ليالي نرويجية لنضال حمد (الحلقة السادسة) 6 ..


من ليالي ألف ليلة وليلة في النرويج

الحلقة 6


بقلم : نضال حمد



بعد مرور عدة أشهر على سكني في مخيم بيستوم ، أصبحت علاقتي بالادارة والعاملين هناك جيدة. وتعرفت عليهم أكثر من خلال الحياة اليومية. في تلك الفترة عرفت ايضاً بعض العادات والأعياد النرويجية وتعلمت قليلاً من اللغة. وكانت معلمتنا امرأة ايرانية متزوجة من رجل نرويجي، لم أعد أذكر اسمها بالفارسية لكن أعتقد أنه بالعربية يعني " ملاك ". وكانت المعلمة تصدق اي كذبة أو نكتة نلقيها على مسامعها وتضحك لها فنضحك نحن أيضاَ لها..

ذات يوم من شتاء شباط فبراير 1994 أعلنت الادارة في المخيم عن مسابقة بين المقيمين لاختيار مجموعة منهم في رحلة تاريخية، تقودهم الى مشاهدة بطولة العالم في الالعاب الشتوية الاولومبية التي أقيمت في بلدة ليلهامر النرويجية الشهيرة. تقع تلك البلدة على مسافة ساعتين ونصف بالسيارة من أوسلو. وهي منطقة باردة وجبلية تتدنى فيها درجات الحرارة بشكل كبير. ومن الجدير بالذكر أن فريق من الموساد الصهيوني كان في سنة 1973 قد اغتال عن طريق الخطأ المغربي محمد بوشيخة ظناً منه أن الضحية هو القائد الفلسطيني الأمير الأحمر ابو حسن سلامه. ( بوشيخة هو الشقيق الأكبر لسفير السلام العالمي لدى اليونيسكو ، المغني المغربي الفرنسي المعروف " تشيكو" أحد مؤسسي الفرقة المعروفة جبسي كينغز أي ملوك الغجر وكذلك فرقة تشيكو اند ذي جبسي). المهم في صبيحة ذاك اليوم توجهت كآخر المتسابقين الى صندوق المسابقة حيث كتبت على ورقة صغيرة اسمي ورقم غرفتي ووضعته في الصندوقة. توجهت الى المدينة ولم أعد إلا ليلاً عندما وجدت اسمي ضمن لائحة الأسماء الفائزة.

بعد أيام صعدنا حافلة اوتوبيس أعدت لنا خصيصاً ومضت بنا في اجواء شديدة البرودة من العاصمة اوسلو صعوداً نحو بلدات هامر و ليلهامر ويوفيك. في الطريق الى ليلهامر وزعت علينا حقائب مقدمة من جريدة (في غا) اليومية النرويجية، في كل حقيبة كان هناك كوب معدني واقي للحرارة وطاقيةشتوية صنعت من قماش أحمر ، و ترمس لحفظ الشراب الساخن واشياء أخرى لم أعد أذكرها. وصلنا ليلهامر بعدما رأينا في الطريق اليها كل الاشياء بيضاء متجمدة. وكانت درجة الحرارة في ذلك اليوم ( 22-) درجة تحت الصفر . تفقدنا الأمكنة الجميلة ورأينا المدينة الاولومبية المعدة بعناية ودقة وبذوق جميل. كانت الأماكن أنيقة ومتعة للعين الناظرة، بياض رباني ، ألوان وزينة واضواء و شبيبة ، فتيان وفتيات يعملون مثل خلايا النحل و أفواج النمل.

