يوميات الكاتب السويدي مانكل في السفينة إلى غزة


الثلاثاء 25 أيار ـ نيس

 
إنّها الخامسة صباحاً. أنا أنتظر في الطريق سيّارة الأجرة التي ستقلّني الى المطار. يبدو أن سفينة الى غزّة صارت جاهزة للإقلاع، وها أنا أتوجّه الى قبرص، كما كان مقرراً، لأنضمّ الى القافلة. إنّ هدف كلّ رحلة منقوشٌ في نقطة انطلاقتها، هكذا فكّرت وأنا انتظر سيّارة الأجرة. هدف عمليّة سفينة الى غزّة واضحٌ وصريح: كسر الحصار غير الشرعي الذي تفرضه إسرائيل على غزّة. منذ الحرب قبل أكثر من سنة، تزداد الحياة اختناقاً على الفلسطينيّين الذين يعيشون هناك. لكنّ هدف الرحلة أكثر وضوحاً وصراحةً أيضاً. أفكّر: إنّ الفعل يؤكّد القول. من السهل أن نقول بأنّنا ندعم، أو ندافع أو نحارب هذا الشيء أو ذاك. ولكنّنا لا نثبث ذلك إلا بالفعل. إنّ الفلسطينيّين، الذين ترغمهم إسرائيل على العيش ضمن هذه الظروف التعيسة، يجب أن يعرفوا أنهم ليسوا وحدهم وأنّنا لا ننساهم. على باقي العالم أن يتذكّر وجودهم. سنستغلّ فرصة التذكير تلك لنحمل إليهم بعض المواد الضروريّة: أدوية، مواد لتحلية المياه، إسمنت.
هنا، في سيّارة الأجرة هذه، أتذكّر أنّي كتبت أولى ملاحظاتي. لا أتذكّر الكلمات الفعلية التي دوّنتها لكن محتواها. استغربت حينها كوني لم أقدّر جيداً حتى الآن الرهان الذي نقوم به: هذا المشروع يثير كره الإسرائليين لحدٍّ قد يستعينون به بالقوّة لإيقاف أسطول السفن.
لكنّ هذه الفكرة غادرتني حتى قبل الوصول الى المطار. في ما يخصّ هذه النقطة بالذات، كان هدف الرحلة واضحاً وصريحاً أيضاً: لن نلجأ الى العنف، ولن نملك أسلحة، ولن نعرب عن رغبة في المواجهة. إذا ما مُنعنا من التقدّم، يجب أن تحلّ المسألة من دون أن تتعرّض حياة المشاركين للخطر.
الأربعاء 26 أيار ـ نيقوسيا
الحرارة أكثر ارتفاعاً مما كانت عليه في نيس. الأشخاص الذين سينضمّون إلينا على السفينة يجتمعون في فندق Centrum في نيقوسيا... سنقوم بكسر حصارٍ غير شرعي. تتردّد هذه الكلمات بلغاتٍ عدّة. لكن فجأة، تتضاعف الشكوك. تأخّرت السفن، طرأت بعض المشاكل، لا نعرف بعد في أيّ مكانٍ ستجتمع السفن الستّة. قبرص ترفض أن تستقبل سفننا. لا بدّ من أن إسرائيل مارست عليها بعض الضغوط (...)
الخميس 27 أيار
ما زلنا ننتظر. الحرارة خانقة
الجمعة 28 أيّار
أتساءل إن كان الأمر سينتهي هكذا. إن كنت سأضطرّ لمغادرة هذه الجزيرة من دون أن أستقلّ أيّ سفينة. يبدو أن هناك نقصاً بالأماكن على متن السفن، وأنّ هناك لوائح انتظار للمشاركة في هذه الرحلة التضامنيّة. النائب اللّطيف ك. وزوجته الطبيبة س.، السويديان اللذان يشاركانني هذه الرحلة ساهما في الحفاظ على الروح المرحة. السفر بالسفينة عمل مضنٍ دوماً، أقول في سرّي. نكمل في تنفيذ مهمّتنا. ننتظر.
السبت 29 أيّار
كلّ شيءٍ سار بسرعة فجأةً. سوف نصعد ـ بالرغم من أنّ كلمة ربّما ما زالت تحوم في الأجواء ـ على متن مركبٍ سريع حتى ننضمّ الى السفن الخمس الأخرى في عرض البحر ونبحر معاً الى غزّة. ننتظر. قبل الساعة الخامسة بقليل، تأذن لنا سلطات المرفأ بالصعود على متن سفينة تدعى Challenger ستقودنا الى نقطة الالتقاء حيث سنستقلّ سفينة Sophia (...) عند الساعة الخامسة بالضبط، دارت محركّات الديزل بصوتٍ هادر. ها قد انطلقنا.
