حوار مع الاديب الفلسطيني المغترب: نضال حمد - حاوره الأديب المغربي محمد داني

نحن اليوم وجها للوجه مع احد رموز المقاومة الفلسطينية واحد فرسانها بالبندقية والكلمة الجميلة..

إنسان ترعرع في كنف الفضيلة، والطهارة، رافضا لكل ابتذال ولكل تحيز ولكل ظلمتعدد ملكاته من شاعر إلى كاتب قصة إلى صحفي لامع إلى محلل سياسي، إلى كاتب مقالة.. إلى إنسان يحب الحرية والانعتاق والإنسانية..
أنه الشاعر والقاص والكاتي والصحافي والمقاوم البطل ، ابن عين الحلوة،الاستاذ سي نضال حمد
سنسافر معه في رحلة جميلة نتوخى منها إماطة اللثام على بعض جوانب من شخصيته الجميلة..
لذا يسرني ان اقدم لزملائي بإنانا هذه الشخصية الألمعية التي كانت شفافة إلى حد البساطة دونما مساحيق أو رتوشات..
فشكرا لأستاذي نضال على بوحه الجميل هذا:




من هو الأستاذ حمد نضال؟
فدائي عربي فلسطيني لا يعرف التعب، ولد وتربى في أكبر مخيمات الفلسطينيين في لبنان، مخيم عين الحلوة. هناك تعلم حب فلسطين والانتماء للعروبة التي أنجبت ثورة الجزائر وقيامة عبد الناصر في مصر وثورة الشعب الفلسطيني المشرد واللاجئ. في المخيم تعلم أيضاً الانتماء للتراب الوطني الفلسطيني كاملاً. ولتعاليم الثورة المستمرة بالنهج الحنظلي الذي خطه شهيدنا المبدع الراحل ناجي العلي. ابن مخيمنا عين الحلوة. في المخيم صقلت أفكاره وتفتحت عيناه على وطن محتل وشعب شريد وأمة لا حول ولا قوة لها. فقرر الانتماء للثورة الفلسطينية باكراً، ومضى مع أفواج الفدائيين يقاتل لأجل فلسطين وحفاظاً على عروبة لبنان. أصيب في معارك المواجهة مع الدبابات الصهيونية اثناء الدفاع عن مخيمي صبرا وشاتيلا ضد المجزرة سنة 1982. فقد ساقه لكنه لم يفقد البوصلة. ظلت فلسطين هي الهدف الذي لا يتبدل. واصل التعلم بعد الإصابة، درس العلوم السياسية، عمل في الصحافة والإعلام وفي مجال العمل السياسي الفلسطيني. منذ 1992 يعيش في العاصمة النرويجية أوسلو.يرأس الجالية الفلسطينية في النرويج التي ساهم في تأسيسها. أسس ويدير موقع الصفصاف الإخباري العربي النرويجي، الموقع العربي الوحيد في النرويج.


ما هي أحلامك الثقافية؟ والسياسية؟
أحلامي الثقافية أن أكون على قدر هذه المهمة الصعبة، والمسؤولية الملقاة على عاتق المثقف العربي بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص. ولا أستطيع ان اعزل السياسي عن الثقافي. فكلاهما يكمل بعضه. وأحلامي السياسية تتمثل بتحرير فلسطين والعراق وبقية المناطق العربية المحتلة. و بأن نصبح بلاداً ديمقراطية تؤمن بالعدل والمساواة وتقاسم الحصص والفرص وبحرية الإنسان وحرية التعبير. نحن أصحاب تاريخ عظيم هو تاريخ الدولة الإسلامية التي أنجبت عظماء مثل الخليفة عمر بن الخطاب والخليفة عمر بن عبد العزيز ، والسلطان صلاح الدين الأيوبي وهارون الرشيد وغيرهم من الذين قدموا تجربة غنية بالحكم العادل.


