في ذكرى رحيل الفنان الكبير ناجي العلي : من باب المخيم باب الحرم

 بقلم : نضال حمد


اللي بدو يكتب عن فلسطين، وإللي بدو يرسم لفلسطين، بدو يعرف حاله ميت، أنا مش ممكن أتخلى عن مبادئي ولو على قطع رقبتي .. ناجي العلي

مات الفنان وهو على الرصيف الغريب، يحمل رسوماته الساحرة ، مات الجسد وغاب عن محبيه، لكن فكرة ناجي بقيت حاضرة ولازالت مقيمة بين أبناء شعبه الفلسطيني وأمته العربية حتى يومنا هذا.. مات البطل فوق الرصيف الغريب، ودفن في المقبرة الإسلامية في لندن، في بلاد الاستعمار والانتداب الذي تآمر على فلسطين، دفن في بلاد لويس، اليزابيث ، بلفور، تاتشر وبلير، حيث لازالت الدولة تمارس الدعارة السياسية ، عبر تبعيتها الكاملة للسياسة الأمريكية، المعادية بدورها للفلسطينيين والعرب.

في لندن عاصمة الضباب يرقد فنان فلسطين والعرب، المبدع الفريد، في قبر يحمل الرقم 090132، والحمدلله أن الرقم لم يكن 383242، فهذا رقم شؤم كان ناجي العلي يبغضه ويمقته، لأنه من الأرقام التي كانت ولازالت تؤكد اللا عدل والكذب والخداع في هيئة الأمم ومجلس الأمن الدوليين، حيث القرار للذين يراعون مصلحة "إسرائيل"، ولايراعون أي مصلحة عربية، وحيث يرحبون بالنفاق ويعادون الحق والعدل، عبر الإحتيال على الشعوب والأمم وتعميم سياسة الشقاق، وعبر تكريس مبدأ الإنحياز للصهيونيين العنصريين الملمومين من كل الدنيا .. من الذين أقاموا" اسرائيل " في قلب الوطن العربي الكبير، وعلى أرض فلسطين التي هي ملك الشعب العربي الفلسطيني.

قبل 26 عاماً مضت ، اطلق قاتل محترف، مرتزق، النار على رأس ناجي الأبيض، كان ذلك في شارع ضيق من شوارع لندن، أبو خالد  كان يعرف أن القتلة يلاحقونه كل يوم، فقد فعلوا ذلك في بيروت والكويت وهاهم يطلعون له من جديد، ويؤكدون صحة رسالة الشهيد صلاح خلف أبو إياد، التي طلب فيها من ناجي أن يحذر وأن يكون شديد الحرص والحيطة لأن حياته في خطر أكيد، ورغم رسالة أبو إياد واصل الحنظلي المبدع مسيرته الفنية بلا تغيير ومسيره اليومي من بيته الى مقر الجريدة في لندن، ولأنه لم يكن يهاب الموت ، سار كما العادة متكئاً على ذاكرة فلسطين الحية ، ومستنداً على مخيمات شعبه الصامدة ، الصابرة في زمن الحصار والقتل على الهوية ، وإذا ماعرفنا أن صاحب الكلام أدناه هوناجي العلي ، يبطل العجب ، فهو القائل إللي بدو يكتب عن فلسطين ، وإللي يرسم لفلسطين ، بدو يعرف حاله ميت، أنا مش ممكن أتخلى عن مبادئي ولو على قطع رقبتي ..

هكذا كان هذا الرجل النحيف، صاحب الشعر الأبيض ، الوجه الأسمر، الذي لفحته شمس الجنوب اللبناني وشمال فلسطين المحتلة ، كان رجلاً لايهاب أحداً، كان ينطق باسم الحرية ، والعدل والكرامة الإنسانية ، لذا حمل هم الفقراء وراية البؤساء ، دافع عنهم بلحمه ودمه وحبره وحياته ، ثم دفع تلك الحياة القصيرة ثمناً للخطوط الفلسطينية التي لاتعرف الألوان ، خطوط التراب الوطني الفلسطيني كاملاً.

نعم دفع هذا الرجل المقاتل بريشته ورسومه المعبرة أعز مايملك ، فقد كان يملك حريته ومبدأه وتوجهه المعبرعن طموحات ومظالم تلك الأمة، من الخليج الى المحيط ، كان يحمل هم الأمة العربية منذ عاش في مخيم الحلوة ، ومنذ عرف أن جنوب لبنان مثل شمال فلسطين.. ومنذ تعرف على جبله الأشم وبقاعه وعاصمته الكبيرة بيروت سيدة العواصم وعاصمة كل المدن ، إلى أن قتلته رصاصات الأوباش الأعداء أو أعوانهم.فلا فرق بينهم ..

