرائيل. فقد  تبين لي فيما بعد أنه صاحب موقف أفضل بكثير من موقف رئيس الوزراء النرويجي الحالي ينس ستلتنبيرغ الذي خلفه أيضا في رئاسة حزب العمال النرويجي. دعينا لبرنامج يومي هام يبثه التلفزيون الرسمي النرويجي صباح كل يوم وهو بعنوان " إفطار التلفزيون " وقد خصصت لنا نصف ساعة للحديث وتحليل نتائج الانتخابات. كان السؤال الأول من نصيبي حيث سألت عما إذا كانت النتائج مفاجأة وعن كيفية تعامل الآخرين مع حماس خاصة الطرف الإسرائيلي. وكانت إجابتي في حينه واضحة وقصيرة. قلت ان المفاجأة تكمن في النسبة وليس في الفوز. فقد كان متوقعا ان تهزم حركة فتح لأنها ارتبطت منذ اتفاقية اوسلو بحزب السلطة وصارت بنظر الناس مصنعا  لحكومات السلطة الفاسدة.

 

 بالإضافة لكون فتح تفسخت وأصبحت مجموعة من الجماعات كل واحدة تغني على منوالها. عدا عن تخلي بعض قيادات فتح والسلطة عن الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني وأهمها حق العودة للاجئين ، كذلك عن القدس والأراضي التي ابتلعها الاستيطان اليهودي قبل وخلال وبعد قيام السلطة في الضفة والقطاع. ويتبع ذلك أيضا بناء الجدار العازل الذي دمر الأرض الفلسطينية وقسمها لمجموعة جزر ومعازل محاطة بالوحوش المسلحة في المستوطنات والمعسكرات. وتجويع وإفقار المجتمع الفلسطيني، وإنشاء طبقة برجوازية احتكارية لصوصية من قادة المصادفة ومصاصي دماء الشعب. ثم إقامتهم هم وبعض المتأوسلين من اليسار الفلسطيني أمثال ياسر عبد ربه وأشباهه مبادرات واتفاقيات مشبوهة ومرفوضة لأنها تتنازل مجانا عن الحقوق الفلسطينية. ونقصد هنا بالذات مبادرة جنيف واتفاق أو تفاهم سري نسيبة يعالون. وقد عاد هؤلاء مؤخرا ليلتقوا في المغرب مع يعالون من أجل التنسيق وإعادة إحياء عظام جنيف وهي رميم. لا يوجد مشكلة في لقاء عبد ربه وابو زايدة وأبو زياد مع يعالون كأشخاص أو كفتحاويين، معه ومع غيره من الصهاينة فهذا خيارهم وهم ارتهنوا لذلك بعدما احرقوا كافة الجسور مع شعبهم. وكان هذا الشعب عاقبهم في الانتخابات التشريعية التي جرت في الضفة والقطاع، ولا بد له ان يعاقب البقية في انتخابات المجلس الوطني التي ستجري في المستقبل في الخارج وستشمل كل الشتات الفلسطيني. ونؤكد هنا انه لا يجوز لهم التحدث في تلك اللقاءات باسم منظمة التحرير الفلسطينية والشعب الفلسطيني لأنهم لا يمثلونه.

 

المفاجأة الثانية في الانتخابات التشريعية كانت الهزيمة الساحقة لمعسكر قوى اليسار الفلسطيني وخاصة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي نالت ثلاث مقاعد، بينما تحالف ثلاث تنظيمات يسارية أخرى هي الجبهة الديمقراطية وحزب الشعب وحزب فدا نالا مقعدان فقط لا غير. أما جبهة النضال جناح سمير غوشة وجبهة التحرير الفلسطينية جناح المرحوم أبو العباس وجبهة التحرير العربية لا أعرف أي جناح، فقد طاروا على جناح السرعة..ولعلهم سيأخذون من الانتخابات العبرة من أجل تجميع أنفسهم وتوحيد صفوفهم وتنقية سياساتهم ونبذ الانشقاقات والخلافات والاحتكام للديمقراطية من خلال عقد مؤتمرات تعيد بناء ما هدموه خلال مسيرة السنوات الماضية. فهذه الفصائل لها تاريخ في النضال يجب ان يحترم وقدمت شهداء وتضحيات كبيرة يجب ان تكرم وتصان. لكن يجب على الفصائل نفسها أولاً ان تحترم تاريخها. ويجب عليها قبل غيرها ان تطالب بجدية وبدون تبعية  بإحياء منظمة التحرير الفلسطينية وإصلاحها وبعث الحياة فيها وإجراء الانتخابات كي تصبح شرعية بالفعل لا بالقول فقط لا غير. وقبل أي شيء عليها الخروج من عباءة المرحوم عرفات التي ورثها لمحمود عباس بعد وفاته، وقد أحسن أبو مازن ارتداءها. حيث وضع تلك الفصائل الصغيرة المنشقة عن تنظيماتها الأم بمساعدة فتح  تحتها. وهذا الارتهان لعباس وقبله للمرجوم عرفات سبب من أهم أسباب هزيمتها. فقد جرت العادة ومازالت ان يقدموا الموقف المرتهن للسلطة مقابل حصة من الصندوق القومي وممثل في اللجنة التنفيذية البائسة والمفلسة.