كيف بدأ مشروع نضال المثقف والأديب والصحفي والسياسي؟
في سن المراهقة بدأت أكتب خربشات على كراسات المدرسة وعلى الجدران في الحارة. ثم بدأت من خلال انتمائي لتنظيم يساري فلسطيني يؤمن بالتثقيف السياسي والأدبي والعلمي، بدأت أقرأ كل ما توفر من كتب وإصدارات كنت أجدها في المكاتب أو في النوادي وكذلك تلك التي تمكنت من شرائها أو اقتنائها عبر الأصدقاء. هناك قرأت كثيراً عن النظرية العلمية " الاشتراكية" وعن تجارب الثورات الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي والصين وكوريا وفيتنام. وكذلك عن ثورة الجزائر وعن الناصرية وعبد الناصر، وعن اليمن الجنوبي. هناك تعرفت على قضايا لم أكن اسمع بها مثل أن اليمن شمالي وجنوبي، وكوريا شمالية وجنوبية، وألمانيا شرقية وغربية. ومعسكر اشتراكي شرقي وآخر رأسمالي غربي. بعد فترة من الخربشة في المدارس وعلى الجدران، بدأت انشر بعض الكتابات في صحف المقاومة الفلسطينية التي كانت تستقبل بعضها وتنشره في باب القراء. مع بداية الحرب الأهلية في لبنان بدأ مشروعي الصحفي والسياسي وكذلك الثقافي والعقائدي.


هلا حدثتنا عن المشهد الثقافي الفلسطيني في أوسلو؟
في أوسلو لا يوجد تجمع ثقافي فلسطيني كبير أو ملموس، لكن هناك بعض الكتاب والصحافيين والأدباء و الأشخاص الفلسطينيين الذي يمارسون أعمالاً وأدوار يمكن وضعها في خانة العمل السياسي و الثقافي بشكل عام. الطاغي على المشهد الفلسطيني في أوسلو هو المشهد السياسي. نحاول القيام بعمل ما ثقافي بين الفينة والأخرى،وبحكم رئاستي للجالية الفلسطينية في النرويج، و علاقاتي وصداقاتي الكثيرة محليا وعربيا ودوليا أقوم أحياناً بدعوة فنانين، أدباء ومخرجين سينمائيين فلسطينيين لتقديم القضية الفلسطينية للمجتمع النرويجي.

حدثنا عن طفولتك والكتابة؟ أي: الطفل في المتخيل لدى نضال حمد؟
بصراحة لم أستطع لغاية الآن أن أعطي طفولتي حقها.. لقد عشت طفولة غنية بالأحداث الشيقة و الأخرى الدرامية. لم أكن طفلاً عاقلاً، كنت متهوراً كثيراً. أتعبت والدي ووالدتي كثيراً. لم يرتاحا بسبب المشاكل والهموم التي كانت تنزل عليهم. أحاول أن أستعيد تلك الذكريات وكتابة أي شيء عنها. المهمة ليست سهلة ومعقدة. في بعض كتاباتي كانت هناك عودة للطفولة. مثل قصة أطفال القلعة.



- في قصيدتك/ قصتك جمانة وجدنا نضالا آخر.. هلا حدثتنا عن الطقوس التي رافقت كتابة هذه القطعة الجميلة؟

هذا النص "جمانة" عبارة عن رسالة منبعثة من القلب من أخ لأخته.. قد تكون هذه مفاجأة النص أنه مكتوب من شقيق لشقيقته. شقيق أصيب إصابات بالغة وخطرة في المعركة. ثم وجد نفسه في بلد أوروبي بعيد، وحيد وغريب. أما الأهل تحت الاحتلال. وبعد خروج شقيقه الوحيد من معتقل " أنصار ". أخذ الشقيق يمارس العمل المسلح ضد الاحتلال ويعيد مع بعض الأصدقاء والرفاق " كثيرون منهم استشهدوا وهم رفاق وأصدقاء نضال كذلك ".. بعد ذلك بدأ الجنود المحتلين الصهاينة يبحثون عن الشقيق لاعتقاله. وكانوا يقتحمون المنزل في أوقات مختلفة ومع عملاء محليين. في إحدى المرات اقتحموا المنزل ليلاً. وكانت جمانة التي اعتادت من صغرها ارتداء الحجاب نائمة في فراشها. دخل الجنود المنزل بعدما فجروا الأبواب " مع أن والدي كان يتركها مفتوحة لأنه اعتاد على زياراتهم وكي لا يفجروها".سألوا عن جمال ولم يكن جمالا كما جرت العادة في البيت. أحد العملاء قال للضابط الصهيوني أن جمال ممكن أن يكون مختبئاً في الفراش، وأشار بيده على موقع جمانة. قال الضابط لوالدي من في الفراش ؟ أجابه والدي انها ابنته وهي "محجبة" ولا تكشف نفسها على الغرباء. لكن الضابط أصر على أن ترفع الغطاء عن رأسها حتى يتأكد منها. هكذا ومن هنا جاءت قصة جمانة وقراءة قلبها وليس الكلمات والعبارات. كان زمناً مميزاً من المقاومة والفداء والعطاء.


