ليالي نرويجية

الحلقة الرابعة

بقلم نضال حمد


معسكرنا الجديد أو مخيمنا الثاني في النرويج كان في منطقة بيستوم بالضاحية الغربية لمدينة أوسلو ، ولم يكن يبعد عن مطار أوسلو سوى مسافة عشر دقائق بالسيارة. كما أنه قريب من بلدة ساندفيكا ومن معسكرنا الأول في منطقة تانوم. لكنه في العاصمة. قسم المعسكر الى ست مباني خشبية ، كل مبنى كان يتألف من طبقتين. وعلى كل طابق نحو عشرة غرف، تسع منها لغير المتزوجين وغرفة واحدة للعائلات مع الأطفال. في كل غرفة يسكن شخص واحد، وقبل أن يستلم غرفته يقوم بدفع منبلغ مائة كراونة كتأمين على مفتاح الغرفة، في حال ضياع أو فقدان المفتاح لا يمكنه استرداد المبلغ المذكور. لم يكن في الغرفة الصغيرة سوى سرير ، خزانة، كرسي ومكتب صغير، ومرآة معلقة على الجدار. ولهذه المرآة قصة طريفة سوف اعود لها لاحقاً . نافذة غرفتي كانت تطل على حديقة مجاورة، بعكس الآخرين الذي كانت نوافذهم تطل على ساحة المعسكر وعلى خط السكك الحديد الذي كان بالقرب منه. أما المطبخ فقد كان مشتركاً كما الحمامات. باستثناء الفصل بين حمامات الإناث والذكور. وكذلك فان الصالون الذي وضعت فيه كنبات وكراسي وطالات وكذلك جهاز تلفزيون كان مشتركاً بين الجميع. في المطبخ ثلاث أو أربع أفران غاز لخدمة وحاجات الجميع. أما كل لاجئ فكان لديه ثلاجة صغيرة وخزانة في المطبخ. في المعسكر يوجد أيضاً مبنى ضم مكاتب الادارة والمستودعات. وفي أحد المباني وجدت صالة للرياضة وأخرى لتعليم دروس اللغة النرويجية مرة واحدة في الاسبوع. وجهاز هاتف يرسل ويستقبل عبر استخدام قطعاً معدنية أو بطاقة هاتفية. وكان هناك في مدخل المعسكر هاتف عام على الشارع الفاصل بين القسمين الشرقي و الغربي من المعسكر.توجب على سكان المباني كلها أن يقوموا يومياً وبشكل دوري بتنظيفها. شخصياً تم اعفائي من القيام بتلك المهمة بسبب وضعي الصحي. لكن كان يتوجب علي تنظيف غرفتي وهذا بحد ذاته كان عملاً شاقاً بالنسبة لي فقد كلفتني جهداً جسدياً كبيراً.

عند وصولي بالسيارة التي كانت تقلني من تانوم الى بستاوم ولم أكن أعرف أحداً هناك ، عرفت أن المرأة العربية التي كانت في استقبالي هي المناضلة الفلسطينية سهيلة اندراوس، التي كانت مقيمة في المعسكر مع زوجها وطفلتها. قد يتساءل البعض من هي هذه المرأة ؟ الجواب بسيط انها مناضلة فلسطينية دفعت من حياتها ثمناً باهضاً للدفاع عن شعبها وقضيتها حيث جرحت وسجنت وأسرت في عدة دول، ألى أن نالت حريتها. عندما خرجت من السيارة كانت هي في استقبالي ، لما سمعتها تتحدث بالعربية وبلهجة فلسطينية ارتحت كثيراً. رحبت بي وقالت دعني اساعدك بحمل الحقائب مع أنني جريحة مثلك.. توجهنا الى مكتب الاستعلامات والادارة حيث استلمت مفتاح غرفتي والاشياء الأخرى الضرورية. لم أعد اذكر رقم غرفتي ولا رقم المبنى الذي سكنت فيه بقية السنة الأولى من اقامتي هناك.

في الادارة موظفون من عدة دول عالمية ومن جنسيات مختلفة. كان هناك أخ لبناني اسمه نظام تميمي، مهنته عازف موسيقي، لكنه عمل لدى دائرة شؤون اللاجئين وفي هذا المعسكر. و آخر من كردستان ايران اسمه رؤوف يتحدث العربية بشكل مكسر لكن مفهوم ومقبول. وشخص ثالث لم أعد أذكر اسمه من زائير .. أما بقية الموظفين كانوا من النرويجيين. نائب مدير المعسكر " انغيبورغ" سيدة محترمة كبيرة في السن، عاشت تجربة الثورة الكوبية، ثم عادت الى بلدها النرويج. لا أدري ماذا حل بها هذه الأيام .. ساعدتنا كثيراً.

