النفاق السياسي وصل الى ما بعد بعد حيفا


بقلم: نضال حمد

الذين يوجهون سهام النقد لحزب الله وتحالفاته الايرانية السورية عليهم ان يتذكروا ان قوى 14 اذار نفسها كانت لحد وقت قريب مقربة من دمشق.


لفتت انتباهي مقالة لباحثة وكاتبة أعتقد انها فلسطينية.. أقول ذلك لأنها وضعت توقيعها قرب اسمها ككاتبة وباحثة من حيفا، نسبة لمدينة حيفا الفلسطينية المحتلة منذ سنة 1948، والتي عرفها العالم كله أكثر من خلال رواية الشهيد المبدع غسان كنفاني "عائد الى حيفا" وكذلك عبر التصريح الشهير للزعيم المجاهد، المقاوم حسن نصرالله، حيث قال اثناء حرب تموز 2006 أن صواريخ المقاومة ستصل الى ما بعد بعد حيفا.. ووصلت بالفعل، وعاش فلسطينو حيفا الذين ظلوا تحت الاحتلال في مدينتهم أياماً مجيدة، إذ تحررت شوارع المدينة من اي وجود يهودي صهيوني فيها اثناء الحرب.. طبعاً هذا بفضل صواريخ حزب الله الايرانية والسورية!

نشرت المقالة المذكورة للحيفاوية المقيمة في قبرص، والمقالة محملة بعداء شديد لحزب الله وسوريا وايران وقد نشرت في موقع ميدل ايست اونلاين الاخباري الالكتروني الذي يبث من لندن منذ عدة سنوات وكنت شخصياً نشرت فيه عشرات المقالات. عنوان مقالة الباحثة الحيفاوية هو التالي: "من النصر الإلهي عام 2006 إلى الهزيمة السياسية عام 2009".. طبعاً العنوان يستهزأ و يستخف بأول نصر عربي حقيقي حققته قوى المقاومة العربية على جيش الارهاب الصهيوني. إذ تقول الكاتبة بداية: "كان الوهم كبيراً أن 'النصر الإلهي' في 2006 فتح الطريق للأطماع الفارسية التاريخية (ما دام الله معنا)، وداعب أطماع الذين نهبوا لبنان خلال عقود الاحتلال، وتصرفوا بمصالحه ومصائر شعبه على ذوقهم، وكان خروجهم نتيجة الثورة البرتقالية للشعب اللبناني، الذي توحد بحركة 14 آذار.".

طبعاً الكاتبة تتهم حزب الله بانه يريد لايران ان تحتل لبنان والبلاد العربية، وأنه يعيد فتح الطريق للذين نهبوا لبنان خلال عقود الاحتلال، وهي تعني بالاحتلال السوري وليس الاسرائيلي. متجاهلة تماماً أن قوى 14 آذار التي فازت بالانتخابات البرلمانية كانت كلها قبل أن تتجمع في هذا التحالف، تعمل بأمرة ضابط مخابرات سوري في لبنان. وتجاهلت كذلك أن غالبية قادة 14 آذار كانوا في حلف مع سوريا، وكانوا يبيعون ويشترون ويتاجرون بلبنان وخيراته وممتلكاته من اجل المنفعة الخاصة فقط لا غير. كانوا يفعلون ذلك لأنهم كذلك ولأنهم لن يتبدلوا ولن يغيروا اساليبهم في العمل. فهم مع الحائط الواقف. واليوم حائط تيار المستقبل بزعامة الحريري هو الواقف، يسندهم بالمال والأعمال والاعلام وفرص الاستثمار على حساب الشعب المسكين. صحيح أن لبنان بلد منفتح ومتعدد الطوائف وفيه حرية اعلامية وتجارية أكثر من سوريا وغيرها من الدول العربية، لكن لبنان منذ نشأته كان ومازال بلداً طائفياً تتقاسمه الطوائف والمذاهب والعائلات الحاكمة. وبرلمانه أيضاً كذلك. وقد غرق لبنان في الديون من البنوك الدولية في زمن حكم الرئيس الراحل رفيق الحريري. حيث تكاثرت ديونه بشكل كبير. بينما سوريا من الدول القليلة أو قد تكون الوحيدة في المنطقة التي لم تستلف او تستدين من البنك الدولي كي لا ترهن موقفها السياسي. يبدو أن هذه الحقيقة غابت عن بال الكاتبة أو غيبتها عمداً.