- ما حكاية( مقهى كوبا)؟
أما قصتي مع مقهى كوبا فهي شيء آخر مختلف تماماً .. في تلك القصة تحدثت عن تجربة الطلبة العرب والأجانب في جمهورية بولندا الشعبية. والقصة تتحدث عن بداية التحول من الاشتراكية " التي لم تكن موجودة أصلاً بشكل صحيح" إلى الرأسمالية التي اجتاحت تلك المجتمعات أيضاً بشكل مرضي وغير سليم. مقهى كوبا رمز لزمنين عشتهما في بلد واحد.

- نضال والمقاومة.. لن نتحدث عن المقاومة في الساحة الفلسطينية، ولكن حدثنا عن المقاومة في الإبداع الأدبي لنضال حمد؟
يصح القول أنني أحيا وأعيش منذ صغري مقاوماً .. هكذا تربيت وهكذا لازلت. أحمل هم شعبي في قلبي وعقلي وقلمي. وأحمل عنوان صراعنا على كتفي ، وأحافظ على الكوفية الفلسطينية المرقطة لتبقى أنقى واطهر من الذين باعوها وباعونا.في الغالبية العظمى من كتاباتي تجد النفس المقاوم موجوداً. وستجده إنشاء الله موجوداً مادام هناك أسباب تدعو لذلك.


- لم لم تصدر بعض الإصدارات الورقية؟
لو لم تسألني هذا السؤال لكنت سوف أعلن بعد نهاية العيد صدور أول عمل مطبوع لي عن دار الشجرة في سوريا. وهو مجموعة مختارة من النصوص. سوف يصدر هذا المؤلف بعد نهاية عطلة عيد الأضحى المبارك.


- كيف تجمع بين تنقلاتك الخاصة والكثيرة والقضية الفلسطينية والكتابة؟
في الحقيقة أن تنقلاتي الخاصة قليلة جداً ومعظم سفراتي وتنقلاتي هي لصالح وفي خدمة القضية الفلسطينية. أما الجمع بين التنقلات والكتابة من الصعب علي الإجابة على السؤال. قد يكون بفضل تضحية زوجتي وأولادي وتفهمهم لرسالتي الوطنية والثقافية. وثانياً لأنه توفيق من رب العالمين. فالله دائماً يساعدني في عملي من خلال تحقيقي للنجاحات.


- هناك من يرى أن نضال صحفي أكثر منه شاعر وقاص.. أين تجد نفسك أستاذ نضال؟
بصراحة أنا لا أستطيع إجابتك مباشرة على السؤال .. أنا موجود هنا وهناك .. وأحترم آراء الزملاء والنقاد. وقد أكون أكثر في الجانب الصحفي. لكن الذي يكتب جمانة، ونم يا حبيبي فالدرب مازال في أوله، وسيدة الورد ، و محاولة انتحار، و لماذا أنت هنا يا وردة؟ هل يمكنه أن يكون خارج مجال الأدب؟


- لم لم تفكر كفلسطيني مغترب في إقامة صالون أدبي بأوروبا؟
لست من الذين يحبون النقاش والجدل والتجمعات الأدبية.. أفضل أن أعمل بصمت وبدون ضجيج. وإقامة صالون أدبي في أوروبا شيء يستلزم من هم أهم بكثير من نضال حمد. ويتطلب إمكانيات وجماعات. والأدباء والشعراء والكتاب العرب كثيرون في أوروبا.