الساعة الحادية عشرة ليلاً
استلقيت على كرسي على الجسر الخلفي للسفينة. الهواء ليس قوياّ جداً، لكنه قويٌّ بما يكفي ليصاب بعض الركاب بدوار البحر. ملتفاً بغطاء، رحت أراقب القمر يرسم طريقاً على الماء وهو يزيّن الأمواج، وأفكّر في أن التضامن قد يأخذ فعلاً أيّ شكلٍ كان. لا نتكلّم كثيراً في ما بيننا على السفينة بسبب صوت المحركات. معظم الأشخاص يحاولون النوم، او الإستلقاء على الأقل. أقول في سرّي أن الرحلة حتى الآن تبدو هادئة بشكلٍ لافت. لكنّه هدوءٌ خائن.
الأحد 30 أيّار ـ جنوب شرق نيقوسيا بحراً ـ الساعة الواحدة ليلاً
أضواء باهرة. كابتن السفينة الذي لم أستطع حفظ اسمه حتى الآن أبطأ السرعة. الأضواء التي تلمع أمامننا هي لسفينتين من الأسطول. سوف نتوقّف عن السير الآن بانتظار الصباح، حتى نتمكّن من الانتقال الى السفن الأخرى. حتى الآن لم أجد بعد مكاناً أستطيع الاستلقاء فيه لأنام. أكاد أغفو وأنا جالس على كرسيّي المبتل. التضامن يبدأ بالرطوبة، بالانتظار، هكذا نساهم في أن يحظى آخرون بسقفٍ يحميهم.
الساعة الثامنة صباحاً
البحر أصبح أكثر هدوءاً. نتوجّه نحو أكبر سفينةٍ في الموكب. سفينةٌ لنقل المراكب على متنها أكثر من مئة شخص. تحدّثنا كثيراً عن أنّ الإسرائيليّين سيركّزون نشاطهم على هذه السفينة بالذات. لكن أي نشاط؟ إنّه السؤال الذي نجترّه منذ أن انطلق المشروع. هل ستقوم البحريّة الإسرائيليّة بإغراق السفن؟ أم ستصدّها بالقوّة؟ أم أنّها، وهو الحلّ الأنسب، ستسمح للسفن بالمرور وتكسب بذلك من جديد سمعتها التي تتشوّه أكثر وأكثر في نظر العالم؟ لا نعرف. لكنّ أكثر الأمور احتمالاً هو أن تأمرنا بعودة أدراجنا ما ان نقترب من مياهها الإقليميّة، مستخدمةً مكبّرات الصوت على متن مراكبها البحريّة. إذا ما رفضنا حينها، فقد تقوم بهدم مراوح أو دفف السفن ثمّ تجرّنا الى مرفأ ما حتى نصلح أعطالنا.
(...)
الساعة السادسة مساءً
كلمة انتظار لم تعد ضمن قاموسنا. ها نحن نقترب الآن. لكن مم؟ لا أحد يعرف ما سيفعله الإسرائيليّون. لا نعرف سوى تهديداتهم بأنّ الأسطول سيصدّ بكلّ الطرائق. لكن ما الذي يعنيه ذلك؟ مناورات سريّة؟ سحب السفن بالقوّة؟ إنزال جنود من طائرات الهيليكوبتر؟ لا نعرف. لكن العنف، إذا ما استعمل، فلن يكون من نتاجنا. لن نقوم بالرد بما يتعدّى دفاعنا الشرعي عن أنفسنا. لكن في الوقت ذاته، بإمكاننا ان نصعّب المهمة على الذين قد يهاجموننا. لذا نقرّر أن ننشر أسلاكاً شائكة على أطراف السفينة. نعتاد على ارتداء بذلة الإنقاذ. ننظّم دورات حراسة ونتّفق على المكان الذي سنجتمع فيه إذا ما صعد الجنود على متن السفينة. (...)