لم نقرأ في المقالة الطويلة للكاتبة الحيفاوية أي شيء يُذكر بتاريخ بعض أو كثير من رموز وأبطال تحالف 14 آذار. ونكتفي هنا بمثال واحد هو سمير جعجع، الذي قاد مجزرة صبرا وشاتيلا ومجزرة اهدن والذي أتهم باغتيال الرئيس رشيد كرامي وحوكم على خلفية تفجير كنيسة في بيروت الشرقية. كما أن في رقبته مصير مئات المفقودين الفلسطينيين واللبنانيين الذين لا يعرف اي شيء عنهم منذ اختطفتهم ميليشياته الارهابية في سنوات الحرب الأهلية. كما غاب تماماً عن المقالة المنحازة كلياً لمعسكر 14 آذار التذكير بتاريخ بعض القتلة والمجرمين فنجد أنه راع الكاتبة أن تتحالف قوى العروبة والقومية واليسار ممثلة بالشيوعيين والقوميين والناصريين مع حزب الله. طيب؛ إذا لم يتحالفوا مع الحزب فمع من عليهم أن يتحالفوا؟ مع المعسكر الذي ينسق سياساته واعماله مع الادارة الأمريكية؟ وحتى هناك منه من ينسق مع الكيان الصهيوني.


لم تتحدث كاتبة المقالة ولو بكلمة واحدة عن سياسة الحصار والاغلاق والاذلال الممارسة على الفلسطينيين في مخيماتهم و لا عن حرمانهم المستمر من حقوقهم الانسانية مثل حق العمل والاقامة والتوريث وجواز سفر يمكنهم من السفر والتحرك بحرية. إذ وثيقة اللاجئ التي تمنح لهم ليست كافية للتحرك بحرية كما كل مواطن لبناني. ولم تذكر أن معظم القوانين العنصرية الحديثة العهد ضد الفلسطينيين في لبنان أخذت في زمن حكومات كان يرأسها الراحل رفيق الحريري، الذي يعتبر اغتياله الملهم لجماعة البرتقالي من 14 آذار فيما سمته الكاتبة بالثورة البرتقالية. ولا تحدثت الكاتبة عن التصريحات العنصرية التي يطلقها بعض رموز 14 آذار ضد الفلسطينيين في لبنان.

تقول الكاتبة ان الانتخابات جاءت بهزيمة للتحالف الشمولي، الايرانو - سوري الممتد لبنانياً بحزب الله وأتباعه.. وتستخف مرة أخرى بنصر المقاومة حين تكتب: "لم نتوهم بالنصر الإلهي، ودائماً رأينا الدمار المريع والثمن الذي دفعه أبناء لبنان بحياتهم وبدمار اقتصادهم ودمار مدنهم وبناهم التحتية، في حرب غير متكافئة لا مصلحة لهم فيها، فرضتها ميليشيا مسلحة لا تملك الحق الشرعي في اعلان الحرب وتوريط دولة وشعب بحرب تدميرية دون ان يكونوا على استعداد، ودون أن يملكوا أبسط الوسائل لتوفير الحماية للمواطنين. حرب لا تخدم أي من الأهداف الوطنية اللبنانية أو العربية، وتصب كلها في مصلحة زمرة مغامرة في إيران ربطوا حكام دمشق بسفينتهم الغارقة ووظفوا الدم اللبناني لخدمة مصالحهم، وبتحريك حلم للنظام ألبعثي في دمشق أن يفرضوا على لبنان من جديد، الانضواء الكامل تحت مظلة النظام البعثي".

وتدعي ان الحرب التي شنها الكيان الصهيوني على لبنان هي من صناعة المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله، الذي ورط البلد والدولة والشعب في تلك الحرب. متجاهلة بنفس الوقت أن أكثر من 90% من سكان جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في البقاع وبعلبك، التي دمرتها الحرب الصهيونية، اعادوا التصويت لحزب الله الذي لم يخسر اي مقعد من مقاعده. كما أن الحزب السوري القومي الاجتماعي لم يخسر اي مقعد من مقاعده، وهذان الحزبان هما طليعة المقاومة الوطنية والاسلامية في لبنان. للاسف فأن الكاتبة التي كان الأجدر بها كفلسطينية احتل الصهاينة وطنها وطردوا شعبها وأحلوا مكانه لمما وهمجا من كل ألاصقاع، أن تتفهم موقف حزب الله، المدافع عن وطن محتل ومُعتدى عليه منذ 60 عاماً. لا أن تبرر للعدوان الصهيوني ما فعله وأن تقوم بادانة الضحية لأنها دافعت عن نفسها.