شاهدنا مباراة ايس هوكي بين منتخبي روسيا والنمسا ، انتهت المباراة بفوز روسي كبير . وفي فترة الاستراحة اثناء المباراة خرجت مع بعض الأصدقاء لشرب القهوة والتدخين، كان البرد زمهريريا ولا يمكن للشخص ان يتحمل البقاء خارجاً لأكثر من دقائق ، بالرغم من أنه يرتدي لباساً شتوياً معداً بشكل خاص لمثل هذه الظروف. عندما وقفنا نشرب القهوة والشاي، لا أعرف لماذا حضرتني فوراً صورة مراسل تلفزيوني نرويجي كان يعد تقريراً عن الشتاء القارص جداً في شمال البلاد، حيث أظهرته الصورة وهو يقذف بالقهوة الساخنة خارج الكوب ورأى المشاهدون وأنا منهم كيف أن القهوة تجمدت فوراً "و على الطاير" .. كانت درجة الحرارة هناك أكثر من 45 درجة تحت الصفر. وكنت يومها التقطت بعض الصور التذكارية انا والاصدقاء والصديقات في ليلهامر وعلى الجليد والثلوج التي غطت المنطقة، فجعلتها اكثر بياضاً من اية سجادة سحاب بيضاء.

في طريق عودتنا ليلاً من ليلهامر الى اوسلو أجريت مسابقة معلومات رياضية بين جميع ركاب الحافلة ، وكانت الاسئلة كلها عن تواريخ واسماء رياضية. عرفت الاجابة عن بعضها لكن القسم الآخر وضعته كما اتفق. وعند ظهور النتائج تبين أنني صاحب المركز الثاني بعد مسؤولة الرحلة التي جاءت في المركز الأول. لغاية اليوم أذكر انذهال تلك المسؤولة ، وسؤالها لي من أين عرفت تلك المعلومات، فكان جوابي من الموسوعة الرياضية التي احتفظ بها في رأسي. وحصلت على جائزة كانت عبارة عن ساعة وقلم وميدالية ، للأسف اضعتهم كلهم خلال تنقلي من بيت الى آخر بعد الرحيل عن بيستوم. بعد العودة الى المعسكر.

 

يتبع

الحلقة السابعة



روابط الحلقات السابقة من ليالي نرويجية لنضال حمد

  --------------------------------------------------

ليالي نرويجية
 نضال حمد
الحلقة الأولى


قبل سنوات طويلة لم أفكر قط أنني سأعيش في هذا البلد البعيد والنائي ، لم تكن النرويج بالنسبة لي أكثر من ضيعة صغيرة تغطيها الثلوج وتعيش على الثروة السمكية وخاصة سمك السلمون، المعروف هنا في النرويج بسمك لاكس... لم تكن النرويج ذات شهرة قبل اكتشاف النفط والغاز في بحرها الذهبي.. ثم زادت شهرتها بعدما أصبحت عاصمة السلام المرفوض من المعنيين به.
>>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد

( الحلقة الثانية )

صعقت إذ بعد تقديم طلب اللجوء والاستئناف جاءني رفض سريع ، وأعيد سبب الرفض بالأساس لاعتقاد المختصين في دائرة شؤون اللاجئين النرويجية بأن الفلسطينيين في لبنان لا يعانون من مشاكل عرقية وسياسية وأمنية.. مع أن المخيمات الفلسطينية في لبنان في تلك الفترة كانت تشهد ظروفاً أمنية لم تكن أفضل مما تشهده هذه الأيام. الفلسطينيون كانوا يعيشون مشاكل داخلية وموجة اغتيالات وتفجيرات شبه يومية، بالإضافة لمعاملة مهينة وغير محترمة من الدولة اللبنانية. أما النرويجيون فأعتقدوا أن المسألة السياسية والعملية التفاوضية (مدريد أوسلو ) تسير نحو تحقيق السلام ، لذا لم يعد هناك مشكلة.. لكن اتضح فيما بعد انه تفكير سطحي وساذج، لأن مقتل رابين اثبت استحالة تحقيق السلام. ثم جاءت الانتفاضة فقلبت كل شيء.. وكانت نتيجة حتمية لعمليات القهر والقمع والفقر والاذلال وتواصل الاحتلال وتوسع الاستيطان ، هذا بالرغم من سلام الشجعان.
>>>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد-الحلقة الثالثة