اللاجئون في المعسكر من جنسيات مختلفة ، الأكثرية بطبيعة الحال من الصومال وألبان كوسوفو و يوغسلافيا السابقة ثم يأتي الأرتيريون والعرب والأكراد. وكانت توجد امرأة من بولندا وزوجها من زائير ولهذه العائلة قصة مشوقة نعود اليها فيما بعد. في المبنى الذي سكنت فيه كان يوجد أيضاً شخص فلسطيني من نفس مخيمنا في لبنان. وكذلك شخص لبناني من الجنوب وكلاهما كان ينتظر تسفيره من النرويج. اللبناني عمل ليلاً بائعاً للزهور في شوارع ومقاهي ومطاعم اوسلو. وعمله كان مخالفاً للقانون لأنه بلا اقامة لكنه فعل الذي كان يفعله كثيرون غيره. في نهاية المطاف وبعد انتظار دام عدة سنوات تم تسفيره الى لبنان. أما الفلسطيني فقد بقي معنا ونال حق الاقامة بعد عذاب طويل استمر لأكثر من سنتين ونصف السنة. في المبنى الذي يقع خلفنا كان هناك لبناني من شمال لبنان تم أيضاً تسفيره فيما بعد. وفي مباني أخرى كان هناك أخوين من السودان.. بعد مرور اسابيع قليلة على اقامتي في باستوم تزايد عدد الفلسطينيين والعرب حتى اصبحنا أكثر من عشرة اشخاص. قضينا ليالي كثيرة في سهرات طويلة مع التلفاز ، ولم يكن يومها متوفراً البث الفضائي ولا الأقراص والصحون التي تلتقط الفضائيات. فكنا نستأجر افلام الفيديو العربية ونقوم بمشاهدتها. وكنا نشاهد أيضاً المحطات المحلية. كما نقوم بقضاء ليالي في لعب الورق والعراك على اشياء تافه اثناء اللعب. فيما كان الصالون اشبه بفرن كبير حيث أن دخان السجائر يتواجد بلا توقف. في وقت لاحق اكتشفنا أن في العاصمة مكتبة عامة رئيسية وفي كل منطقة فرع لها .. اكتشفنا وجود مكتبات عامة للمطالعة وفيها كتب باللغة العربية من الأدب الى الشعر ، القصص والروايات والسياسية والمذكرات والتاريخ والاسلاميات والأدب العالمي المترجم للعربية ..

هنا بالذات بدأت مرحلة جديدة في حياتي في بيستوم. أصبحت اقتني تلك الكتب وكلما انتهيت من قراءة كتاب استلفت كتابا جديدا. تلك الفترة كانت من أكثر فترات حياتي مطالعة وقراءة. استفدت منها كثيراً. حيث طالعت وقرأت وكتبت.

كنا في باستوم نجاور بعض اللصوص الصغار من الذين يتاجرون بالمسروقات مثل السجائر والكحول والملابس والأشياء الأخرى. هؤلاء ساعدونا كثيراً في التغلب على الظروف الصعبة، خاصة السجائر التي كنا نشتريها منهم بأثمان بخسة. فثمن علبة السجائر في المحلات التجارية تجاوز ال 6 دولارات أمريكية. في حين ابتعناها من لصوص الحاجة بدولارين أو ثلاث دولارات في أسوأ الأحوال. كما كنا نضطر للتعامل مع بعض سكان مخيمنا من الذين لا يطاقون. وكذلك بعض المعوقين عقليا ونفسانيا من اللاجئين.. كان على المرء أن يسمع موسيقى ألبانية أو صومالية أو عربية أو أفريقية سواء رغب بذلك أم لم يرغب. فسماع موسيقى جارك أصبحت كصورة وخطاب الرئيس في بعض الدول العربية، من الثوابت والفرائض في نشرات الأخبار وبين البرامج، مثل برنامج أخبار الحكومة الذي يسمونه برنامج"غص بعنك" والذي يتكلم عنه الجمهور العربي من المحيط الى الخليج. كان علينا تقاسم الحمام والمطبخ مع بعضنا.

أسوأ المحطات كانت في استخدام الحمامات ، إذ كان هناك بعض الناس لا يعرفون كيف يديرون الماء في الحمام ، أو كيفية استخدام السيفون بعد قضاء الحاجة. وأذكر أنه أثار انتباهي وانتباه آخرين الملصقات المعلقة على الجدران في الحمامات، كانت ملصقات مع شرح بالكلمات والصور، تعرف اللاجئين الجدد بكيفية استعمال حنفيات الماء وغيرها من المعدات مثل استخدام أوراق التواليت بعد قضاء الحاجة، استخدام فرشاة التنظيف والخ.. في البداية صعقت من هذه الملصقات وقلت كما آخرين مابال هؤلاء النرويجيين يعتقدون اننا جئنا اليهم من الغابات والعصور القديمة. لكن مع مرور الأيام ومعاشرتي للسكان في المعسكر عرفت السبب وأقررت أن النرويجيين أذكياء فعلاً. فقد فعلوا ذلك كي لا يسيئوا للأشخاص الذين لا يعرفون أي شيء عن الحمامات وغيرها، إذ تواجد بيننا بعض هؤلاء.