يبدو لي أن النفاق لصالح قوى 14 آذار وصل الى ما بعد بعد حيفا... وهناك كتابات لبنانية كثيرة تشير الى ان الأموال في لبنان استطاعت شراء ذمم وعقول معظم المثقفين اللبنانيين. وبمناسبة الحديث عن المثقفين وخاصة الذين كانوا يساريين في لبنان، فقد اتفقنا مؤخراً خلال حديث جمعني مع الرفيق المناضل، العربي الغاضب، د. اسعد ابو خليل في أوسلو على أن المال السياسي اللبناني والنفطي العربي فعلاً دجن الغالبية الساحقة من هؤلاء. ويذكر أن الحديث عن لبنان و8 و14 آذار، حصل اثناء مشاركة د. اسعد ابوخليل في مؤتمر اكاديمي. وللتاريخ يجب أن اسجل اعجابي وانبهاري بالشجاعة والصلابة التي تحلى بها كذلك الاكاديمي الفلسطيني، المناضل التقدمي جوزف مسعد.. وكذلك آخرين من المثقفين العرب المشاركين في المؤتمر.. فهؤلاء لم تتمكن الأموال السياسية من تبديلهم. وقد أبلوا بلاءً حسناً عبر تقديم وجهة نظر الشارع العربي. بالرغم من أن هناك أشخاصا ليسوا بالتأكيد من نفس نوعية الكاتبة الحيفاوية، حاولوا تشويه سمعة ابو خليل وجوزف مسعد من خلال اتهامهم بالمشاركة في مؤتمر اوسلوي تطبيعي. هذا كلام غير صحيح وغير دقيق وينضوي في نفس خانة التشويه الذي حملته مقالة الباحثة الحيفاوية.


نضال حمد

مدير موقع الصفصاف


www.safsaf.org


والمقالة رد على مقالة "من النصر الإلهي عام 2006 إلى الهزيمة السياسية عام 2009"..


بقلم : د. ميرا جميل

 

فاجأني احد محرري الصحف العربية الصادرة في إسرائيل بتوجيه تهم الخيانة للمسلمين السنة في لبنان ولمسيحيي لبنان، بادعاء أنهم عملاء الأمريكان، والسبب في هزيمة فريق 8 آذار الذي يتزعمه حزب الله، بقيادة حسن نصرالله..رغم الرعاية الإلهية التي ادعاها وتفاخر بها في "نصره" على اسرائيل ، في حرب لبنان 2006.

 

من المؤسف أن الكاتب إياه، وغيره، عاموا على الوهم، وتعاموا عن رؤية الصورة بحجمها الطبيعي، وبكل امتداداتها وأبعادها الكاملة ، اللبنانية والعربية والمنطقية والدولية .

 

وما اعنيه أن الهزيمة لحركة 8 آذار، هي هزيمة للتحالف الشمولي، الايرانو- سوري الممتد لبنانياً بحزب الله وأتباعه .

كان الوهم كبيراً أن "النصر الإلهي" في 2006 فتح الطريق للأطماع الفارسية التاريخية ( ما دام الله معنا ) ، وداعب أطماع الذين نهبوا لبنان خلال عقود الاحتلال، وتصرفوا بمصالحه ومصائر شعبه على ذوقهم، وكان خروجهم نتيجة الثورة البرتقالية للشعب اللبناني، الذي توحد بحركة 14 آذار.

 

لست واهمة بحركة 14 آذار ، وأرى ان تشكيلها هو ضمن اللعبة الطائفية السياسية والعائلية السياسية التي تسيطر على سياسات لبنان . وقد التقت مصالح هذه القوى وراء هدف وطني ، تحرير لبنان من السيطرة السورية والايرانية ، وصيانة نظامه الدمقراطي نسبيا في غابة الاستبداد العربي ، والحفاظ على مساحة الحرية الثقافية التي جعلت لبنان منارة حضارية مدنية راقية ومتطورة اجتماعيا واقتصاديا ، في بحر عربي متخلف وفقير ، ويعاني من أنظمة وراثية قمعية وفاسدة .

 

لم نتوهم بالنصر الإلهي، ودائماً رأينا الدمار المريع والثمن الذي دفعه أبناء لبنان بحياتهم وبدمار اقتصادهم ودمار مدنهم وبناهم التحتية، في حرب غير متكافئة لا مصلحة لهم فيها، فرضتها ميليشيا مسلحة لا تملك الحق الشرعي في اعلان الحرب وتوريط دولة وشعب بحرب تدميرية دون ان يكونوا على استعداد ، ودون أن يملكوا أبسط الوسائل لتوفير الحماية للمواطنين . حرب لا تخدم أي من الأهداف الوطنية اللبنانية أو العربية، وتصب كلها في مصلحة زمرة مغامرة في إيران ربطوا حكام دمشق بسفينتهم الغارقة ووظفوا الدم اللبناني لخدمة مصالحهم، وبتحريك حلم للنظام ألبعثي في دمشق أن يفرضوا على لبنان من جديد ، الانضواء الكامل تحت مظلة النظام ألبعثي .