الاثنين 31 أيّار ـ الساعة الثانية عشرة ليلاً
أتولّى أمر المراقبة ما بين منتصف اللّيل والساعة الثالثة. تمرّ الساعات بسرعة. أتنبّه للتعب الذي أنا فيه عندما يأتي شخص آخر لأخذ مكاني في المراقبة. لا نزال بعيدين عن المياه الإقليميّة التي قد تظنّ إسرائيل أنّ من حقّها حمايتها. سيكون بمقدوري أن أنام بضع ساعات. (...)
الساعة الرابعة والنصف
كنت قد غفوت لتوّي عندما استيقظت مجدّداً. ذهبت الى سطح السفينة ووجدتها مضاءة. سمعت صوت إطلاق نار. فهمت أنّ إسرائيل اختارت مواجهتنا بالعنف، في المياه الدوليّة.
مرّت ساعة قبل أن تقترب منّا الزوارق الهوائيّة الإسرائيليّة الضخمّة محمّلةً بجنود مقنّعين. يحتّلون السفينة. نجتمع كلّنا على عبّارة السفينة. يريد الجنود إنزالنا إلى السطح. ينفد صبرهم. يتطلّب الأمر من أحد الركّاب بعض الوقت فيحصل فوراً على ضربة صاعقٍ كهربائي في اليد. يقع أرضاً. راكب آخر، بطيء أيضاً، يصاب بطلقة رصاصٍ مطّاطي. أفكّر في كون ذلك يحصل في القرب منّي. الأمر واقعي جداً. أشخاص لم يفعلوا شيئاً يعاملون كالماشية ويعاقبون على بطئهم.
يجمعوننا ويجلسوننا على سطح السفينة. سنبقى على هذه الحالة إحدى عشر ساعة حتى نصل الى إسرائيل. من وقت لآخر، يقوم الإسرائيليّون بتصويرنا من دون أن يملكوا حقّ القيام بذلك. أريد أن أدوّن بعض الملاحظات، لكن أحد الجنود يقترب منّي ويسألني عمّا أكتبه. إنّها المرّة الوحيدة التي أنفعل فيها. أجيبه بأن الأمر لا يعنيه. لا أرى سوى عينيه. لا أعرف ما الذي يفكّر فيه. لكنّه يدير ظهره ويذهب. إحدى عشرة ساعة من الجمود، مكوّمين على بعضنا البعض في الحر، الأمر يشبه التعذيب. علينا الاستئذان قبل الدخول الى الحمام. كلّ ما نحصل عليه من طعام هو بعض البسكويت والتفاح. لا يحقّ لنا أن نحضّر بعض القهوة، في الوقت الذي كان بإمكاننا ان نقوم بذلك من مكاننا. نتّفق كلّنا على ألا نطلب من الجنود الإذن لتحضير الطعام. وإلا لقاموا بتصويرنا واستخدموا ذلك ليظهروا مدى نبلهم معنا. نكتفي بالبسكويت. الوضع كلّه مذل جداً (...)
خلال هذه الساعات الإحدى عشرة، امتلكت الوقت الكافي لأحللّ الوضع وأستخرج بعض النتائج. لقد هوجمنا في وسط البحر، في المياه الدوليّة، ما يعني أنّ الإسرائيليّين قد تصرّفوا كقراصنة، لا يختلفون بشيء عن أولئك الذين يمارسون قمعهم في عرض البحر الصومالي. ومنذ اللّحظة التي تولّوا فيها قيادة السفينة وراحوا يقتادوننا الى إسرائيل، نستطيع القول اننا اخطتفنا. إنّ هذا التدخّل يعدّ انتهاكاً للقانون، من اوّله الى آخره.
نحاول ان نتحدّث في ما بيننا لنفهم اكثر ما قد يحدث بعد ذلك. الجنود ينظرون إلينا. بعضهم يحاول التظاهر بعدم فهم اللّغة الإنكليزيّة. في الحقيقة هم يفهمونها جيداً. يوجد بينهم بعض الفتيات. بدا عليهنّ أنهنّ منزعجات. ربّما سوف يكنّ من يهربن الى غوا ويدمنّ على المخدّرات حتى الموت بعد أن ينهين خدمتهن العسكريّة؟ يحدث ذلك كثيراً.
الساعة السادسة مساءً
وصلنا الى اليابسة، في مكانٍ ما من إسرائيل. لا أدري أين. أنزلوننا أرضاً وأرغموننا على الركض في الطرقات بين الجنود بينما يقوم التلفاز العسكري بتصويرنا. أظنّ أنّ هذا، وبالتحديد هذا، لن أسامحهم عليه أبداً. في هذا اللّحظات بالذات، لا أفكّر بشيء آخر سوى بكونهم أوغادا قذرين.