 

 أما فيما يخص تعامل الطرف الإسرائيلي مع الفلسطينيين فهذه ليست المشكلة الأهم لأنه سبق ورفضت الحكومات الإسرائيلية كلها بيسارها ويمينها، التعامل مع المرحوم ياسر عرفات وكذلك مع مهندسي السلام الرئيس الحالي للسلطة محمود عباس ورئيس الوزراء الأسبق احمد قريع ، أبو علاء. ومعروف ان كلاهما من صُناع السلام الاوسلوي. لذا من السهل على إسرائيل رفض التعامل مع أي فلسطيني مهما كان مسالما او مقاوما. فلغة التعالي والاستعلاء والاستبداد والتسلط والإملاء والقوة العسكرية هي التي تتحكم بالنبرة الإسرائيلية. ومادام في أوروبا والعالم حكومات ترتعب من كابوس اسمه اللوبي اليهودي الصهيوني ومن عقدة الحرب العالمية الثانية ومآسيها ، فأنه سيصعب على الفلسطيني إيجاد سند حقيقي لعملية السلام وبهذا تتحول عملية السلام إلى عملية فرض وإملاء الشروط للاستسلام الفلسطيني. وما قطع المساعدات والأموال عن الشعب الفلسطيني سوى قراءة مغلوطة وخاطئة لطبيعة الشعب الفلسطيني وكنا كتبنا عن ذلك الأسبوع الماضي في مقالتنا "حاصر حصارك لا مفر ، حل السلطة هو الحل". فسياسة التجويع والتركيع لا يمكن لها ان تنجح مع الشعب الفلسطيني بالذات لأنه شعب مجرب وخبير في الحصار وتحدي الإعصار. فهذا الشعب سرعان ما يلتف حول حقوقه وثوابته ساعة يرى الخطر محذقا بها. وبما ان الحكومة الجديدة في السلطة حوربت قبل تسلمها مهامها مع أنها جاءت بالانتخابات الديمقراطية التي فرضتها إرادة القوى العالمية. فأن هذا يدل على وجود مؤامرة عالمية تساهم بها كافة الدول الأوروبية بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية والدولة الصهيونية. وهذا بحد ذاته يعني ان حماس ستكسب شعبية اكبر وسوف تعزز صفوفها  وقوتها وستجبر على البحث عن إطار جديد وحلفاء يمكنهم مساعدتها في إدارة شئون الأراضي الفلسطينية المحتلة خلل الفترة الأولية،خاصة أنها استلمت سلطة مهدمة ومنهوبة ومسلوبة وعديمة الحيلة والقوة. وفي ظروف لازال فيها اللصوص من مرحلة ما قبل الانتخابات يتحدثون بمنطق القوي. وهؤلاء اللصوص لهم مموليهم في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مع معرفة الطرفين بمدى فسادهم ، حيث جلهم من القادة السابقين في أجهزة ومؤسسات السلطة. لكن الأمر بالنسبة للممولين سياسي أكثر منه شفافي ، فهم يريدون من هؤلاء الوقائيين المستوزرين والمتاجرين بالحقوق ان يواصلوا التخلي عن الحقوق. ظنا منهم ان هذا سيرضي إسرائيل وان الأخيرة ستقبل بتسوية كيفما اتفق تحفظ في النهاية بعض ماء وجه جماعة اوسلو من الفلسطينيين وتريح أوروبا قليلا من عبء المنطقة. وهنا مكمن الخطورة وسوء الفهم والتقدير لأن دعم هؤلاء وفي المقابل محاصرة الحكومة المنتخبة ديمقراطيا أشد الحصار سواء كان عبر قطع المعونات والمساعدات والعلاقات والاتصال معها وعنها، سوف يرتد على أوروبا. فأي حل لا يعيد للفلسطينيين حقوقهم ويحفظ كرامتهم وسيادتهم على أرضهم وعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى مواطنهم سينتهي على إحدى مزابل المخيمات الفلسطينية.

 

لا بد من القول ان الذي يلعب النار قد يحرق أصابعه فيا أيها الأوروبيون لا تلعبوا بالنار الفلسطينية كي تبقى بردا وسلاما على الجميع. ويا أيها الحمساويون ليس أمامكم برأينا الكثير من الخيارات لأنها صارت محدودة ، فكل شيء في السلطة معلق بالاحتلال، من المصارف والبنوك حتى الحركة والمعابر والشكوك والصكوك. لذا فالأفضل في ظل حالة العداء والتآمر والحصار التي بدأت ضدكم ولن تنتهي سوى بإقصائكم وإسقاطكم أن تضعوا الكرة في ملعب الاحتلال والمجتمع الدولي، فليتحملوا مسؤولياتهم وليرجع الاحتلال احتلالا مباشرا أفضل مما هو عليه الآن. وكذلك بدلا من أن تسقطوا وتستقصوا وحدكم من اللعبة، فبحلكم السلطة التي هي مثل مجلس بلدي لا أكثر ولا أقل تعلنوا عدم صلاحية كافة الاتفاقيات السابقة الموقعة مع الاحتلال. وتنضموا رسميا لمنظمة التحرير الفلسطينية من اجل إعادة إصلاحها وبرمجتها وتطويرها من جديد عبر الانتخابات ، ولقطع الطريق على طابور المهزومين الذي يدعي شرعية قيادته للمنظمة، والذي تذكرها فجأة وأخذ منذ فوزكم بالانتخابات واستلامكم للسلطة  يتحدث عن مؤسسات المنظمة وصلاحياتها وخضوع السلطة للمساءلة في المنظمة. وهؤلاء الذي كانوا ولازالوا السبب في تغييب المنظمة صاروا يوفدون وزراء سابقين على أساس أنهم من المنظمة لملاقاة الصهاينة.. فافعلوا الذي يجب فعله ولا نعتقد ان هناك شيء يخيف صاحب الحق. ثم أن الشعب الفلسطيني هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة وشعب فلسطين أفضل محلل سياسي في عالم اليوم كما هو أفضل مصنع للبطولة والتضحيات والصمود والعطاء ونكران الذات.

 

مواضيع ذات صلة انقر هنا

*

عو دة