 

ليس سراً أن لبنان أغنى عشرات المرات من سوريا، ليس بسبب ثرواته الطبيعية، إنما بسبب نظامه الديمقراطي، الذي أطلق المبادرات الإبداعية في الاقتصاد والمجتمع والثقافة.

 

إن من يتوهم أن نظام استبدادي قادر على تلبية حاجات المواطنين هو واهم. هو نظام قادر على بناء قوة عسكرية لحماية أمنه وملاحقة كل المنزعجين من التوريث والتخلف والفقر والبطالة والمطالبين بالديمقراطية ودولة المؤسسات.

سوريا منذ تسلط عليها البعث وعائلة الأسد، تسير من تخلف اقتصادي إلى تخلف أَشد. وخلال العقود الأربعة الأخيرة لم يتطور اقتصادها بما يتناسب وازدياد عدد السكان، وباتت من أفقر دول العالم، ونصف سكانها، بشهادة نائب رئيس سابق للدولة السورية، يبحثون عن الطعام في عربات القمامة.. وينتشر الزنا بسبب الفقر، والتقارير حول هذه الظاهرة في سوريا باتت تثير الرعب.

 

هل نكشف سراً إذا قلنا انه يوجد أكثر من مليون عامل سوري يشتغلون دائماً في لبنان؟ والبعض يقول إن الرقم وصل إلى أكثر من مليونين، خلال تحكم السوريين وسيطرتهم على كل موارد لبنان،إلى جانب فوز الشركات السورية بكل عقود العمل الكبيرة في لبنان، في فترة حكم المخابرات السورية ... رغم أن أسعارها تتجاوز أسعار حتى الشركات الأمريكية ؟! وهناك على شبكات الانترنت وثائق مذهلة حول هذا النهب المنظم، وحول الغناء الفاحش الذي كان من نصيب قادة المخابرات والمتنفذين السوريين في لبنان .

 

حقاً من المستهجن كان، أن نرى انضواء الحزب الشيوعي اللبناني، ذو التاريخ المجيد، تحت عباءة الشيخ حسن نصر الله. وكذلك ذوبان القوميين السوريين بعشق حسن نصر الله، ونفس الشيء مع الناصريين والبعثيين اللبنانيين.

لا يمكن أن نفهم قبول هذه القوى المدنية، قيادة ثيوقراطية، لشيخ يحكم باسم الله، من خلال الولي الفقيه، الذي يتمتع في الطريقة الشيعية، بصلاحيات غير محدودة (كما هو الحال في إيران مع المرشد الروحي للجمهورية) لأنه يعتبر أعلى مرتبة حتى من الأنبياء، حيث يعتبر استمراراً للأمام الغائب الذي يحمل قبساً من الروح الإلهية.

 

هكذا تحكم إيران وهكذا حكم جنوب لبنان قبل حرب 2006، فهل من المنطق أن يحكم لبنان بنفس العقلية؟ لبنان المدني الديمقراطي المتطور اقتصاديا وثقافياً؟! رغم مآسي الحرب الأهلية، إلا انه عاد يقف عملاقاً وطنياً عربياً على قدميه، ورغم النهب السوري، استمر في التطور وتعويض ما دمر وما سرق.

 

هل من المنطق إذن أن تنضوي حركات شيوعية وقومية تحت قيادة إلهية؟! إلى هذا الحد وصل فقدان الوعي بحركات يسارية ووطنية لم تبخل على وطنها بأرواحها؟!

 

الحديث ليس عن الإيمان. الإيمان وممارسة الطقوس الدينية، هي حق للمسلمين والمسيحيين والدروز بغض النظر عن اختلافات اتجاهاتهم.

 

الحديث عن موضوع جوهري ومصيري، نجح حزب الله بتوظيف صموده في 2006، وهو صمود لا غبار عليه، ولكنه لم يوظف في مكانه الصحيح لخدمة تثوير الجماهير العربية، والمجتمعات العربية، بل وظف لخدمة الصورة الإلهية الغيبية، ولخدمة ملالي إيران، الذين "سيسلحون الجيش اللبناني"- ما شاء الله.

 

ماذا سيفعل الجيش اللبناني بهذا السلاح، هل سيتحول لبنان إلى دولة قمع ديني أصولي؟! ومن سيخدم هذا السلاح أيها الولي الفقيه ؟! هل سيخدم تطور لبنان وتقدمه، أم سيخدم مشاريع ايرانو- سورية وشيعية طالبانية ؟!

من هنا أهمية انتصار 14آذار في الانتخابات الأخيرة ، النصر المدني الديمقراطي للتحالف الوطني للبنان!!

 

الدكتورة ميرا جميل كاتبة وباحثة اجتماعية قبرص / حيفا

 

meara.jameal@gmail.com