يفصلوننا عن بعضنا البعض. لا يحقّ لنا التحدّث في ما بيننا. يأتي إليّ رجلٌ من وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة. أظنّ انه هنا ليتأكّد من أنّهم لا يعنّفونني. فأنا بالرغم من كلّ شيء معروفٌ في إسرائيل ككاتب، وكتبي تترجم للّغة العبرية. يسألني إن كنت أريد شيئاً ما. اجيب نعم، ان يتمّ تحريري، وكلّ الآخرين أيضاً. لا يجيب، فأقول له بأن يرحل. يتراجع بضع خطوات، لكنّه لا ينصرف.
لا اعترف بشيءٍ طبعاً. يتمّ إعلامي بأنّني سوف أرحّل. الرجل الذي يخبرني ذلك يقول لي انّه معجبٌ بكتبي. أصمّم على السعي لأن لا تترجم كتبي الى اللّغة اليهوديّة من اليوم وصاعداً. إنّها فكرة لم تنضج بعد.
تسود أجواء من الفوضى العارمة في هذا الملجأ. من وقت لآخر، يضربون أحداً ما، يرمونه أرضاً، يربطونه، يكبّلونه. أفكّر أكثر من مرّة بأنّ احداً لن يصدّقني عندما سأروي ذلك. لكنّ عيوناً كثيرة ترى ما أراه الآن. كثيرون سيروون ما شهدوه. كثيرون سيقرّون بأنّ ما أقوله حقيقي.
مثلٌ واحد يكفي لذلك. الى جانبي، يرفض رجل أن تؤخذ بصمات أصابعه. يقبل بأن يتمّ تصويره لكن يرفض أن تؤخذ بصماته. يعتبر انّه لم يرتكب أيّ خطأ. يعترض، يقاوم. فيضربونه. عندما يقع أرضاً، يجرّونه الى خارج الصالة. الى أين؟ لا أعرف. أيّ كلماتٍ يمكنني استخدامها لأصف ما أراه هنا؟ مقيت؟ غير إنساني؟ ليس أمامي إلا الاختيار.
الساعة الحادية عشرة ليلاً
يتمّ أخذنا نحن السويديين الثلاثة، النائب، زوجته وأنا الى مركزّ للاحتجاز. يفصلوننا عن بعضنا البعض، ويعطوننا بعض السندويشات التي لها طعم الإسفنج المستخدم لغسل الأطباق. الليّلة طويلة. أستعين بحذائي كوسادة.
الثلاثاء 1 حزيران
يجمعوننا أنا والنائب ويعلموننا بأنه سيتمّ نقلنا بغية ترحيلنا. نرفض الذهاب قبل معرفة ما حصل للسيدة س. نعلم أنّها في طريقها أيضاً ونخرج من زنزانتنا.
في الطائرة، تعطيني المضيفة زوج جوارب. لقد سرقت جواربي من قبل أحد اعضاء فرقة المغاوير على متن السفينة.
هذه أسطورة تتهاوى: أسطورة الجندي الإسرائيلي الشجاع الذي لا يملك شيئاً يلام عليه. الآن، نستطيع أن نقول عنهم انّهم سارقون مثيرون للشفقة. لست الوحيد الذي تعرّض للسرقة: المال، بطاقات الائتمان، الثياب، الكمبيوترات، لا شيء سلم من أيديهم. كنّا كثيرين على هذه الحال على متن هذه السفينة التي هوجمت عند مطلع الصباح من قبل جنودٍ مقنّعين لم يكونوا في النهاية أكثر من قراصنة.
في وقتٍ من اللّيل، وصلنا الى السويد. أتحدّث الى بعض الصحافيّين. ثمّ أبقى بعد الوقت جالساً في الظلمة قرب المنزل الذي أسكن فيه.
في اليوم الثاني، 2 حزيران، أستمع الى غناء الشحرور. نشيدٌ لأرواح الذين ماتوا.
الآن، يوجد كلّ ما تبقّى لينجز. لا يجب أن نضيّع الهدف الأساسي، كسر الحصار عن غزّة. سيحدث ذلك. خلف هذا الهدف، كثيرون ينتظرون. إنّ الانتهاء من نظام قائمٍ على التفرقة العنصريّة يتطلّب وقتاً، لكن ليس دهراً.

السفير - ترجمة: زهراء مرتضى
عن جريدة ليبراسيون

12/06/2010