هذا من ناحية اللاجئين المنوعين أما من ناحية الموظفين فقد كانوا ينقسمون لفئة جيدة وأخرى تعاني من تخمة البيروقراطية ومرض الفوقية.. لذا كانت لدينا مشاكل أكبر مع الفئة الأخيرة.

مع مرور الأيام و بلا أخبار ايجابية من دائرة الهجرة واللاجئين كانت الحياة في المعسكر تزداد صعوبة وقسوة. وكنا نعمل بكل طاقاتنا من أجل التكيف معها. لكن الحنين للأهل والماضيين البعيد والقريب ظل أقوى من أن يوصف ويحتمل.

خفف من وقع حزننا في السجن الكبير أنه اصبح لدينا أصدقاء ومعارف يواسوننا في أحزاننا، ويساعدوننا في تخطي الصعاب والأزمات المتكررة والمتعددة. لم يكن يسمح لنا طوال فترة الانتظار في مخيم اللجوء بلا إقامة، الذهاب إلى المدرسة لتعلم اللغة النرويجية كنظرائنا من الذين حصلوا على حق الإقامة. ولم يتسنى لنا رؤية المدرسة إلا بعد أن حصلنا على الإقامة. كنا نقضي وقتنا في لعب الورق والبليارد والشطرنج والطاولة أو في المطالعة، كنت أجد الوقت الكافي لقراءة الكتب ومطالعة الأخبار في الجرائد العربية التي كانت تصلنا من لندن، ومنها الحياة اللبنانية والشرق الأوسط. جريدة الحياة كانت تتم قرصنتها من بعض الموظفين العرب والأكراد الذين يعملون في المخيم، فيقرؤونها ومن ثم يعطونها لمعارفهم من اللاجئين وعندما يسأل أحدهم عن الجريدة ، لا يجد جواباً وقد تحضر أو لا تحضر. هذه الظاهرة كان لي شرف إنهائها ووضع حد لها، بحيث أصبحت الجرائد تصل الى الجميع ،وصار بإمكاننا تصوير ما نريد منها. وبفضل تلك الجرائد سمعت باستشهاد أو وفاة بعض أقاربي في مخيمنا في جنوب لبنان.

يتبع.. الحلقة الخامسة

 

 


روابط الحلقات السابقة من ليالي نرويجية لنضال حمد

  --------------------------------------------------

ليالي نرويجية
 نضال حمد
الحلقة الأولى


قبل سنوات طويلة لم أفكر قط أنني سأعيش في هذا البلد البعيد والنائي ، لم تكن النرويج بالنسبة لي أكثر من ضيعة صغيرة تغطيها الثلوج وتعيش على الثروة السمكية وخاصة سمك السلمون، المعروف هنا في النرويج بسمك لاكس... لم تكن النرويج ذات شهرة قبل اكتشاف النفط والغاز في بحرها الذهبي.. ثم زادت شهرتها بعدما أصبحت عاصمة السلام المرفوض من المعنيين به.
>>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد

( الحلقة الثانية )

صعقت إذ بعد تقديم طلب اللجوء والاستئناف جاءني رفض سريع ، وأعيد سبب الرفض بالأساس لاعتقاد المختصين في دائرة شؤون اللاجئين النرويجية بأن الفلسطينيين في لبنان لا يعانون من مشاكل عرقية وسياسية وأمنية.. مع أن المخيمات الفلسطينية في لبنان في تلك الفترة كانت تشهد ظروفاً أمنية لم تكن أفضل مما تشهده هذه الأيام. الفلسطينيون كانوا يعيشون مشاكل داخلية وموجة اغتيالات وتفجيرات شبه يومية، بالإضافة لمعاملة مهينة وغير محترمة من الدولة اللبنانية. أما النرويجيون فأعتقدوا أن المسألة السياسية والعملية التفاوضية (مدريد أوسلو ) تسير نحو تحقيق السلام ، لذا لم يعد هناك مشكلة.. لكن اتضح فيما بعد انه تفكير سطحي وساذج، لأن مقتل رابين اثبت استحالة تحقيق السلام. ثم جاءت الانتفاضة فقلبت كل شيء.. وكانت نتيجة حتمية لعمليات القهر والقمع والفقر والاذلال وتواصل الاحتلال وتوسع الاستيطان ، هذا بالرغم من سلام الشجعان.
>>>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد-الحلقة الثالثة