كان ناجي من الذين يربطون القول بالفعل، ولايفرقون بين البلاد العربية ، إلا في تخصيص مساحة أوسع ترسم أو تحكي عن حجم المعاناة والظلم والقمع والاضطهاد في البلد المعين، كنا نرى تلك الفوارق في رسومه اليومية ،حيث يتحدث عن معاناة الفقراء والبؤساء والمظلومين في فلسطين ولبنان و مصر والسودان وكافة البلاد العربية الأخرى، كان للنفط ودول البترول نصيب هام من رسومات الفنان الكبير ناجي العلي.

أما فلسطين فكانت صاحبة النصيب الأوفر من إبداع ناجي وتألقه، يليها بالمقام الثاني وطنه الثاني لبنان ، وناجي لايغفر في قضية فلسطين والتمسك بالثوابت الوطنية كما أنه لايرحم أحداً ولايهاب أياً كان حين يكون عنوان القضية شعب فلسطين أو القضية الفلسطينية ، لذا قال في يوم من الأيام ، رداً على سياسة السلام والتنازل والزحف نحو معسكر أمريكا واسرائيل ، مايلي : كلما ذكروا لي الخطوط الحمراء طار صوابي أنا أعرف خطاً أحمر واحداً، أنا أعرف أنه ليس من حق أكبر رأس أن يوقع وثيقة اعتراف واستسلام ل"اسرائيل" ..

هكذا كان هذا الرجل الشجاع ، شجاعاً حتى آخر رمق ، وكبيراً حتى آخر نفس، لايلين لغير الحق ولايحيد عن الحقيقة ، ولايعادي أحداً سوى الذين يعادون قضايا شعبه وأمته، فقد كرس حياته للعمل الوطني والقومي ، وللدفاع عن الشعوب العربية والحريات الديمقراطية ، ولم يرتعد أو تهن له إرادة ، يوم هددوه بحرق أصابعه بالأسيد، ورد عليهم يومها بكل صلابة وشجاعة وعزة نفس وجرأة نادرة ، لايمتلك مثلها الكثيرون في هذا العالم ، قال ناجي : ياعمي لو قطعوا أصابع يدي سأرسم بأصابع رجلي هل هناك تعبير أقوى وأمتن وأصلب من هذا التعبير الذي ورد في لقاء مع الفنان الشهيد، لانعتقد أن هناك وصفاً بليغاً أو جملة أكثر وضوحاً ودقة مثل هذه الجملة ، بتلك الكلمات الحادة أكد ناجي العلي أنه لم يكن محايداً في رسوماته ، بل كان منحازاً لشعبه وقضيته وأمته، منحازاً للبنادق التي تقاتل من أجل الحرية والتحرير والكرامة والعودة للبلاد.

كان ناجي مع الفقراء منحازاً لأوجاعهم ومآسيهم ومعاناتهم ، خاصة في زمن لم يعد فيه للحكومات العربية من خيارات كثيرة ، كان أمام تلك الحكومات إما الذهاب الى الجحيم أو السير في ركب الهزيمة ونيل المديح من البيت الأبيض الأمريكي والكنيست الصهيوني ، أو البقاء في الحكم بالقوة والإرهاب والقمع وبالوجه القبيح ، وكان ما أرادت أمريكا وماحلمت به "اسرائيل"، ومايريده هذا الفيلق السيء من الرؤساء العرب.

ناجي العلي قال أنه سيذهب من باب المخيم لباب الحرم ، أي من مخيم عين الحلوة الى المسجد الأقصى قرب مخيم قلنديا، حيث ستكون الراية الفلسطينية مرفرفة عالياً في سماء عاصمة فلسطين المحررة ، في القدس الشريف، وحيث التراب الوطني الفلسطيني كاملاً متكاملاً، ومن أجل هذا كان يردد : أنا ضد التسوية ولكن مع السلام ، أنا مع تحرير فلسطين .. وفلسطين هنا ليست الضفة الغربية ، وغزة ، فلسطين بنظري تمتد من المحيط الى الخليج.

هذا الوصف جاء على لسان المبدع ناجي العلي، وكان يعني به حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وحق الدولة المحررة والمستقلة، والعاصمة التاريخية ، وليس السلطة التابعة والعاجزة والبائسة والمهزومة والمأزومة ، تلك السلطة التي تحولت للعمل خادماً مأجوراً في خدمة الأمريكان والصهاينة .

بالنسبة لناجي العلي تحرير الضفة الغربية كان مثل تحرير سبتة ومليلة، وحرية غزة مثل حرية جنوب لبنان والجولان وكل الدول العربية المحتلة بشكل مباشر أو غير مباشر.

في ذكراك ياناجي نسير على دربك ونردد قولك : اللي بدو يكتب عن فلسطين ، واللي بدو يرسم لفلسطين ، بدو يعرف حاله ميت ..