- في كتاباتك القصصية نجد الأستاذ نضال يلج عوالم مختلفة بكل بساطة وشفافية وفنية، هل هذا منهج فني وتقني يعتمده الأستاذ نضال ويتبناه؟

لا اعرف ماذا اسميه.. أنا بطبعي هكذا أكتب الذي في قلبي و عن الأشياء التي أحس بها واشعر أنني مدين لها بكتابتها. التنوع في الكتابة شيء ممتع. على الإنسان أن يبحث دائما عن الجديد. لست أتبنى أي نوع من السرد والكتابة.. أنا أكتب بحسب ما أحس وأشعر وأفكر. اللحظة هي التي تحدد نوع الكتابة.


- في كثير من قصصك وكتاباتك نجد هيمنة الراوي/ الكاتب وبضمير المتكلم.. لم هذا الاختيار ؟

قد تكون تجربتي الذاتية هي السبب فأنا كما أسلفت عشت حياة صعبة ومميزة، مررت فيها بكل أنواع الحزن والفرح والكآبة والحروب والمعارك والمنافي والتشرد والحرمان والجوع والفقر . في مثل تلك الأوضاع والأزمنة الخاطئة حافظت على نظافة موقفي وسلامة تفكيري السياسي ولم أقدم أي شيء لأصحاب المال وللذين أرادوا شراء صوتي. ضمير المتكلم هو شعبي وأنا نسخة عن شعبي وأهلي وناسي. ضمير المتكلم هنا هو حنظلة هذا الطفل الذي يحمل كل همومنا ورغم ذلك يظل واقفاً أصلب من الصخر وأمتن من الجبال.


بمن تأثرت من الكتاب والأدباء في مسارك الأدبي؟
تأثرت بكثيرين من الكتاب وأحببت قراءة الروايات والقصص والأشعار العربية و العالمية. من العرب تأثرت بكتابات حنا مينا، إميل حبيبي، محمد شكري، رشاد أبو شاور، سميرة عزام،غسان كنفاني، محمد الماغوط، محمود درويش، معين بسيسو، توفيق زياد وغيرهم.. أحببت من الأجانب كتابات عزيز نسين التركي. ماركيز غارسيا الكولومبي. ميووش ، كابوشينسكي، شيمبورسكا من بولندا.


نجد في كتاباتك حيرة الانتماء للمجتمع الجديد.. كيف توفق بين الغربة والكتابة، والانتماء لفلسطين؟
قبل أي شيء أنا عربي فلسطيني، أنتمي لعائلة تدين بالإسلام. عائلة ربتني على حب وطني وأمتي. أحاول أن أوفق بين جذوري ومكان إقامتي الجديد وهويتي الجديدة. أحاول أن أجد حلولاً وسطا لحيرة الانتماء التي نجدها عند الكثير من العرب والأجانب في المهجر الغربي. أما فلسطين حاضرة معي حضور الله عند كل مؤمن. ولا يمكن أن لا تكون حاضرة لأنها إكسير الحياة.


ما رأيك في المنتديات، وما ينشر فيها؟
المنتديات شيء جميل.. لأنها استطاعت جمع الكتاب والأدباء والشعراء والأعضاء من كل بقاع الأرض العربية وكذلك من المهجر. هي صرح ثقافي يمكن أن يكون أفضل مما هو عليه الآن بكثير لكن بشرط أن ترتقي لغة الحوار فيها إلى مستويات عالية. أما عما ينشر فيها فهناك أشياء جيدةوهناك أشياء رديئة لكنها قليلة وعابرة. نحن هنا كلنا نتعلم ونستفيد من تجاربنا ومن تعليقات وآراء الآخرين.

- ما رأيك في الكتاب الإلكتروني؟
الكتاب الالكتروني سوف يساعد هذا النوع من النشر على انتشار الكتاب بين القراء في كل الدنيا. لكني شخصياً أفضل النشر الورقي.


ما هو جديدك سي نضال؟

جديدي يا سي محمد داني " برلّي المخيم " كتاب سيصدر بعد أيام في سوريا. وهو مجموعة نصوص مختارة من كتاباتي. وأعمل على إصدار كتاب مختارات ثاني خلال ربيع العام المقبل.
محبتي وعيد سعيد
_________________
إذا الشعب يوما أراد الحياة*** فلا بد ان يستجيب القدر

sep 2007