قبل موعد الانتقال الى معسكر جديد في قلب العاصمة أوسلو وصلت دفعة جديدة من اللاجئين ،غالبيتهم من يوغسلافيا السابقة والصومال ، كان معظم زملائي يحضرون أنفسهم لمغادرة المخيم باتجاه شمال أو غرب النرويج ، حيث تم نقلهم الى مخيم آخر. أما آخر المغادرين منهم كان الأخ محمد المغربي، الذي تعلم فن الحلاقة وقص الشعر برؤوسنا ..
>>>

 

  --------------------------------------------------

الي نرويجية

الحلقة الرابعة

بقلم نضال حمد


معسكرنا الجديد أو مخيمنا الثاني في النرويج كان في منطقة بيستوم بالضاحية الغربية لمدينة أوسلو ، ولم يكن يبعد عن مطار أوسلو سوى مسافة عشر دقائق بالسيارة. كما أنه قريب من بلدة ساندفيكا ومن معسكرنا الأول في منطقة تانوم. لكنه في العاصمة. قسم المعسكر الى ست مباني خشبية ، كل مبنى كان يتألف من طبقتين. وعلى كل طابق نحو عشرة غرف، تسع منها لغير المتزوجين وغرفة واحدة للعائلات مع الأطفال. في كل غرفة يسكن شخص واحد، وقبل أن يستلم غرفته يقوم بدفع منبلغ مائة كراونة كتأمين على مفتاح الغرفة، في حال ضياع أو فقدان المفتاح لا يمكنه استرداد المبلغ المذكور. لم يكن في الغرفة الصغيرة سوى سرير ، خزانة، كرسي ومكتب صغير، ومرآة معلقة على الجدار. ولهذه المرآة قصة طريفة سوف اعود لها لاحقاً . نافذة غرفتي كانت تطل على حديقة مجاورة، بعكس الآخرين الذي كانت نوافذهم تطل على ساحة المعسكر وعلى خط السكك الحديد الذي كان بالقرب منه. أما المطبخ فقد كان مشتركاً كما الحمامات. باستثناء الفصل بين حمامات الإناث والذكور. وكذلك فان الصالون الذي وضعت فيه كنبات وكراسي وطالات وكذلك جهاز تلفزيون كان مشتركاً بين الجميع. في المطبخ ثلاث أو أربع أفران غاز لخدمة وحاجات الجميع. أما كل لاجئ فكان لديه ثلاجة صغيرة وخزانة في المطبخ. في المعسكر يوجد أيضاً مبنى ضم مكاتب الادارة والمستودعات.
>>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد-الحلقةالخامسة

في مخيم بيستوم للاجئين والمهاجرين الأجانب في العاصمة أوسلو قضيت نحو 20 شهرا من حياتي. كانت تلك الأشهر بمثابة تجربة حياتية فريدة من نوعها وجديرة بالاهتمام. لأنه كان من الصعب على الإنسان العيش تحت سقف واحد، مع بشر من جنسيات مختلفة ومتعددة ، في مساحة لا تزيد على 200 متر مربع، بحمام ومطبخ وصالون مشترك وتلفاز أيضا مشترك. كيف توفق بين من يريد مشاهدة حفل موسيقي وأخر يريد مباراة كرة قدم وثالث يحبذ المحطات الموسيقية مثل أل أم تي في وغيرها.؟ أو عن رابع يريد مشاهدة المسلسلات والأفلام ، و خامس لا يريد سوى خراب جهاز التلفزيون وتوقفه عن البث.. مع أنه كان من أهم وسائل الترفيه علينا في غربتنا.>>

  --------------------------------------------------

مجموعة من الحلقات التذكارية بعنوان ليالي نرويجية

 يكتبها نضال حمد-الحلقةالسادسة
بعد مرور عدة أشهر على سكني في مخيم بيستوم ، أصبحت علاقتي بالادارة والعاملين هناك جيدة. وتعرفت عليهم أكثر من خلال الحياة اليومية. في تلك الفترة عرفت ايضاً بعض العادات والأعياد النرويجية وتعلمت قليلاً من اللغة. وكانت معلمتنا امرأة ايرانية متزوجة من رجل نرويجي، لم أعد أذكر اسمها بالفارسية لكن أعتقد أنه بالعربية يعني " ملاك ". وكانت المعلمة تصدق اي كذبة أو نكتة نلقيها على مسامعها وتضحك لها فنضحك نحن أيضاَ لها
>>

  --------------------------------------------------