قبل موعد الانتقال الى معسكر جديد في قلب العاصمة أوسلو وصلت دفعة جديدة من اللاجئين ،غالبيتهم من يوغسلافيا السابقة والصومال ، كان معظم زملائي يحضرون أنفسهم لمغادرة المخيم باتجاه شمال أو غرب النرويج ، حيث تم نقلهم الى مخيم آخر. أما آخر المغادرين منهم كان الأخ محمد المغربي، الذي تعلم فن الحلاقة وقص الشعر برؤوسنا ..
>>>

 

  --------------------------------------------------

الي نرويجية

الحلقة الرابعة

بقلم نضال حمد


معسكرنا الجديد أو مخيمنا الثاني في النرويج كان في منطقة بيستوم بالضاحية الغربية لمدينة أوسلو ، ولم يكن يبعد عن مطار أوسلو سوى مسافة عشر دقائق بالسيارة. كما أنه قريب من بلدة ساندفيكا ومن معسكرنا الأول في منطقة تانوم. لكنه في العاصمة. قسم المعسكر الى ست مباني خشبية ، كل مبنى كان يتألف من طبقتين. وعلى كل طابق نحو عشرة غرف، تسع منها لغير المتزوجين وغرفة واحدة للعائلات مع الأطفال. في كل غرفة يسكن شخص واحد، وقبل أن يستلم غرفته يقوم بدفع منبلغ مائة كراونة كتأمين على مفتاح الغرفة، في حال ضياع أو فقدان المفتاح لا يمكنه استرداد المبلغ المذكور. لم يكن في الغرفة الصغيرة سوى سرير ، خزانة، كرسي ومكتب صغير، ومرآة معلقة على الجدار. ولهذه المرآة قصة طريفة سوف اعود لها لاحقاً . نافذة غرفتي كانت تطل على حديقة مجاورة، بعكس الآخرين الذي كانت نوافذهم تطل على ساحة المعسكر وعلى خط السكك الحديد الذي كان بالقرب منه. أما المطبخ فقد كان مشتركاً كما الحمامات. باستثناء الفصل بين حمامات الإناث والذكور. وكذلك فان الصالون الذي وضعت فيه كنبات وكراسي وطالات وكذلك جهاز تلفزيون كان مشتركاً بين الجميع. في المطبخ ثلاث أو أربع أفران غاز لخدمة وحاجات الجميع. أما كل لاجئ فكان لديه ثلاجة صغيرة وخزانة في المطبخ. في المعسكر يوجد أيضاً مبنى ضم مكاتب الادارة والمستودعات.
>>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد-الحلقةالخامسة

في مخيم بيستوم للاجئين والمهاجرين الأجانب في العاصمة أوسلو قضيت نحو 20 شهرا من حياتي. كانت تلك الأشهر بمثابة تجربة حياتية فريدة من نوعها وجديرة بالاهتمام. لأنه كان من الصعب على الإنسان العيش تحت سقف واحد، مع بشر من جنسيات مختلفة ومتعددة ، في مساحة لا تزيد على 200 متر مربع، بحمام ومطبخ وصالون مشترك وتلفاز أيضا مشترك. كيف توفق بين من يريد مشاهدة حفل موسيقي وأخر يريد مباراة كرة قدم وثالث يحبذ المحطات الموسيقية مثل أل أم تي في وغيرها.؟ أو عن رابع يريد مشاهدة المسلسلات والأفلام ، و خامس لا يريد سوى خراب جهاز التلفزيون وتوقفه عن البث.. مع أنه كان من أهم وسائل الترفيه علينا في غربتنا.>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد-الحلقةالسادسة
بعد مرور عدة أشهر على سكني في مخيم بيستوم ، أصبحت علاقتي بالادارة والعاملين هناك جيدة. وتعرفت عليهم أكثر من خلال الحياة اليومية. في تلك الفترة عرفت ايضاً بعض العادات والأعياد النرويجية وتعلمت قليلاً من اللغة. وكانت معلمتنا امرأة ايرانية متزوجة من رجل نرويجي، لم أعد أذكر اسمها بالفارسية لكن أعتقد أنه بالعربية يعني " ملاك ". وكانت المعلمة تصدق اي كذبة أو نكتة نلقيها على مسامعها وتضحك لها فنضحك نحن أيضاَ لها
>>

  --------------------------------------------------